نور الهدى
هلا ومرحبا فى منتدى (نور الهدى)


أهلا وسهلا بك يا زائر في منتدى نور الهدى
 
الرئيسيةالبوابةاليوميةس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول
إقراء القران من هنا
اقراء القران من هنا
الاذكاراســتغفر الله .. اســتغفر الله .. اســتغفر الله ۞ ســبحان اللــه وبـحـمـده ، ســبحان اللــه الـعـظيـم ۞ سـبـحان اللــه ، والـحمـدللـه ، ولاإله الى الله ، والله أكـبر ۞ اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل ابراهيم إنك حميد مجيد , اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل ابراهيم إنك حميد مجيد ۞ سـبحان اللــه وبـحمـده ، عــدد خـلقـه ، ورضـا نـفـسه ، وزنة عـرشه ، ومداد كـلماته ۞ لا إله إلا الله العظيم الحليم , لا إله إلا الله رب العرش العظيم , لا إله إلا الله رب السموات , ورب الأرض , ورب العرش الكريم ۞ لاحــول ولا قــوة إلى باللـــه

بحـث
 
 

نتائج البحث
 
Rechercher بحث متقدم
المواضيع الأخيرة
» حكم وفوائد صيام الست من شوال
الإثنين سبتمبر 05, 2011 3:13 am من طرف نور الهدى

» وقفات فى استقبال شهر رمضان
الجمعة يوليو 22, 2011 5:23 am من طرف نور الهدى

» بسبوسه رائعه
الخميس مايو 12, 2011 5:27 am من طرف نور الهدى

» لمحه من حياه بنات رسول الله
الخميس مايو 12, 2011 5:17 am من طرف نور الهدى

» من يحمل هم الدين
الخميس مايو 12, 2011 5:07 am من طرف نور الهدى

» لا للاحتفال براس السنه
الخميس ديسمبر 30, 2010 5:35 am من طرف ام عائشه

» حكم التهئنة بعيد الكريسماس
الثلاثاء ديسمبر 28, 2010 4:23 am من طرف ام عائشه

» تعالو شاهدو قريه اهلكت عن بكرة ابيها في ايطاليا
السبت نوفمبر 27, 2010 9:11 am من طرف نور

» كلمة مبروك ليس فيها شي........فتوي للشيخ ابن عثيمين
الخميس نوفمبر 25, 2010 11:20 am من طرف سوسو

ازرار التصفُّح
 البوابة
 الصفحة الرئيسية
 قائمة الاعضاء
 البيانات الشخصية
 س .و .ج
 ابحـث
منتدى
التبادل الاعلاني
احداث منتدى مجاني
ديسمبر 2017
الإثنينالثلاثاءالأربعاءالخميسالجمعةالسبتالأحد
    123
45678910
11121314151617
18192021222324
25262728293031
اليوميةاليومية
ازرار التصفُّح
 البوابة
 الصفحة الرئيسية
 قائمة الاعضاء
 البيانات الشخصية
 س .و .ج
 ابحـث

شاطر | 
 

 تفسير اضواء البيان فى ايضاح القران بالقران

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
انتقل الى الصفحة : 1, 2  الصفحة التالية
كاتب الموضوعرسالة
الهدى

avatar

عدد المساهمات : 326
التميز : 1
تاريخ التسجيل : 14/10/2009

مُساهمةموضوع: تفسير اضواء البيان فى ايضاح القران بالقران   الإثنين يناير 11, 2010 3:52 am



الجزء الأول من كتاب أضواء البيان


تفسير أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن


تأليف


الشيخ محمد الأمين بن محمد المختار الجنكي الشنقيطي


المتوفى سنة 1393هـ




تفسير سورة الفاتحة


‏{‏بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏}‏


لم يذكر لحمده هنا ظرفًا مكانيًا ولا زمانيًا‏.‏ وذكر في سورة الروم أن من ظروفه المكانية‏:‏ السماوات والأرض في قوله‏:‏ ‏{‏وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ‏}‏، وذكر في سورة القصص أن من ظروفه الزمانية‏:‏ الدنيا والآخرة في قوله‏:‏ ‏{‏وَهُوَ اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الأُولَى وَالآخِرَةِ‏}‏، وقال في أول سورة سبأ‏:‏ ‏{‏وَلَهُ الْحَمْدُ فِى الاْخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ‏}‏ والألف واللام في ‏{‏الْحَمْدُ‏}‏ لاستغراق جميع المحامد‏.‏ وهو ثناء أثنى به تعالى? على نفسه وفي ضمْنه أمَرَ عباده أن يثنوا عليه به‏.‏


وقوله تعالى?‏:‏ ‏{‏رَبِّ الْعَالَمِينَ‏}‏ لم يبين هنا ما العالمون، وبين ذلك في موضع آخر بقوله‏:‏ ‏{‏قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا‏}‏


قال بعض العلماء‏:‏ اشتقاق العالم من العلامة، لأن وجود العالم علامة لا شك فيها على وجود خالقه متصفًا بصفات الكمال والجلال، قال تعالى?‏:‏ ‏{‏إِنَّ فِي خَلْقِ السموات والأرض لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ‏}‏، والآية في اللغة‏:‏ العلامة السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ‏.‏




‏{‏الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏}‏


هما وصفان للَّه تعالى?، واسمان من أسمائه الحسنى، مشتقان من الرحمة على وجه المبالغة، والرحم?ن أشد مبالغة من الرحيم، لأن الرحم?ن هو ذو الرحمة الشاملة لجميع الخلائق في الدنيا، وللمؤمنين في الآخرة، و الرحيم ذو الرحمة للمؤمنين يوم القيامة‏.‏ وعلى هذا أكثر العلماء‏.‏ وفي كلام ابن جرير ما يفهم منه حكاية الاتفاق على هذا‏.‏ وفي تفسير بعض السلف ما يدل عليه، كما قاله ابن كثير، ويدل له الأثر المروي عن عيسى كما ذكره ابن كثير وغيره أنه قال عليه وعلى نبيّنا الصلاة والسلام‏:‏ الرَّحْم?نِ رحم?ن الدنيا والآخرة والرَّحِيم رحيم الآخرة‏.‏ وقد أشار تعالى? إلى هذا الذي ذكرنا حيث قال‏:‏ ‏{‏ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ‏}‏، وقال‏:‏ ‏{‏عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى‏}‏، فذكر الاستواء باسمه الرحم?ن ليعم جميع خلقه برحمته‏.‏ قاله ابن كثير‏.‏ ومثله قوله تعالى?‏:‏ ‏{‏أَوَ لَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ الرَّحْمَنُ‏}‏؛ أي‏:‏ ومن رحمانيته‏:‏ لطفه بالطير، وإمساكه إياها صافات وقابضات في جو السماء‏.‏ ومن أظهر الأدلة في ذلك قوله تعالى?‏:‏ ‏{‏الرَّحْمَنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ‏}‏ إلى قوله‏:‏ ‏{‏فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ‏}‏، وقال‏:‏ ‏{‏وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا‏}‏ فخصهم باسمه الرحيم‏.‏ فإن قيل‏:‏ كيف يمكن الجمع بين ما قررتم، وبين ما جاء في الدعاء المأثور من قوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏رحم?ن الدنيا والآخرة ورحيمهما‏"‏‏.‏


‏{‏مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ‏}‏


لم يبينه هنا، وبينه في قوله‏:‏ ‏{‏وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِّنَفْسٍ شَيْئًا وَالأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ‏}‏‏.‏


والمراد بالدين في الآية الجزاء‏.‏ ومنه قوله تعالى?‏:‏ ‏{‏يَوْمَئِذٍ يُوَفّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ‏}‏، أي جزاء أعمالهم بالعدل‏.‏


‏{‏إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ‏}‏


أشار في هذه الآية الكريمة إلى تحقيق معنى لا إل?ه إلا اللَّه؛ لأن معناها مركب من أمرين‏:‏ نفي وإثبات‏.‏ فالنفي‏:‏ خلع جميع المعبودات غير اللَّه تعالى? في جميع أنواع العبادات، والإثبات‏:‏ إفراد ربّ السماوات والأرض وحده بجميع أنواع العبادات على الوجه المشروع‏.‏ وقد أشار إلى النفي من لا إل?ه إلا اللَّه بتقديم المعمول الذي هو ‏{‏إِيَّاكَ‏}‏ وقد تقرر في الأصول، في مبحث دليل الخطاب الذي هو مفهوم المخالفة‏.‏ وفي المعاني في مبحث القصر‏:‏ أن تقديم المعمول من صيغ الحصر‏.‏ وأشار إلى الإثبات منها بقوله‏:‏ ‏{‏نَعْبُدُ‏}‏‏.‏


وقد بيّن معناها المشار إليه هنا مفصلاً في آيات أُخر كقوله‏:‏ ‏{‏يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ‏}‏، فصرح بالإثبات منها بقوله‏:‏ ‏{‏اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ‏}‏، وصرح بالنفي منها في آخر الآية الكريمة بقوله‏:‏ ‏{‏فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَاداً وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ‏}‏، وكقوله‏:‏ ‏{‏وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللَّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ‏}‏، فصرح بالإثبات بقوله‏:‏ ‏{‏أَنِ اعْبُدُواْ اللَّهَ‏}‏ وبالنفي بقوله‏:‏ ‏{‏وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ‏}‏، وكقوله‏:‏ ‏{‏فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ‏}‏، فصرح بالنفي منها بقوله‏:‏ ‏{‏فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ‏}‏، وبالإثبات بقوله‏:‏ ‏{‏وَيُؤْمِن بِاللَّهِ‏}‏؛ وكقوله‏:‏ ‏{‏وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاء مِّمَّا تَعْبُدُونَ إِلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي‏}‏، وكقوله‏:‏ ‏{‏وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِن دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ‏}‏؛ إلى غير ذلك من الآيات‏.‏


‏{‏وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ‏}‏ أي لا نطلب العون إلا منك وحدك؛ لأن الأمر كله بيدك وحدك لا يملك أحد منه معك مثقال ذرة‏.‏ وإتيانه بقوله‏:‏ ‏{‏وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ‏}‏، بعد قوله‏:‏ ‏{‏إِيَّاكَ نَعْبُدُ‏}‏، فيه إشارة إلى أنه لا ينبغي أن يتوكل إلا على من يستحق العبادة؛ لأن غيره ليس بيده الأمر‏.‏ وهذا المعنى المشار إليه هنا جاء مبينًا واضحًا في آيات أُخر كقوله‏:‏ ‏{‏فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلاً‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا‏}‏، وإلى غير ذلك من الآيات‏.‏


‏{‏صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ‏}‏


لم يبين هنا من ه?ؤلاء الذين أنعم عليهم‏.‏ وبين ذلك في موضع آخر بقوله‏:‏ ‏{‏وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا‏}‏‏.‏


تنبيهــان


الأول‏:‏ يؤخذ من هذه الآية الكريمة صحة إمامة أبي بكر الصدّيق رضي اللَّه عنه؛ لأنَّه داخل فيمن أمرنا اللَّه في السبع المثاني والقرءان العظيم ــ أعني الفاتحة ــ بأن نسأله أن يهدينا صراطهم‏.‏ فدلّ ذلك على أن صراطهم هو الصراط المستقيم‏.‏


وذلك في قوله‏:‏ ‏{‏اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ‏}‏ وقد بيّن الذين أنعم عليهم فعد منهم الصديقين‏.‏ وقد بيّن صلى الله عليه وسلم أن أبا بكر رضي الله عنه من الصديقين، فاتضح أنه داخل في الذين أنعم اللَّه عليهم، الذين أمرنا اللَّه أن نسأله الهداية إلى صراطهم فلم يبق لبس في أن أبا بكر الصديق رضي اللَّه عنه على الصراط المستقيم، وأن إمامته حق‏.‏


الثاني‏:‏ قد علمت أن الصديقين من الذين أنعم اللَّه عليهم‏.‏ وقد صرح تعالى? بأن مريم ابنة عمران صدّيقة في قوله‏:‏ ‏{‏وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ‏}‏، وإذن فهل تدخل مريم في قوله تعالى?‏:‏ ‏{‏صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ‏}‏، أو لا ‏؟‏


الجواب‏:‏ أن دخولها فيهم يتفرع على قاعدة أصولية مختلف فيها معروفة، وهي‏:‏ هل ما في القرءان العظيم والسنة من الجموع الصحيحة المذكرة ونحوها مما يختص بجماعة الذكور تدخل فيه الإناث أو لا يدخلن فيه إلا بدليل منفصل ‏؟‏ فذهب قوم إلى أنهن يدخلن في ذلك، وعليه‏:‏ فمريم داخلة في الآية واحتج أهل هذا القول بأمرين‏:‏


لأول‏:‏ إجماع أهل اللسان العربي على تغليب الذكور على الإناث في الجمع‏.‏


والثاني‏:‏ ورود آيات تدل على دخولهن في الجموع الصحيحة المذكرة ونحوها، كقوله تعالى? في مريم نفسها‏:‏ ‏{‏وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ‏}‏، وقوله في امرأة العزيز‏:‏ ‏{‏يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنبِكِ إِنَّكِ كُنتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ‏}‏، وقوله في بلقيس‏:‏ ‏{‏وَصَدَّهَا مَا كَانَت تَّعْبُدُ مِن دُونِ اللَّهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِن قَوْمٍ كَافِرِينَ‏}‏، وقوله فيما كالجمع المذكر السالم‏:‏ ‏{‏قُلْنَا اهْبِطُواْ مِنْهَا جَمِيعاً‏}‏؛ فإنه تدخل فيه حواء إجماعًا‏.‏ وذهب كثير إلى أنهن لا يدخلن في ذلك إلا بدليل منفصل‏.‏ واستدلوا على ذلك بآيات كقوله‏:‏ ‏{‏إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ‏}‏ إلى قوله‏:‏ ‏{‏أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا‏}‏، وقوله تعالى?‏:‏ ‏{‏قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ‏}‏، ثم قال‏:‏ ‏{‏وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ‏}‏، فعطفهن عليهم يدل على عدم دخولهن‏.‏ وأجابوا عن حجة أهل القول الأول بأن تغليب الذكور على الإناث في الجمع ليس محل نزاع‏.‏ وإنما النزاع في الذي يتبادر من الجمع المذكر ونحوه عند الإطلاق‏.‏ وعقن الآيات بأن دخول الإناث فيها‏.‏ إنما علم من قرينة السياق ودلالة اللفظ، ودخولهن في حالة الاقتران بما يدل على ذلك لا نزاع فيه‏.‏


وعلى هذا القول‏:‏ فمريم غير داخلة في الآية وإلى هذا الخلاف أشار في ‏"‏ مراقي السعود ‏"‏ بقوله‏:‏ ‏(‏الرجز‏)‏ وما شمول من للانثى جنف وفي شبيه المسلمين اختلفوا




وقوله‏:‏ ‏{‏صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ‏}‏ قال جماهير من علماء التفسير‏:‏ ‏{‏المَغضُوبِ عَلَيهِمْ‏}‏، اليهود و ‏"‏ الضالون ‏"‏ النصارى‏.‏ وقد جاء الخبر بذلك عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم من حديث عدي بن حاتم رضي اللَّه عنه‏.‏ واليهود والنصارى وإن كانوا ضالين جميعًا مغضوبًا عليهم جميعًا، فإن الغضب إِنما خص به اليهود، وإن شاركهم النصارى فيه، لأنهم يعرفون الحق وينكرونه ويأتون الباطل عمدًا، فكان الغضب أخص صفاتهم‏.‏ والنصارى جهلة لا يعرفون الحق، فكان الضلال أخص صفاتهم‏.‏


وعلى هذا فقد يبين أن ‏{‏المَغضُوبِ عَلَيهِمْ‏}‏ اليهود‏.‏ قوله تعالى? فيهم‏:‏ ‏{‏فَبَآؤُواْ بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ‏}‏، وقوله فيهم أيضا‏:‏ ‏{‏قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذَلِكَ مَثُوبَةً عِندَ اللَّهِ مَن لَّعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُواْ الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ‏}‏؛ وقد يبين أن ‏{‏الضَّالِّينَ‏}‏ النصارى، قوله تعالى?‏:‏ ‏{‏وَلاَ تَتَّبِعُواْ أَهْوَاء قَوْمٍ قَدْ ضَلُّواْ مِن قَبْلُ وَأَضَلُّواْ كَثِيرًا وَضَلُّواْ عَن سَوَاء السَّبِيلِ‏}‏‏.‏













الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
الهدى

avatar

عدد المساهمات : 326
التميز : 1
تاريخ التسجيل : 14/10/2009

مُساهمةموضوع: تفسير اضواء البيان فى ايضاح القران بالقران   الإثنين يناير 11, 2010 3:54 am


تفسير سورة البقرة

‏{‏الم ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ‏}‏

صرح في هذه الآية بأن هذا القرءان ‏{‏هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ‏}‏، ويفهم من مفهوم الآية ـــ أعني مفهوم المخالفة المعروف بدليل الخطاب ـــ أن غير المتقين ليس هذا القرءان هدى لهم، وصرح بهذا المفهوم في آيات أخر كقوله‏:‏ ‏{‏قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاء وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى‏}‏ وقوله‏:‏ ‏{‏وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إَلاَّ خَسَارًا‏}‏ وقوله‏:‏ ‏{‏وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُم مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ وَأَمَّا‏}‏ وقوله تعالى?‏:‏ ‏{‏وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم مَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا‏}‏‏.‏

ومعلوم أن المراد بالهدى في هذه الآية الهدى الخاص الذي هو التفضل بالتوفيق إلى دين الحق، لا الهدى العام، الذي هو إيضاح الحق‏.‏

‏{‏وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ‏}‏ عبر في هذه الآية الكريمة ‏"‏بمن‏"‏ التبعيضية الدالة على أنه ينفق لوجه اللَّه بعض ماله لا كله‏.‏ ولم يبين هنا القدر الذي ينبغي إنفاقه، والذي ينبغي إمساكه‏.‏ ولكنه بيَّن في مواضع أخر أن القدر الذي ينبغي إنفاقه‏:‏ هو الزائد على الحاجة وسد الخلة التي لا بد منها، وذلك كقوله‏:‏ ‏{‏يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ‏}‏، والمراد بالعفو‏:‏ الزائد على قدر الحاجة التي لا بد منها على أصح التفسيرات، وهو مذهب الجمهور‏.‏

ومنه قوله تعالى?‏:‏ ‏{‏حَتَّى عَفَواْ‏}‏، أي‏:‏ كثروا وكثرت أموالهم وأولادهم‏.‏

وقال بعض العلماء‏:‏ العفو نقيض الجهد، وهو أن ينفق ما لا يبلغ إنفاقه منه الجهد واستفراغ الوسع‏.‏ ومنه قول الشاعر‏:‏

خذي العفو مني تستديمي مودتي ** ولا تنطقي في سورتي حين أغضب


وهذا القول راجح إلى ما ذكرنا، وبقية الأقوال ضعيفة‏.‏

وقوله تعالى?‏:‏ ‏{‏وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ‏}‏، فنهاه عن البخل بقوله‏:‏ ‏{‏وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ‏}‏‏.‏ ونهاه عن الإسراف بقوله‏:‏ ‏{‏وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ‏}‏، فيتعين الوسط بين الأمرين‏.‏ كما بينه بقوله‏:‏ ‏{‏وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا‏}‏ فيجب على المنفق أن يفرق بين الجود والتبذير، وبين البخل والاقتصاد‏.‏ فالجود‏:‏ غير التبذير، والاقتصاد‏:‏ غير البخل‏.‏ فالمنع في محل الإعطاء مذموم‏.‏ وقد نهى اللَّه عنه نبيه صلى الله عليه وسلم بقوله‏:‏ ‏{‏وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ‏}‏، والإعطاء في محل المنع مذموم أيضًا وقد نهى اللَّه عنه نبيه صلى الله عليه وسلم بقوله‏:‏

‏{‏وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ‏}‏‏.‏ وقد قال الشاعر‏:‏ لا تمدحن ابن عباد وإن هطلت ** يداه كالمزن حتى تخجل الديما

فإنها فلتات من وساوسه ** يعطي ويمنع لا بخلاً ولا كرما


وقد بين تعالى? في مواضع أخر‏:‏ أن الإنفاق المحمود لا يكون كذلك، إلا إذا كان مصرفه الذي صرف فيه مما يرضي اللَّه‏.‏ كقوله تعالى?‏:‏ ‏{‏قُلْ مَا أَنفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ‏}‏، وصرح بأن الإنفاق فيما لا يرضي اللَّه حسرة على صاحبه في قوله‏:‏ ‏{‏فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً‏}‏، وقد قال الشاعر‏:‏ إن الصنيعة لا تعد صنيعة حتى يصاب بها طريق المصنع


فإن قيل‏:‏ هذا الذي قررتم يقتضي أن الإنفاق المحمود هو إنفاق ما زاد على الحاجة الضرورية، مع أن اللَّه تعالى? أثنى على قوم بالإنفاق وهم في حاجة إلى ما أنفقوا، وذلك في قوله‏:‏ ‏{‏وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ‏}‏‏.‏

فالظاهر في الجواب ــ واللَّه تعالى? أعلم ــ هو ما ذكره بعض العلماء من أن لكل مقام مقالاً، ففي بعض الأحوال يكون الإيثار ممنوعًا‏.‏ وذلك كما إذا كانت على المنفق نفقات واجبة‏.‏ كنفقة الزوجات ونحوها فتبرع بالإنفاق في غير واجب وترك الفرض لقوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏وابدأ بمن تعول‏"‏، وكأن يكون لا صبر عنده عن سؤال الناس فينفق ماله ويرجع إلى الناس يسألهم مالهم، فلا يجوز له ذلك، وإلايثار فيما إذا كان لم يضيع نفقة واجبة وكان واثقًا من نفسه بالصبر والتعفف وعدم السؤال‏.‏

وأما على القول بأن قوله تعالى?‏:‏ ‏{‏وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ‏}‏ يعني به الزكاة‏.‏ فالأمر واضح، والعلم عند اللَّه تعالى?‏.‏

‏{‏خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ‏}‏

لا يخفى أن الواو في قوله‏:‏ ‏{‏وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ‏}‏ محتملة في الحرفين أن تكون عاطفة على ما قبلها، وأن تكون استئنافية‏.‏ ولم يبين ذلك هنا، ولكن بين في موضع آخر أن قوله ‏{‏وَعَلَى سَمْعِهِمْ‏}‏ معطوف على قوله ‏{‏عَلَى قُلُوبِهمْ‏}‏، وأن قوله ‏{‏وَعَلَى أَبْصَـارِهِمْ‏}‏ استئناف، والجار والمجرور خبر المبتدأ الذي هو ‏{‏غِشَاوَةٌ‏}‏ وسوغ الابتداء بالنكرة فيه اعتمادها على الجار والمجرور قبلها‏.‏ ولذلك يجب تقديم هذا الخبر، لأنه هو الذي سوغ الابتداء بالمبتدأ كما عقده في ‏(‏الخلاصة‏)‏ بقوله‏:‏ ونحو عندي درهم ولي وطر ** ملتزم فيه تقدم الخبر


فتحصل أن الختم على القلوب والأسماع، وأن الغشاوة على الأبصار‏.‏ وذلك في قوله تعالى?‏:‏ ‏{‏أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ أَفَلا تَذَكَّرُونَ‏}‏، والختم‏:‏ الاستيثاق من الشىء حتى لا يخرج منه داخل فيه ولا يدخل فيه خارج عنه، والغشاوة‏:‏ الغطاء على العين يمنعها من الرؤية‏.‏ ومنه قول الح?رث بن خالد بن العاص‏:‏

هويتك إذ عيني عليها غشاوة ** فلما انجلت قطعت نفسي ألومها


وعلى قراءة من نصب غشاوة فهي منصوبة بفعل محذوف أي ‏{‏وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً‏}‏، كما في سورة ‏"‏الجاثية‏"‏، وهو كقوله‏:‏ علفتها تبنًا وماءًا باردًا ** حتى شتت همالة عيناها


وقول الآخر‏:‏ ورأيت زوجك في الوغى متقلدًا سيفًا ورمحا


وقول الآخر‏:‏ إذا ما الغانيات برزن يومًا ** وزجّجن الحواجب والعيونا


كما هو معروف في النحو، وأجاز بعضهم كونه معطوفًا على محل المجرور، فإن قيل‏:‏ قد يكون الطبع على الأبصار أيضًا‏.‏ كما في قوله تعالى? في سورة النحل‏:‏ ‏{‏أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ‏}‏‏.‏

فالجواب‏:‏ أن الطبع على الأبصار المذكور في آية النحل‏:‏ هو الغشاوة المذكورة في سورة البقرة والجاثية، والعلم عند اللَّه تعالى?‏.‏

‏{‏وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُم وَمَا يَشْعُرُونَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً وَلَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ قَالُواْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِن لاَّ يَشْعُرُونَ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُواْ كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُواْ أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاء أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاء وَلَكِن لاَّ يَعْلَمُونَ وَإِذَا لَقُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ قَالُواْ آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُواْ إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُونَ‏}‏

وَمِنَ ?لنَّاسِ مَن يَقُولُ ءَامَنَّا بِ?للَّهِ وَبِ?لْيَوْمِ ?لأْخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ لم يذكر هنا بيانًا عن هؤلاء المنافقين، وصرح بذكر بعضهم بقوله‏:‏ ‏{‏وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُواْ عَلَى النِّفَاقِ لاَ تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ‏}‏‏.‏

‏{‏اللَّهُ يَسْتَهْزِىءُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرُوُاْ الضَّلاَلَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَت تِّجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لاَّ يُبْصِرُونَ‏}‏

?للَّهُ يَسْتَهْزِىءُ بِهِمْ لم يبين هنا شيئًا من استهزائه بهم‏.‏ وذكر بعضه في سورة الحديد في قوله‏:‏ ‏{‏قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا‏}‏‏.‏

‏{‏صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ‏}‏

صُمٌّ بُكْمٌ عُمْىٌ ظاهر هذه الآية أن المنافقين متصفون بالصمم، والبكم، والعمى‏.‏ ولكنه تعالى? بيّن في موضع آخر أن معنى صممهم، وبكمهم، وعماهم، هو عدم انتفاعهم بأسماعهم، وقلوبهم، وأبصارهم وذلك في قوله جلّ وعلا‏:‏ ‏{‏وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلا أَبْصَارُهُمْ وَلا أَفْئِدَتُهُم مِّن شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُون‏}‏‏.‏ وقوله تعالى?‏:‏

‏{‏أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ السَّمَاء فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصْابِعَهُمْ فِي آذَانِهِم مِّنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ واللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ‏}‏‏.‏

أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ ?لسَّمَآءِ الصيِّب‏:‏ المطر، وقد ضرب اللَّه في هذه الآية مثلاً لما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم من الهدى والعلم بالمطر؛ لأن بالعلم والهدى حياة الأرواح، كما أن بالمطر حياة الأجسام‏.‏

وأشار إلى وجه ضرب هذا المثل بقوله جلّ وعلا‏:‏ ‏{‏وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لاَ يَخْرُجُ إِلاَّ نَكِدًا كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ‏}‏‏.‏

وقد أوضح صلى الله عليه وسلم هذا المثل المشار إليه في الآيتين في حديث أبي موسى المتفق عليه، حيث قال صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏إن مثل ما بعثني اللَّه به من الهدى والعلم، كمثل غيث أصاب أرضًا‏.‏ فكانت منها طائفة طيبة قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكانت منها أجادب أمسكت الماء فنفع اللَّه بها الناس فشربوا منها، وسقوا وزرعوا، وأصاب منها طائفة أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تُنْبتُ كلأً‏.‏ فذلك مثل من فقه في دين اللَّه ونفعه اللَّه بما بعثني به، فعلم وعلّم ومثل من لم يرفع بذلك رأسًا، ولم يقبل هدى اللَّه الذي أرسلت به ‏"‏‏.‏

‏{‏فيه ظلمات‏}‏ ضرب اللَّه تعالى? في هذه الآية الْمثل لما يعتري الكفار والمنافقين من الشبه والشكوك في القرءان، بظلمات المطر المضروب مثلاً للقرءان، وبيّن بعض المواضع التي هي كالظلمة عليهم لأنها تزيدهم عمى في آيات أخر لقوله‏:‏ ‏{‏وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ‏}‏؛ لأن نسخ القبلة يظن بسببه ضعاف اليقين أن النبي صلى الله عليه وسلم، ليس على يقين من أمره حيث يستقبل يومًا جهة، ويومًا آخر جهة أخرى، كما قال تعالى?‏:‏ ‏{‏سَيَقُولُ السُّفَهَاء مِنَ النَّاسِ مَا وَلاَّهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُواْ عَلَيْهَا‏}‏‏.‏

وصرح تعالى? بأن نسخ القبلة كبير على غير من هداه اللَّه وقوّى يقينه، بقوله‏:‏ ‏{‏وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ‏}‏، وكقوله تعالى?‏:‏ ‏{‏وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي القُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلاَّ طُغْيَانًا كَبِيرًا‏}‏، لأن ما رآه ليلة الإسراء والمعراج من الغرائب والعجائب كان سببًا لاعتقاد الكفار أنه صلى الله عليه وسلم كاذب؛ لزعمهم أن هذا الذي أخبر به لا يمكن وقوعه‏.‏ فهو سبب لزيادة الضالين ضلالاً‏.‏ وكذلك الشجرة الملعونة في القرءان التي هي شجرة الزقوم‏.‏ فهي سبب أيضًا لزيادة ضلال الضالين منهم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما قرأ‏:‏ ‏{‏إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ‏}‏، قالوا‏:‏ ظهر كذبه؛ لأن الشجر لا ينبت في الأرض اليابسة فكيف ينبت في أصل النار‏؟‏

وكقوله تعالى?‏:‏ ‏{‏وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا‏}‏؛ لأنه صلى الله عليه وسلم لما قرأ قوله تعالى?‏:‏ ‏{‏عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ‏}‏‏.‏

قال بعض رجال قريش‏:‏ هذا عدد قليل فنحن قادرون على قتلهم، واحتلال الجنة بالقوة؛ لقلة القائمين على النار التي يزعم محمّد صلى الله عليه وسلم أنّا سندخلها‏.‏

واللَّه تعالى? إنما يفعل ذلك اختبارًا وابتلاءً،

وله الحكمة البالغة في ذلك كله سبحانه وتعالى? عما يقولون علوًّا كبيرًا‏.‏ ‏{‏ورعد‏}‏ ضرب اللَّه المثل بالرعد لما في القرءان من الزواجر التي تقرع الآذان وتزعج القلوب‏.‏ وذكر بعضًا منها في آيات أخر كقوله‏:‏ ‏{‏فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً‏}‏، وكقوله‏:‏ ‏{‏مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا‏}‏، وكقوله‏:‏ ‏{‏إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ لَّكُم بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ‏}‏‏.‏

وقد ثبت في صحيح البخاري في تفسير سورة الطور من حديث جبير بن مطعم رضي اللَّه عنه أنه قال‏:‏ سمعت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، يقرأ في المغرب بالطور‏.‏ فلما بلغ هذه الآية ‏{‏أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ‏}‏ ــ إلى قوله ــ ‏{‏الْمُصَيْطِرُونَ‏}‏، كاد قلبي أن يطير‏.‏ إلى غير ذلك من قوارع القرءان وزواجره، التي خوفت المنافقين حتى قال اللَّه تعالى? فيهم‏:‏ ‏{‏مُّسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ‏}‏، والآية التي نحن بصددها، وإن كانت في المنافقين‏.‏ فالعبرة بعموم الألفاظ لا بخصوص الأسباب‏.‏ ‏{‏وَبَرْقٌ‏}‏ ضرب تعالى? المثل بالبرق؛ لما في القرءان من نور الأدلة القاطعة والبراهين الساطعة‏.‏

وقد صرح بأن القرءان نور يكشف اللَّه به ظلمات الجهل والشك والشرك‏.‏ كما تكشف بالنور الحسي ظلمات الدجى كقوله‏:‏ ‏{‏وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُّبِينًا‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاء مِنْ عِبَادِنَا‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ‏}‏‏.‏

‏{‏واللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ‏}‏، قال بعض العلماء‏:‏ ‏{‏مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ‏}‏‏:‏ أي مهلكهم، ويشهد لهذا القول قوله تعالى?‏:‏ ‏{‏لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلاَّ أَن يُحَاطَ بِكُمْ‏}‏، أي تهلكوا عن آخركم‏.‏ وقيل‏:‏ تغلبوا‏.‏ والمعنى متقارب؛ لأن الهالك لا يهلك حتى يحاط به من جميع الجوانب، ولم يبق له منفذ للسلامة ينفذ منه‏.‏ وكذلك المغلوب، ومنه قول الشاعر‏:‏ أحطنا بهم حتى إذا ما تيقنوا بما قد رأوا مالوا جميعًا إلى السلم

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
الهدى

avatar

عدد المساهمات : 326
التميز : 1
تاريخ التسجيل : 14/10/2009

مُساهمةموضوع: تفسير اضواء البيان فى ايضاح القران بالقران   الإثنين يناير 11, 2010 3:57 am



ومنه أيضًا‏:‏ بمعنى الهلاك‏.‏ قوله تعالى?‏:‏ ‏{‏وأُحِيطَ بِهِمْ‏}‏‏.‏ وقوله تعالى?‏:‏ ‏{‏وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ‏}‏‏.‏

‏{‏يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُم مَّشَوْاْ فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهذِمْ قَامُواْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّه عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ‏}‏

‏.‏ يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَـارَهُمْ أي يكاد نور القرءان لشدة ضوئه يعمي بصائرهم، كما أن البرق الخاطف الشديد النور يكاد يخطف بصر ناظره، ولا سيما إذا كان البصر ضعيفًا؛ لأن البصر كلما كان أضعف كان النور أشد إذهابًا له‏.‏ كما قال الشاعر‏:‏ مثل النهار يزيد أبصار الورى نورًا ويعمي أعين الخفاش


وقال الآخر‏:‏ خفافيش أعماها النهار بضوئه ووافقها قطع من الليل مظلم


وبصائر الكفار والمنافقين في غاية الضعف‏.‏ فشدة ضوء النور تزيدها عمى‏.‏ وقد صرح تعالى بهذا العمى في قوله‏:‏ ‏{‏أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏وَمَا يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ‏}‏ إلى غير ذلك من الآيات‏.‏

وقال بعض العلماء‏:‏ يكاد البرق يخطف أبصارهم أي‏:‏ يكاد محكم القرءان يدل على عورات المنافقين‏.‏ ‏{‏كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُم مَّشَوْاْ فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُواْ‏}‏ ضرب الله في هذه الآية المثل للمنافقين بأصحاب هذا المطر إذا أضاء لهم مشوا في ضوئه وإذا أظلم وقفوا كما أن المنافقين إذا كان القرءان موافقًا لهواهم ورغبتهم عملوا به، كمناكحتهم للمسلمين وإرثهم لهم‏.‏ والقسم لهم من غنائم المسلمين، وعصمتهم به من القتل مع كفرهم في الباطن، وإذا كان غير موافق لهواهم‏.‏ كبذل الأنفس والأموال في الجهاد في سبيل الله المأمور به فيه وقفوا وتأخروا‏.‏ وقد أشار تعالى إلى هذا بقوله‏:‏ ‏{‏وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُم مُّعْرِضُونَ وَإِن يَكُن لَّهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ‏}‏‏.‏

وقال بعض العلماء‏:‏ ‏{‏كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُم مَّشَوْاْ فِيهِ‏}‏ أي‏:‏ إذا أنعم الله عليهم بالمال والعافية قالوا‏:‏ هذا الدين حق ما أصابنا منذ تمسكنا به إلا الخير ‏{‏وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُواْ‏}‏ أي‏:‏ وإن أصابهم فقر أو مرض أو ولدت لهم البنات دون الذكور‏.‏ قالوا‏:‏ ما أصابنا هذا إلا من شؤم هذا الدين وارتدوا عنه‏.‏ وهذا الوجه يدل له قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ‏}‏‏.‏

وقال بعض العلماء‏:‏ إضاءته لهم معرفتهم بعض الحق منه وإظلامه عليهم ما يعرض لهم من الشك فيه‏.‏

‏{‏يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُم مَّشَوْاْ فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُواْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّه عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ‏}‏ أشار في هذه الآية إلى ثلاثة براهين من براهين البعث بعد الموت وبيَّنها مفصلة في آيات أخر‏.‏

الأول‏:‏ خلق الناس أولاً المشار إليه بقوله

‏{‏يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ‏}‏

اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِىْ خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لأن الإيجاد الأول أعظم برهان على الإيجاد الثاني، وقد أوضح ذلك في آيات كثيرة كقوله‏:‏ ‏{‏وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ‏}‏، وكقوله‏:‏ ‏{‏أَوْ خَلْقًا مِّمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُؤُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَن يَكُونَ قَرِيبًا‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِّنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ‏}‏، وكقوله‏:‏ ‏{‏يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن تُرَابٍ‏}‏، وكقوله‏:‏ ‏{‏وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الأُولَى فَلَوْلا تَذكَّرُونَ‏}‏‏.‏

ولذا ذكر تعالى أن من أنكر البعث فقد نسي الإيجاد الأول، كما في قوله‏:‏ ‏{‏وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ‏}‏‏.‏ وقوله‏:‏ ‏{‏وَيَقُولُ الإِنسَانُ أَئِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا أَوَلا يَذْكُرُ الإِنسَانُ‏}‏

الدليل بقوله‏:‏ ‏{‏فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا‏}‏ إلى غير ذلك من الآيات‏.‏

البرهان الثاني‏:‏ خلق السماوات والأرض المشار إليه بقوله

‏:‏ ‏{‏الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاءَ بِنَاء وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَّكُمْ فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَاداً وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ‏}‏

الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الاٌّرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَآءَ بِنَآءً لأنهما من أعظم المخلوقات، ومن قدر على خلق الأعظم فهو على غيره قادر من باب أحرى‏.‏ وأوضح اللَّه تعالى هذا البرهان في آيات كثيرة كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُم بَلَى وَهُوَ الْخَلاَّقُ الْعَلِيمُ‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ قَادِرٌ عَلَى أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏أَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاء بَنَاهَا رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا‏}‏ إلى غير ذلك من الآيات‏.‏

البرهان الثالث‏:‏ إحياء الأرض بعد موتها؛ فإنه من أعظم الأدلة على البعث بعد الموت، كما أشار له هنا بقوله‏:‏ ‏{‏الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاءَ بِنَاء وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَّكُمْ فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَاداً وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ‏}‏ وأوضحه في آيات كثيرة كقوله‏:‏ ‏{‏وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاء اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَّيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ‏}‏، يعني‏:‏ خروجكم من قبوركم أحياء بعد أن كنتم عظامًا رميمًا‏.‏ وقوله‏:‏ ‏{‏يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيَّتَ مِنَ الْحَيِّ‏}‏، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالاً سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَنزَلْنَا بِهِ الْمَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْموْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ‏}‏، إلى غير ذلك من الآيات‏.‏

‏{‏وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُواْ شُهَدَاءَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ‏}‏

وَإِن كُنتُمْ فِى رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَىا عَبْدِنَا لم يصرح هنا باسم هذا العبد الكريم، صلوات الله وسلامه عليه، وصرح باسمه في موضع آخر وهو قوله‏:‏ ‏{‏وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ‏}‏، صلوات اللَّه وسلامه عليه‏.‏

‏{‏فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ فَاتَّقُواْ النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ‏}‏

فَاتَّقُواْ النَّارَ الَّتِى وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ هذه الحجارة قال كثير من العلماء‏:‏ إنها حجارة من كبريت‏.‏ وقال بعضهم‏:‏ إنها الأصنام التي كانوا يعبدونها‏.‏ وهذا القول يبيّنه ويشهد له قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ‏}‏‏.‏

‏{‏وَبَشِّرِ الَّذِين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقاً قَالُواْ هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَابِهاً وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَحْيِي أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُواْ فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلاً يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفَاسِقِينَ‏}‏

وَبَشِّرِ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّـالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّـاتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأَنْهَـارُ لم يبيّن هنا أنواع هذه الأنهار، ولكنه بيّن ذلك في قوله‏:‏ ‏{‏مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِّن مَّاء غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا مَاء حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءهُمْ‏}‏‏.‏

‏{‏وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ‏}‏ لم يبيّن هنا صفات تلك الأزواج، ولكنه بين صفاتهن الجميلة في آيات أخر كقوله‏:‏ ‏{‏وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏وَحُورٌ عِينٌ كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا‏}‏، إلى غير ذلك من الآيات المبيّنة لجميل صفاتهن، والأزواج‏:‏ جمع زوج بلا هاء في اللغة الفصحى، والزوجه بالهاء لغة، لا لحن كما زعمه البعض‏.‏

وفي حديث أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ إنها زوجتي ‏"‏ أخرجه مسلم‏.‏

ومن شواهده قول الفرزدق‏:‏ وإن الذي يسعى ليفسد زوجتي ** كساع إلى أسد الشرى يستبيلها


وقول الآخر‏:‏ فبكى بناتي شجوهن وزوجتي والظاعنون إليّ ثم تصدعوا

‏{‏الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ‏}‏

؛ وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ لم يبيّن هنا هذا الذي أمر به أن يوصل، وقد أشار إلى أن منه الأرحام بقوله‏:‏ ‏{‏فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ‏}‏‏.‏

وأشار في موضع آخر إلى أن منه الإيمان بجميع الرسل، فلا يجوز قطع بعضهم عن بعض في ذلك بأن يؤمن ببعضهم دون بعضهم الآخر‏.‏ وذلك في قوله‏:‏ ‏{‏إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُواْ بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُواْ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا‏}‏‏.‏

‏{‏هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ‏}‏

؛ هُوَ الَّذِى خَلَقَ لَكُم مَّا فِى الاٌّرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوَىا إِلَى السَّمَآءِ ظاهره‏:‏ أن ما في الأرض جميعًا خلق بالفعل قبل السماء، ولكنه بين في موضع آخر أن المراد بخلقه قبل السماء، تقديره، والعرب تسمي التقدير خلقًا كقول زهير‏:‏ فولأنت تفرى ما خلقت وبعض القوم يخلق ثم لا يفري


وذلك في قوله‏:‏ ‏{‏وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا‏}‏، ثم قال‏:‏ ‏{‏ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ‏}‏‏.‏

‏{‏وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ‏}‏

وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَـائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِى الأَرْضِ خَلِيفَةً الآية في قوله‏:‏ ‏{‏خليفة‏}‏ وجهان من التفسير للعلماء‏:‏

أحدهما‏:‏ أن المراد بالخليفة أبونا ءادم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام؛ لأنه خليفة اللَّه في أرضه في تنفيذ أوامره‏.‏ وقيل‏:‏ لأنه صار خلفًا من الجن الذين كانوا يسكنون الأرض قبله، وعليه فالخليفة‏:‏ فعيلة بمعنى فاعل‏.‏ وقيل‏:‏ لأنه إذا مات يخلفه من بعده، وعليه فهو من فعيلة بمعنى مفعول‏.‏ وكون الخليفة هو ءادم هو الظاهر المتبادر من سياق الآية‏.‏

الثاني‏:‏ أن قوله‏:‏ ‏{‏خليفة‏}‏ مفرد أريد به الجمع، أي خلائف، وهو اختيار ابن كثير‏.‏ والمفرد إن كان اسم جنس يكثر في كلام العرب إطلاقه مرادًا به الجمع كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ‏}‏؛ يعني وأنهار بدليل قوله‏:‏ ‏{‏فِيهَا أَنْهَارٌ مِّن مَّاء غَيْرِ آسِنٍ‏}‏‏.‏ وقوله‏:‏ ‏{‏وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَّرِيئًا‏}‏؛ ونظيره من كلام العرب قول عقيل بن عُلَّفَة المري‏:‏

وكان بنو فزارة شرعم ** وكنت لهم كشر بني الأخينا


وقول العباس بن مرداس السلمي‏:‏ فقلنا اسلموا إنا أخوكم ** وقد سلمت من الإحن الصدور


وأنشد له سيبويه قول علقمة بن عبدة التميمي‏:‏ بها جيف الحسرى فأما عظامها فبيض وأما جلدها فصليب


وقول الآخر‏:‏ كلوا في بعض بطنكم تعفوا فإن زمانكم زمن خميص


وإذا كانت هذه الآية الكريمة تحتمل الوجهين المذكورين‏.‏ فاعلم أنه قد دلت آيات أخر على الوجه الثاني، وهو أن المراد بالخليفة‏:‏ الخلائف من ءادم وبنيه لا ءادم نفسه وحده‏.‏ كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ‏}‏‏.‏

ومعلوم أن ءادم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام ليس ممن يفسد فيها، ولا ممن يسفك الدماء‏.‏ وكقوله‏:‏ ‏{‏هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ فِي الأَرْضِ‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏وهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ فِي الأَرْضِ‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏ويجعلكم خلائف‏}‏‏.‏ ونحو ذلك من الآيات‏.‏

ويمكن الجواب عن هذا بأن المراد بالخليفة ءادم، وأن اللَّه أعلم الملائكة أنه يكون من ذريته من يفعل ذلك الفساد وسفك الدماء‏.‏ فقالوا ما قالوا، وأن المراد بخلافة ءادم الخلافة الشرعية، وبخلافة ذريته أعم من ذلك، وهو أنهم يذهب منهم قرن ويخلفه قرن آخر‏.‏

تنبيــه

قال القرطبي في تفسير هذه الآية الكريمة‏:‏ هذه الآية أصل في نصب إمام وخليفة؛ يسمع له ويطاع؛ لتجتمع به الكلمة وتنفذ به أحكام الخليفة، ولا خلاف في وجوب ذلك بين الأمة، ولا بين الأئمة إلا ما روي عن الأصم حيث كان عن الشريعة أصم إلى أن قال‏:‏ ودليلنا قول اللَّه تعالى‏:‏ ‏{‏وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً‏}‏‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏مَآبٍ يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ‏}‏‏.‏ وقال‏:‏ ‏{‏وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ ءامَنُواْ مِنْكُمْ وَعَمِلُواْ الصَّـالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِى الاْرْضِ‏}‏‏.‏ أي‏:‏ يجعل منهم خلفاء إلى غير ذلك من الآي‏.‏

وأجمعت الصحابة على تقديم الصديق بعد اختلاف وقع بين المهاجرين والأنصار في سقيفة بني ساعدة في التعيين، حتى قالت الأنصار‏:‏ منا أمير ومنكم أمير، فدفعهم أبو بكر وعمر والمهاجرون عن ذلك وقالوا لهم‏:‏ إن العرب لا تدين إلا لهذا الحي من قريش ورووا لهم الخبر في ذلك فرجعوا وأطاعوا لقريش‏.‏ فلو كان فرض الإمامة غير واجب لا في قريش ولا في غيرهم لما ساغت هذه المناظرة والمحاورة عليها‏.‏ ولقال قائل‏:‏ إنها غير واجبة لا في قريش ولا في غيرهم‏.‏ فما لتنازعكم وجه، ولا فائدة في أمر ليس بواجب، ثم إن الصديق رضي اللَّه عنه لما حضرته الوفاة عهد إلى عمر في الإمامة، ولم يقل له أحد هذا أمر غير واجب علينا ولا عليك‏.‏ فدل على وجوبها وأنها ركن من أركان الدين الذي به قوام المسلمين والحمد للَّه رب العالمين‏.‏ انتهى من القرطبي‏.‏ قال مقيدة عفا اللَّه عنه‏:‏ من الواضح المعلوم من ضرورة الدين أن المسلمين يجب عليهم نصب إمام تجتمع به الكلمة وتنفذ به أحكام اللَّه في أرضه‏.‏ ولم يخالف في هذا إلا من لا يعتد به كأبي بكر الأصم المعتزلي، الذي تقدم في كلام القرطبي، وكضرار، وهشام القوطي ونحوهم‏.‏

كما وقع من أبي بكر لعمر رضي اللَّه عنهما‏.‏

ومن هذا القبيل، جعل عمر رضي اللَّه عنه الخلافة شورى بين ستة من أصحاب رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم مات وهو عنهم راض‏.‏

الرابع‏:‏ أن يتغلب على الناس بسيفه وينزع الخلافة بالقوة حتى يستتب له الأمر وتدين له الناس لما في الخروج عليه حينئذ من شق عصا المسلمين وإراقة دمائهم‏.‏

قال بعض العلماء‏:‏ ومن هذا القبيل قيام عبد الملك بن مروان على عبد اللَّه بن الزبير وقتله إياه في مكة على يد الحجاج بن يوسف فاستتب الأمر له‏.‏ كما قاله ابن قدامة في ‏"‏المغني‏"‏‏.‏

ومن العلماء من يقول‏:‏ تنعقد له الإمامة ببيعة واحد، وجعلوا منه مبايعة عمر لأبي بكر في سقيفة بني ساعدة، ومال إليه القرطبي‏.‏ وحكى عليه إمام الحرمين الإجماع وقيل‏:‏ ببيعة أربعة‏.‏ وقيل غير ذلك‏.‏

هذا ملخص كلام العلماء فيما تنعقد به الإِمامة الكبرى‏.‏ ومقتضى كلام الشيخ تقي الدين أبي العباس ابن تيمية في ‏"‏ المنهاج ‏"‏ أنها إنما تنعقد بمبايعة من تقوى به شوكته، ويقدر به

على تنفيذ أحكام الإِمامة؛ لأن من لا قدرة له على ذلك كآحاد الناس ليس بإِمام‏.‏

واعلم أن الإمام الأعظم تشترط فيه شروط‏:‏

الأول‏:‏ أن يكون قرشيًّا وقريش أولاد فهر بن مالك‏.‏ وقيل‏:‏ أولاد النضر بن كنانة‏.‏ فالفهري قرشي بلا نزاع‏.‏ ومن كان من أولاد مالك بن النضر أو أولاد النضر بن كنانة فيه خلاف‏.‏ هل هو قرشي أو لا ‏؟‏ وما كان من أولاد كنانة من غير النضر فليس بقرشي بلا نزاع‏.‏

قال القرطبي في تفسير هذه الآية الكريمة في ذكر شرائط الإمام‏.‏ الأول‏:‏ أن يكون من صميم قريش لقوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏الأئمة من قريش‏"‏ وقد اختلف في هذا‏.‏

قال مقيّده عفا اللَّه عنه‏:‏ الاختلاف الذي ذكره القرطبي في اشتراط كون الإمام الأعظم قرشيًا ضعيف‏.‏ وقد دلت الأحاديث الصحيحة على تقديم قريش في الإمامة على غيرهم‏.‏ وأطبق عليه جماهير العلماء من المسلمين‏.‏

وحكى غير واحد عليه الإجماع ودعوى الإجماع تحتاج إلى تأويل ما أخرجه الإمام أحمد عن عمر بسند رجاله ثقات أنه قال‏:‏ ‏"‏إن أدركني أجلي وأبو عبيدة حيّ استخلفته‏"‏‏.‏ فذكر الحديث وفيه‏:‏ ‏"‏فإن أدركني أجلى وقد مات أبو عبيدة استخلفت معاذ بن جبل‏"‏‏.‏

ومعلوم أن معاذًا غير قرشي وتأويله بدعوى انعقاد الإجماع بعد عمر أو تغيير رأيه إلى موافقة الجمهور‏.‏ فاشتراط كونه قرشيًا هو الحق، ولكن النصوص الشرعية دلت على أن ذلك التقديم الواجب لهم في الإمامة مشروط بإقامتهم الدين وإطاعتهم للَّه ورسوله، فإن خالفوا أمر اللَّه فغيرهم ممن يطيع اللَّه تعالى وينفذ أوامره أولى منهم‏.‏

فمن الأدلة الدالة على ذلك ما رواه البخاري في ‏(‏صحيحه‏)‏، عن معاوية حيث قال‏:‏ باب الأمراء من قريش‏.‏ حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب عن الزهري قال‏:‏ كان محمد بن جبير بن مطعم يحدث أنه بلغ معاوية وهو عنده في وفد من قريش‏:‏ أن عبد اللَّه بن عمرو يحدث أنه سيكون ملك قحطان فغضب، فقام فأثنى على اللَّه بما هو أهله، ثم قال‏:‏ أما بعد‏:‏ فإنه قد بلغني أن رجالاً منكم يحدثون أحاديث ليست في كتاب اللَّه، ولا تؤثر عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وأولئك جهالكم، فإياكم والأماني التي تضل أهلها‏.‏ فإني سمعت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏"‏إن هذا الأمر في قريش لا يعاديهم أحد إلا كبه اللَّه على وجهه ما أقاموا الدين‏"‏‏.‏ انتهى من ‏"‏صحيح البخاري‏"‏ بلفظه‏.‏

ومحل الشاهد منه قوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ما أقاموا الدين‏"‏ لأن لفظة ‏"‏ما‏"‏ فيه مصدرية ظرفية مقيدة لقوله‏:‏ ‏"‏إن هذا الأمر في قريش‏"‏؛ وتقرير المعنى إن هذا الأمر في قريش مدة إقامتهم الدين، ومفهومه‏:‏ أنهم إن لم يقيموه لم يكن فيهم‏.‏ وهذا هو التحقيق الذي لا شك فيه في معنى الحديث‏.‏

وقال ابن حجر في ‏"‏فتح الباري‏"‏ في الكلام على حديث معاوية هذا، ما نصه‏:‏ وقد ورد في حديث أبي بكر الصديق رضي اللَّه عنه نظير ما وقع في حديث معاوية، ذكره محمد بن إسحاق في الكتاب الكبير ‏.‏ فذكر قصة سقيفة بني ساعدة، وبيعة أبي بكر وفيها‏:‏ فقال أبو بكر‏:‏ وإن هذا الأمر في قريش ما أطاعوا اللَّه واستقاموا على أمره ‏.‏ وقد جاءت الأحاديث التي أشرت إليها على ثلاثة أنحاء‏:‏

الأول‏:‏ وعيدهم باللعن إذا لم يحافظوا على المأمور به‏.‏ كما في الأحاديث التي ذكرتها في الباب الذي قبله حيث قال‏:‏ ‏"‏الأمراء من قريش ما فعلوا ثلاثًا‏:‏ ما حكموا فعدلوا‏"‏، الحديث وفيه‏:‏ ‏"‏فمن لم يفعل ذلك منهم فعليه لعنة اللَّه‏"‏ ‏.‏

وليس في هذا ما يقتضي خروج الأمر عنهم ‏.‏

الثاني‏:‏ وعيدهم بأن يسلط عليهم من يبالغ في أذيتهم ‏.‏ فعند أحمد وأبي يعلى من حديث ابن مسعود رفعه‏:‏ ‏"‏إنكم أهل هذا الأمر ما لم تحدثوا، فإذا غيرتم بعث اللَّه عليكم من يلحاكم كما يلحى القضيب‏"‏‏.‏ ورجاله ثقات إلا أنه من رواية عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عتبة بن مسعود عن عم أبيه عبد اللَّه بن مسعود ولم يدركه، هذه رواية صالح بن كيسان عن عبيد اللَّه، وخالفه حبيب بن أبي ثابت فرواه عن القاسم بن محمد بن عبد الرحمان عن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عتبة، عن أبي مسعود الأنصاري ولفظه‏:‏ ‏"‏لا يزال هذا الأمر فيكم وأنتم ولاته‏"‏ الحديث ‏.‏

وفي سماع عبيد اللَّه من أبي مسعود نظر مبني على الخلاف في سنة وفاته وله شاهد من مرسل عطاء بن يسار، أخرجه الشافعي والبيهقي من طريقه بسند صحيح إلى عطاء، ولفظه‏:‏ قال لقريش‏:‏ ‏"‏ أنتم أولى بهذا الأمر ما كنتم على الحق إلا أن تعدلوا عنه فتلحون كما تلحى هذه الجريدة ‏"‏ وليس في هذا تصريح بخروج الأمر عنهم، وإن كان فيه إشعار به ‏.‏

الثالث‏:‏ الإذن في القيام عليهم وقتالهم، والإيذان بخروج الأمر عنهم كما أخرجه الطيالسي والطبراني من حديث ثوبان رفعه‏:‏ ‏"‏استقيموا لقريش ما استقاموا لكم، فإن لم يستقيموا فضعوا سيوفكم على عواتقكم فأبيدوا خضراءهم، فإن لم تفعلوا فكونوا زراعين أشقياء‏"‏ ‏.‏ ورجاله تقات، إلا أن فيه انقطاعًا؛ لأن روايه سالم بن أبي الجعد لم يسمع من ثوبان وله شاهد في الطبراني من حديث النعمان بن بشير بمعناه‏.‏

وأخرج أحمد من حديث ذي مِخْبَر بكسر الميم وسكون المعجمة وفتح الموحدة بعدهما راء، وهو ابن أخي النجاشي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏كان هذا الأمر في حمير فنزعه اللَّه منهم وصيره في قريش وسيعود لهم‏"‏ وسنده جيد، وهو شاهد قوي لحديث القحطاني فإن حمير يرجع نسبها إلى قحطان، وبه يقوى أن مفهوم حديث معاوية‏:‏ ‏"‏ما أقاموا الدين‏"‏ أنهم إذا لم يقيموا الدين خرج الأمر عنهم ‏.‏ انتهى‏.‏

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
الهدى

avatar

عدد المساهمات : 326
التميز : 1
تاريخ التسجيل : 14/10/2009

مُساهمةموضوع: تفسير اضواء البيان فى ايضاح القران بالقران   الإثنين يناير 11, 2010 3:58 am


واعلم أن قول عبد اللَّه بن عمرو بن العاص، الذي أنكره عليه معاوية في الحديث المذكور، إنه سيكون ملك من قطحان إذا كان عبد اللَّه بن عمرو رضي اللَّه عنهما يعني به القحطاني الذي صحت الرواية بملكه، فلا وجه لإنكاره لثبوت أمره في الصحيح، من حديث أبي هريرة أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏لا تقوم الساعة حتى يخرج رجل من قحطان يسوق الناس بعصاه‏"‏ ‏.‏ أخرجه البخاري في ‏"‏كتاب الفتن‏"‏ في ‏"‏باب تغير الزمان حتى يعبدوا الأوثان‏"‏، وفي ‏"‏كتاب المناقب‏"‏ في ‏"‏باب ذكر قحطان‏"‏ ‏.‏ وأخرجه مسلم في ‏"‏كتاب الفتن وأشراط الساعة‏"‏ في ‏"‏باب لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل فيتمنى أن يكون مكان الميت من البلاء‏"‏ وهذا القحطاني لم يعرف اسمه عند الأكثرين ‏.‏ وقال بعض العلماء اسمه جهجاه ‏.‏ وقال بعضهم‏:‏ اسمه شعيب بن صالح ‏.‏ وقال ابن حجر في الكلام على حديث القطحاني هذا ما نصه‏:‏ وقد تقدم في الحج أن البيت يحج بعد خروج يأجوج ومأجوج‏:‏ وتقدم الجمع بينه وبين حديث‏:‏ ‏"‏لا تقوم الساعة حتى لا يحج البيت ‏.‏ وأن الكعبة يخربها ذو السويقتين من الحبشة‏"‏ فينتظم من ذلك أن الحبشة إذا خربت البيت خرج عليهم القحطاني فأهلكهم، وأن المؤمنين قبل ذلك يحجون في زمن عيسى بعد خروج يأجوج ومأجوج وهلاكهم، وأن الريح التي تقبض أرواح المؤمنين تبدأ بمن بقي بعد عيسى ويتأخر أهل اليمن بعدها ‏.‏

ويمكن أن يكون هذا مما يفسر به قوله‏:‏ ‏"‏الإيمانُ يمانٍ‏"‏ أي‏:‏ يتأخر الإيمان بها بعد فقده من جميع الأرض ‏.‏ وقد أخرج مسلم حديث القحطاني عقب حديث تخريب الكعبة ذو السويقتين فلعله رمز إلى هذا‏.‏ انتهى منه بلفظه واللَّه أعلم، ونسبة العلم إليه أسلم ‏.‏

الثاني‏:‏ من شروط الإمام الأعظم‏:‏ كونه ذكرًا ولا خلاف في ذلك بين العلماء، ويدل له ما ثبت في ‏"‏صحيح البخاري‏"‏ وغيره من حديث أبي بكر رضي اللَّه عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم لما بلغه أن فارسًا ملّكوا ابنة كسرى قال‏:‏ ‏"‏لَنْ يفلح قوم ولّوا أمرهم امرأة‏"‏ ‏.‏ الثالث‏:‏ من شروط الإمام الأعظم كونه حرًّا ‏.‏ فلا يجوز أن يكون عبدًا، ولا خلاف في هذا بين العلماء ‏.‏

فإن قيل‏:‏ ورد في الصحيح ما يدل على جواز إمامة العبد ‏.‏ فقد أخرج البخاري في ‏(‏صحيحه‏)‏ من حديث أنس بن مالك رضي اللَّه عنه قال‏:‏ قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏اسمعوا وأطيعوا، وإن استعمل عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة ‏"‏ ‏.‏

ولمسلم من حديث أم الحصين‏:‏ اسمعوا وأطيعوا ولو استعمل عليكم عبد يقودكم بكتاب اللَّه ‏.‏

ولمسلم أيضًا من حديث أبي ذر رضي اللَّه عنه أوصاني خليلي أن أطيع وأسمع، وإن كان عبدًا حبشيًا مجدع الأطراف ‏.‏ فالجواب من أوجه‏:‏

الأول‏:‏ أنه قد يضرب المثل بما لا يقع في الوجود؛ فإطلاق العبد الحبشي لأجل المبالغة في الأمر بالطاعة، وإن كان لا يتصور شرعًا أن يلي ذلك، ذكر ابن حجر هذا الجواب عن الخطابي، ويشبه هذا الوجه قوله تعالى‏:‏ ‏{‏قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ‏}‏ على أحد التفسيرات ‏.‏

الوجه الثاني‏:‏ أن المراد باستعمال العبد الحبشي أن يكون مؤمرًا من جهة الإمام الأعظم على بعض البلاد وهو أظهرها، فليس هو الإمام الأعظم ‏.‏ الوجه الثالث‏:‏ أن يكون أطلق عليه اسم العبد؛ نظرًا لاتصافه بذلك سابقًا مع أنه وقت التولية حر، ونظيره إطلاق اليتم على البالغ باعتبار اتصافه به سابقًا في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَآتُواْ الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ‏}‏، وهذا كله فيما يكون بطريق الاختيار ‏.‏ أما لو تغلب عبد حقيقة بالقوة فإن طاعته تجب؛ إخمادًا للفتنة وصونًا للدماء ما لم يأمر بمعصية كما تقدمت الإشارة إليه ‏.‏

والمراد بالزبيبة في هذا الحديث، واحدة الزبيب المأكول المعروف، الكائن من العنب إذا جف، والمقصود من التشبيه‏:‏ التحقير وتقبيح الصورة؛ لأن السمع والطاعة إذا وجبا لمن كان كذلك دل ذلك على الوجوب على كل حال إلا في المعصية كما يأتي ويشبه قوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ كأنه زبيبة ‏"‏ ‏.‏ قول الشاعر يهجو شخصًا أسود‏:‏ دنس الثياب كأن فروة رأسه غرست فأنبت جانباها فلفلا


الرابع‏:‏ من شروطه أن يكون بالغًا ‏.‏ فلا تجوز إمامة الصبي إجماعًا لعدم قدرته على القيام بأعباء الخلافة ‏.‏

الخامس‏:‏ أن يكون عاقلاً فلا تجوز إمامة المجنون ولا المعتوه، وهذا لا نزاع فيه ‏.‏

السادس‏:‏ أن يكون عدلاً فلا تجوز إمامة فاسق، واستدل عليه بعض العلماء بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ‏}‏، ويدخل في اشتراط العدالة اشتراط الإسلام؛ لأن العدل لا يكون غير مسلم ‏.‏

السابع‏:‏ أن يكون ممن يصلح أن يكون قاضيًا من قضاة المسلمين، مجتهدًا يمكنه الاستغناء عن استفتاء غيره في الحوادث ‏.‏

الثامن‏:‏ أن يكون سليم الأعضاء غير زمن ولا أعمى ونحو ذلك، ويدل لهذين الشرطين الأخيرين، أعني‏:‏ العلم وسلامة الجسم قوله تعالى في طالوت‏:‏ ‏{‏إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَاء وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ‏}‏ ‏.‏

التاسع‏:‏ أن يكون ذا خبرة ورأي حصيف بأمر الحرب، وتدبير الجيوش، وسد الثغور، وحماية بيضة المسلمين، وردع الأمة، والانتقام من الظالم، والأخذ للمظلوم ‏.‏ كما قال لقيط الإيادي‏:‏ وقلدوا أمركم للَّه دركم رحب الذراع بأمر الحرب مطلعا

العاشر‏:‏ أن يكون ممن لا تلحقه رقة في إقامة الحدود، ولا فزع من ضرب الرقاب، ولا قطع الأعضاء، ويدل ذلك إجماع الصحابة رضي اللَّه عنهم على أن الإمام لا بد أن يكون كذلك ‏.‏ قاله القرطبي ‏.‏

مسـائــل‏:‏

الأولى‏:‏ إذا طرأ على الإمام الأعظم فسق أو دعوة إلى بدعة ‏.‏ هل يكون ذلك سببًا لعزله والقيام عليه أو لا ‏؟‏

قال بعض العلماء‏:‏ إذا صار فاسقًا أو داعيًا إلى بدعة جاز القيام عليه لخلعه، والتحقيق الذي لا شك فيه أنه لا يجوز القيام عليه لخلعه إلا إذا ارتكب كفرًا بوّاحًا عليه من اللَّه برهان ‏.‏

فقد أخرج الشيخان في ‏"‏صحيحيهما‏"‏، عن عبادة بن الصامت رضي اللَّه عنه قال‏:‏ بايعنا رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا، وعسرنا ويسرنا، وأثرة علينا، وأن لا ننازع الأمر أهله ‏.‏ قال‏:‏ ‏"‏إلا أن تروا كفرًا بواحًا عندكم فيه من اللَّه برهان‏"‏ ‏.‏

وفي ‏"‏صحيح مسلم‏"‏، من حديث عوف بن مالك الأشجعي رضي اللَّه عنه قال‏:‏ سمعت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏"‏خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم، وتصلّون عليهم ويصلّون عليكم، وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم، وتلعنونهم ويلعنونكم ‏"‏ قالوا‏:‏ قلنا يا رسول اللَّه أفلا ننابذهم عند ذلك‏؟‏ قال‏:‏ ‏"‏لا ما أقاموا فيكم الصلاة، لا ما أقاموا فيكم الصلاة، إلاّ من ولي عليه والٍ فرآه يأتي شيئًا من معصية اللَّه فليكره ما يأتي من معصية اللَّه، ولا ينزعن يدًا من طاعة‏"‏ ‏.‏

وفي ‏"‏صحيح مسلم‏"‏، أيضًا‏:‏ من حديث أم سلمة رضي اللَّه عنها أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏ ستكون أمراء فتعرفون وتنكرون، فمن عرف بريء، ومن أنكر سلم، ولكن من رضى وتابع‏"‏ ‏.‏ قالوا‏:‏ يا رسول اللَّه أفلا نقاتلهم ‏؟‏ قال‏:‏ ‏"‏ لا ما صلّوا ‏"‏ ‏.‏

وأخرج الشيخان في ‏"‏ صحيحيهما ‏"‏ من حديث ابن عباس رضي اللَّه عنهما قال‏:‏ قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ من رأى من أميره شيئًا فكرهه فليصبر؛ فإنه ليس أحد يفارق الجماعة شبرًا فيموت، إلا مات ميتة جاهلية ‏"‏ ‏.‏

وأخرج مسلم في ‏"‏ صحيحه ‏"‏، من حديث ابن عمر رضي اللَّه عنهما أنه سمع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، يقول‏:‏ ‏"‏ من خلع يدًا من طاعة لقي اللَّه يوم القيامة لا حجة له، ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية ‏"‏، والأحاديث في هذا كثيرة ‏.‏

فهذه النصوص تدل على منع القيام عليه، ولو كان مرتكبًا لما لا يجوز،

إلا إذا ارتكب الكفر الصريح الذي قام البرهان الشرعي من كتاب اللَّه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، أنه كفر بواح، أي‏:‏ ظاهر باد لا لبس فيه ‏.‏

وقد دعا المأمون والمعتصم والواثق إلى بدعة القول‏:‏ بخلق القرءان وعاقبوا العلماء من أجلها بالقتل والضرب والحبس وأنواع الإهانة، ولم يقل أحد بوجوب الخروج عليهم بسبب ذلك ‏.‏ ودام الأمر بضع عشرة سنة حتى ولي المتوكل الخلافة، فأبطل المحنة، وأمر بإظهار السنّة ‏.‏

واعلم أنه أجمع جميع المسلمين على أنه لا طاعة لإمام ولا غيره في معصية اللَّه تعالى ‏.‏ وقد جاءت بذلك الأحاديث الصحيحة الصريحة التي لا لبس فيها ولا مطعن، كحديث ابن عمر رضي اللَّه عنهما أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، قال‏:‏ ‏"‏ السمع والطاعة على المرء المسلم فيما أحب وكره، ما لم يؤمر بمعصية، فإن أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة ‏"‏ أخرجه الشيخان وأبو داود ‏.‏

وعن علي بن أبي طالب رضي اللَّه عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال في السرية الذين أمرهم أميرهم أن يدخلوا في النار‏:‏ ‏"‏ لو دخلوها ما خرجوا منها أبدًا؛ إنما الطاعة في المعروف ‏"‏ ‏.‏ وفي الكتاب العزيز‏:‏ ‏{‏وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ‏}‏ ‏.‏

المسألة الثانية‏:‏ هل يجوز نصب خليفتين كلاهما مستقل دون الآخر‏؟‏ ‏.‏ في ذلك ثلاثة أقوال‏:‏

الأول‏:‏ قول الكرامية بجواز ذلك مطلقًا محتجين بأن عليًّا ومعاوية كانا إمامين واجبي الطاعة كلاهما على من معه، وبأن ذلك يؤدي إلى كون كل واحد منهما أقوم بما لديه وأضبط لما يليه ‏.‏

وبأنه لما جاز بعث نبيين في عصر واحد ولم يؤد ذلك إلى إبطال النبوة كانت الإمامة أولى ‏.‏ القول الثاني‏:‏ قول جماهير العلماء من المسلمين‏:‏ أنه لا يجوز تعدد الإمام الأعظم، بل يجب كونه واحدًا، وأن لا يتولى على قطر من الأقطار إلا أمراؤه المولون من قبله، محتجين بما أخرجه مسلم في ‏"‏صحيحه‏"‏ من حديث أبي سعيد الخدري رضي اللَّه عنه قال‏:‏ قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما‏"‏ ‏.‏

ولمسلم أيضًا‏:‏ من حديث عرفجة رضي اللَّه عنه قال‏:‏ سمعت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏"‏من أتاكم وأمركم جميع على رجل واحد يريد أن يشق عصاكم أو يفرق جماعتكم فاقتلوه‏"‏ ‏.‏

وفي رواية‏:‏ ‏"‏فاضربوه بالسيف كائنًا من كان‏"‏ ‏.‏

ولمسلم أيضًا من حديث عبد اللَّه بن عمرو بن العاص رضي اللَّه عنهما‏:‏ ‏"‏ ومن بايع إمامًا فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه فليطعه إن استطاع، فإن جاء آخر ينازعه فاضربوا عنق الآخر ‏"‏، ثم قال‏:‏ سمعته أذناي من رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ووعاه قلبي ‏.‏

وأبطلوا احتجاج الكرامية بأن معاوية أيام نزاعه مع عليّ لم يدع الإمامة لنفسه، وإنما ادعى ولاية الشام بتولية من قبله من الأئمة، ويدل لذلك‏:‏

إجماع الأمة في عصرهما على أن الإمام أحدهما فقط لا كل منهما ‏.‏

وأن الاستدلال بكون كل منهما أقوم بما لديه وأضبط لما يليه، وبجواز بعث نبيين في وقت واحد، يرده قوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏فاقتلوا الآخر منهما‏"‏؛ ولأن نصب خليفتين يؤدي إلى الشقاق وحدوث الفتن ‏.‏

القول الثالث‏:‏ التفصيل فيمنع نصب إمامين في البلد الواحد والبلاد المتقاربة، ويجوز في الأقطار المتنائية كالأندلس وخراسان ‏.‏ قال القرطبي في تفسير هذه الآية الكريمة ما نصه‏:‏ لكن إن تباعدت الأقطار وتباينت كالأندلس وخراسان، جاز ذلك على ما يأتي بيانه إن شاء اللَّه تعالى ‏.‏ انتهى منه بلفظه ‏.‏

والمشار إليه في كلامه‏:‏ نصب خليفتين، وممن قال بجواز ذلك‏:‏

الأستاذ أبو إسحاق كما نقله عنه إمام الحرمين ‏.‏ ونقله عنه ابن كثير والقرطبي في تفسير هذه الآية الكريمة ‏.‏

وقال ابن كثير‏:‏ قلت‏:‏ وهذا يشبه حال الخلفاء‏:‏ بني العباس بالعراق، والفاطميين بمصر، والأمويين بالمغرب ‏.‏

المسألة الثالثة‏:‏ هل للإمام أن يعزل نفسه ‏؟‏ ‏.‏

قال بعض العلماء‏:‏ له ذلك ‏.‏ قال القرطبي‏:‏ والدليل على أن له عزل نفسه قول أبي بكر الصدّيق رضي اللَّه عنه‏:‏ أقيلوني أقيلوني، وقول الصحابة رضي اللَّه عنهم‏:‏ لا نقيلك ولا نستقيلك ‏.‏ قدمك رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم لديننا فمن ذا يؤخرك ‏؟‏ رضيك رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم لديننا أفلا نرضاك ‏؟‏ ‏.‏

قال‏:‏ فلو لم يكن له ذلك لأنكرت الصحابة ذلك عليه ‏.‏ ولقالت له ليس لك أن تقول هذا ‏.‏

وقال بعض العلماء‏:‏ ليس له عزل نفسه؛ لأنه تقلد حقوق المسلمين فليس له التخلي عنها ‏.‏

قال مقيده عفا اللَّه عنه إن كان عزله لنفسه لموجب يقتضي ذلك كإخماد فتنة كانت ستشتعل لو لم يعزل نفسه، أو لعلمه من نفسه العجز عن القيام بأعباء الخلافة، فلا نزاع في جواز عزل نفسه ‏.‏ ولذا أجمع جميع المسلمين على الثناء على سبط رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، الحسن بن عليّ رضي اللَّه عنهما، بعزل نفسه وتسليمه الأمر إلى معاوية، بعد أن بايعه أهل العراق؛ حقنًا لدماء المسلمين وأثنى عليه بذلك قبل وقوعه، جده رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بقوله‏:‏ ‏"‏ إن ابني هذا سيد، ولعل اللَّه أن يصلح به بين فئتين من المسلمين ‏"‏ ‏.‏ أخرجه البخاري وغيره من حديث أبي بكر رضي اللَّه عنه ‏.‏

المسألة الرابعة‏:‏ هل يجب الإشهاد على عقد الإمامة ‏؟‏ ‏.‏

قال بعض العلماء‏:‏ لا يجب؛ لأن إيجاب الإشهاد يحتاج إلى دليل من النقل ‏.‏ وهذا لا دليل عليه منه ‏.‏

وقال بعض العلماء‏:‏ يجب الإشهاد عليه؛ لئلا يدعي مدع أن الإمامة عقدت له سرًّا، فيؤدي ذلك إلى الشقاق والفتنة ‏.‏

والذين قالوا بوجوب الإشهاد على عقد الإمامة، قالوا‏:‏ يكفي شاهدان خلافًا للجبائي في اشتراطه أربعة شهود وعاقدًا ومعقودًا له، مستنبطًا ذلك من ترك عمر الأمر شورى بين ستة فوقع الأمر على عاقد، وهو عبد الرحمان بن عوف ومعقود له، وهو عثمان وبقي الأربعة الآخرون شهودًا، ولا يخفى ضعف هذا الاستنباط كما نبه عليه القرطبي وابن كثير والعلم عند اللَّه تعالى

‏{‏وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَؤُلاء إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ قَالُواْ سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ قَالَ يَا آدَمُ أَنبِئْهُم بِأَسْمَآئِهِمْ فَلَمَّا أَنبَأَهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الْظَّالِمِينَ فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ‏}‏

ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَـائِكَةِ يعني مسميات الأسماء لا الأسماء كما يتوهم من ظاهر الآية ‏.‏

وقد أشار إلى أنها المسميات بقوله‏:‏ ‏{‏أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَؤُلاء‏}‏ الآية، كما هو ظاهر ‏.‏

‏{‏وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ‏}‏ لم يبيّن هنا هذا الذي كانوا يكتمون، وقد قال بعض العلماء‏:‏ هو ما كان يضمره إبليس من الكبر، وعلى هذا القول فقد بيّنه قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ‏}‏ ‏.‏

‏{‏وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ‏}‏ وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَـائِكَةِ اسْجُدُواْ لاًّدَمَ لم يبيّن هنا هل قال لهم ذلك قبل خلق ءَادم أو بعد خلقه ‏؟‏ وقد صرح في سورة ‏"‏الحجر‏"‏ و ‏"‏صا‏"‏ بأنه قال لهم ذلك قبل خلق ءَادم ‏.‏ فقال في ‏"‏الحجر‏"‏‏:‏ ‏{‏وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِّن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ‏}‏، وقال في سورة ‏"‏صا‏"‏‏:‏ ‏{‏إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِن طِينٍ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ‏}‏ ‏.‏

‏{‏إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ‏}‏ لم يبيّن هنا موجب استكباره في زعمه، ولكنه بيّنه في مواضع أُخر كقوله‏:‏ ‏{‏قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏قَالَ لَمْ أَكُن لِّأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ‏}‏ ‏.‏

تنبيــه

مثل قياس إبليس نفسه على عنصره، الذي هو النار وقياسه ءادم على عنصره، الذي هو الطين واستنتاجه من ذلك أنه خير من ءادم ‏.‏ ولا ينبغي أن يؤمر بالسجود لمن هو خير منه، مع وجود النص الصريح الذي هو قوله تعالى‏:‏ ‏{‏اسجدوا لآدم‏}‏ يسمى في اصطلاح الأصوليين فاسد الاعتبار ‏.‏ وإليه الإشارة بقول صاحب ‏"‏مراقي السعود ‏"‏‏:‏‏)‏ والخلف للنص أو إجماع دعا فساد الاعتبار كل من وعى فكل من رد نصوص الوحي بالأقيسة فسلفه في ذلك إبليس وقياس إبليس هذا لعنه اللَّه باطل من ثلاثة أوجه‏:‏

الأول‏:‏ أنه فاسد الاعتبار؛ لمخالفة النص الصريح كما تقدم قريبًا ‏.‏

الثاني‏:‏ أنا لا نسلم أن النار خير من الطين، بل الطين خير من النار؛ لأن طبيعتها الخفة والطيش والإفساد والتفريق، وطبيعته الرزانة والإصلاح فتودعه الحبة فيعطيكها سنبلة والنواة فيعطيكها نخلة ‏.‏

وإذا أردت أن تعرف قدر الطين فانظر إلى الرياض الناضرة، وما فيها من الثمار اللذيذة، والأزهار الجميلة، والروائح الطيبة ‏.‏ تعلم أن الطين خير من النار ‏.‏

الثالث‏:‏ أنّا لو سلمنا تسليمًا جدليًّا أن النار خير من الطين، فإنه لا يلزم من ذلك أن إبليس خير من ءادم؛ لأن شرف الأصل لا يقتضي شرف الفرع، بل قد يكون الأصل رفيعًا الفرع وضيعًا، كما قال الشاعر‏:‏ إذا افتخرت بآباء لهم شرف قلنا صدقت ولكن بئس ما ولدوا

وقال الآخر‏:‏ وما ينفع الأصل من هاشم إذا كانت النفس من باهلةْ

‏{‏فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ قُلْنَا اهْبِطُواْ مِنْهَا جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ وَالَّذِينَ كَفَرواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ‏}‏

فَتَلَقَّىا ءَادَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ لم يبيّن هنا ما هذه الكلمات، ولكنه بيّنها في سورة ‏"‏الأعراف‏"‏، بقوله‏:‏ ‏{‏قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ‏}‏ ‏.‏

‏{‏يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ وَآمِنُواْ بِمَا أَنزَلْتُ مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَكُمْ وَلاَ تَكُونُواْ أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ‏}‏

يَـابَنِىا إِسْرَاءِيلَ اذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ الَّتِىا أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ لم يبيّن هنا ما هذه النعمة التي أنعمها عليهم، ولكنه بيّنها في آيات أُخر، كقوله‏:‏ ‏{‏وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى‏}‏‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏وَإِذْ نَجَّيْنَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوَءَ الْعَذَابِ‏}‏ الآية وقوله‏:‏ ‏{‏وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ‏}‏، إلى غير ذلك من الآيات ‏.‏

‏{‏وَأَوْفُواْ بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ‏}‏ لم يبيّن هنا ما عهده وما عهدهم، ولكنه بيّن ذلك في مواضع أُخر كقوله‏:‏ ‏{‏وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاَةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنتُم بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لأُكَفِّرَنَّ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ‏}‏، فعهدهم هو المذكور في قوله‏:‏ ‏{‏لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاَةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنتُم بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا‏}‏، وعهده هو المذكور في قوله‏:‏ ‏{‏لأُكَفِّرَنَّ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ‏}‏ ‏.‏
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
الهدى

avatar

عدد المساهمات : 326
التميز : 1
تاريخ التسجيل : 14/10/2009

مُساهمةموضوع: تفسير اضواء البيان فى ايضاح القران بالقران   الإثنين يناير 11, 2010 4:00 am



وأشار إلى عهدهم أيضًا بقوله‏:‏ ‏{‏وَإِذَ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاء ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْاْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ‏}‏؛ إلى غير ذلك من الآيات ‏.‏


‏{‏وَلاَ تَلْبِسُواْ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُواْ الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ وَارْكَعُواْ مَعَ الرَّاكِعِينَ أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ‏}‏


وَلاَ تَلْبِسُواْ الْحَقَّ بِالْبَـاطِلِ الحق الذي لبسوه بالباطل هو إيمانهم ببعض ما في التوراة ‏.‏ والباطل الذي لبسوا به الحق، هو كفرهم ببعض ما في التوراة وجحدهم له ‏.‏ كصفات رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وغيرها مما كتموه وجحدوه وهذا يبيّنه قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ‏}‏، والعبرة بعموم الألفاظ لا بخصوص الأسباب كما تقدم ‏.‏


‏{‏وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ‏}‏


، وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلَواةِ الاستعانة بالصبر على أمور الدنيا والآخرة لا إشكال فيها، وأما نتيجة الاستعانة بالصلاة، فقد أشار لها تعالى في آيات من كتابه، فذكر أن من نتائج الاستعانة بها النهي عما لا يليق، وذلك في قوله‏:‏ ‏{‏اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ‏}‏، وأنها تجلب الرزق وذلك في قوله‏:‏ ‏{‏وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَّحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى‏}‏؛ ولذا كان صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر بادر إلى الصلاة ‏.‏


وإيضاح ذلك‏:‏ أن العبد إذا قام بين يدي ربه يناجيه ويتلو كتابه هان عليه كل ما في الدنيا رغبة فيما عند اللَّه ‏.‏ ورهبة منه فيتباعد عن كل ما لا يرضي اللَّه فيرزقه اللَّه ويهديه‏.‏


‏{‏الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ‏}‏


الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَـاقُوا رَبِّهِمْ المراد بالظن هنا‏:‏ اليقين كما يدل عليه قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ‏}‏ ‏.‏ وقوله‏:‏ ‏{‏وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ‏}‏ ‏.‏


‏{‏وَاتَّقُواْ يَوْمًا لاَّ تَجْزِى نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَـاعَةٌ وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ‏}‏


وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَـاعَةٌ ظاهر هذه الآية عدم قبول الشفاعة مطلقًا يوم القيامة، ولكنه بيّن في مواضع أُخر أن الشفاعة المنفية هي الشفاعة للكفار، والشفاعة لغيرهم بدون إذن رب السماوات والأرض ‏.‏


أما الشفاعة للمؤمنين بإذنه فهي ثابتة بالكتاب، والسنة، والإجماع ‏.‏ فنص على عدم الشفاعة للكفار بقوله‏:‏ ‏{‏وَلا يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضَى وَهُم مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ‏}‏، وقد قال‏:‏ ‏{‏وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ‏}‏ ‏.‏ وقال تعالى عنهم مقررًا له‏:‏ ‏{‏فَمَا لَنَا مِن شَافِعِينَ‏}‏ ‏.‏ وقال‏:‏ ‏{‏فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ‏}‏، إلى غير ذلك من الآيات ‏.‏


وقال في الشفاعة بدون إذنه‏:‏ ‏{‏مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ‏}‏ ‏.‏ وقال‏:‏ ‏{‏وَكَم مِّن مَّلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلاَّ مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَن يَشَاء وَيَرْضَى‏}‏ ‏.‏ وقال‏:‏ ‏{‏يَوْمَئِذٍ لاَّ تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً‏}‏، إلى غير ذلك من الآيات ‏.‏


وادعاء شفعاء عند اللَّه للكفار أو بغير إذنه، من أنواع الكفر به جلّ وعلا، كما صرح بذلك في قوله‏:‏ ‏{‏وَيَقُولُونَ هَؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ‏}‏ ‏.‏


تنبيــه


هذا الذي قررناه من أن الشفاعة للكفار مستحيلة شرعًا مطلقًا، يستثنى منه شفاعته صلى الله عليه وسلم لعمه أبي طالب في نقله من محل من النار إلى محل آخر منها، كما


‏{‏وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنجَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءكُمْ وَفِي ذَلِكُم بَلاء مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ‏}‏


يَسُومُونَكُمْ سُواءَ الْعَذَابِ بيّنه بقوله بعده‏:‏ ‏{‏َيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءكُمْ‏}‏ ‏.‏


‏{‏وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ‏}‏


وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنجَيْنَـاكُمْ لم يبيّن هنا كيفية فرق البحر بهم، ولكنه بيّن ذلك في مواضع أُخر كقوله‏:‏ ‏{‏فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لاَّ تَخَافُ دَرَكًا وَلا تَخْشَى‏}‏ ‏.‏


‏{‏وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ‏}‏ لم يبين هنا كيفية إغراقهم ولكنه بيّنها في مواضع أُخر كقوله‏:‏ ‏{‏فَأَتْبَعُوهُم مُّشْرِقِينَ فَلَمَّا تَرَاءى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ قَالَ كَلاَّ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الآخَرِينَ وَأَنجَيْنَا مُوسَى وَمَن مَّعَهُ أَجْمَعِينَ ثُمَّ أَغْرَقْنَا الآخَرِينَ‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏فَغَشِيَهُم مِّنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ‏}‏ ‏.‏


وقوله‏:‏ ‏{‏وَاتْرُكْ الْبَحْرَ رَهْوًا إِنَّهُمْ جُندٌ مُّغْرَقُونَ‏}‏، ودقوله‏:‏ ‏{‏رَهْواً‏}‏، أي ساكنًا على حالة انفلاقه حتى يدخلوا فيه إلى غير ذلك من الآيات ‏.‏


‏{‏وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِن بَعْدِهِ وَأَنتُمْ ظَالِمُونَ ثُمَّ عَفَوْنَا عَنكُمِ مِّن بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ‏}‏


وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَىا أَرْبَعِينَ لَيْلَةً لم يبيّن هنا هل واعده إياها مجتمعة أو متفرقة ‏؟‏ ولكنه بيّن في سورة الأعراف أنها متفرقة، وأنه واعده أولاً ثلاثين، ثم أتمها بعشر، وذلك في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاَثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقَالَ مُوسَى لأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلاَ تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ‏}‏ ‏.‏ قوله تعالى


‏:‏ ‏{‏ثُمَّ عَفَوْنَا عَنكُمِ مِّن بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ‏}‏


الظاهر في معناه‏:‏ أن الفرقان هو الكتاب الذي أوتيه موسى، وأنما عطف على نفسه؛ تنزيلاً لتغاير الصفات منزلة تغاير الذوات؛ لأن ذلك الكتاب الذي هو التوراة موصوف بأمرين‏:‏


أحدهما‏:‏ أنه مكتوب كتبه اللَّه لنبيه موسى عليه وعلى نبيّنا الصلاة والسلام ‏.‏


والثاني‏:‏ أنه فرقان أي فارق بين الحق والباطل، فعطف الفرقان على الكتاب، مع أنه هو نفسه نظرًا لتغاير الصفتين، كقول الشاعر‏:‏ إلى الملك القرم وابن الهمام وليث الكتيبة في المزدحم




بل ربما عطفت العرب الشىء على نفسه مع اختلاف اللفظ فقط، فاكتفوا بالمغايرة في اللفظ ‏.‏ كقول الشاعر‏:‏ إني لأعظم في صدر الكميِّ على ** ما كان فيّ من التجدير والقصر




القصر‏:‏ هو التجدير بعينه ‏.‏ وقول الآخر‏:‏ وقددت الأديم لراهشيه ** وألفى قولها كذبًا ومينًا




والمين‏:‏ هو الكذب بعينه ‏.‏ وقول الآخر‏:‏ ألا حبذا هند وأرض بها هند ** وهند أتى من دونها النأْي والبعد




والبعد‏:‏ هو النأي بعينه وقول عنترة في معلّقته‏:‏


حييت من طلل تقادم عهده ** أقوى وأقفر بعد أم الهيثم




والإقفار‏:‏ هو الإقواء بعينه ‏.‏


والدليل من القرءان على أن الفرقان هو ما أوتيه موسى ‏.‏


‏{‏وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ‏}‏‏.‏


‏{‏وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُواْ إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ عِندَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ ثُمَّ بَعَثْنَاكُم مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُواْ هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً وَادْخُلُواْ الْبَابَ سُجَّداً وَقُولُواْ حِطَّةٌ نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ رِجْزاً مِّنَ السَّمَاء بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِب بِّعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ كُلُواْوَاشْرَبُواْ مِن رِّزْقِ اللَّهِ وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نَّصْبِرَ عَلَىَ طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَارَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنبِتُ الأَرْضُ مِن بَقْلِهَا وَقِثَّآئِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُواْ مِصْراً فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَآؤُوْاْ بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُواْ مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُواْ مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ فَلَوْلاَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنتُم مِّنَ الْخَاسِرِينَ‏}‏


إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ لم يبيّن هنا من أي شىء هذا العجل المعبود من دون اللَّه‏؟‏ ولكنه بيّن ذلك في مواضع أُخر كقوله‏:‏ ‏{‏وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِن بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلاً جَسَدًا لَّهُ خُوَارٌ‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِّن زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلاً جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ‏}‏، ولم يذكر المفعول الثاني للاتخاذ في جميع القرءان وتقديره‏:‏ باتخاذكم العجل إلاهًا؛ كما أشار له في سورة ‏"‏طاه‏"‏ بقوله‏:‏ ‏{‏فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلاً جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ‏}‏،


قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ‏}‏، أوضحه بقوله‏:‏ ‏{‏وَإِذ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ‏}‏ ‏.‏


قوله تعالى‏:‏ ‏{‏خُذُواْ مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ‏}‏ لم يبيّن هنا هذا الذي أتاهم ما هو، ولكنه بيّن في موضع آخر أنه الكتاب الفارق بين الحق والباطل، وذلك في قوله‏:‏ ‏{‏وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ‏}‏ ‏.‏


‏{‏وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَواْ مِنكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ فَجَعَلْنَاهَا نَكَالاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةً قَالُواْ أَتَتَّخِذُنَا هُزُواً قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ‏}‏


أجمل قصتهم هنا وفصلها في سورة ‏"‏الأعراف‏"‏، في قوله‏:‏ ‏{‏واَسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَوْمَ لاَ يَسْبِتُونَ لاَ تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُم بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ‏}‏ ‏.‏


‏{‏قَالُواْ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لّنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ فَارِضٌ وَلاَ بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَافْعَلُواْ مَا تُؤْمَرونَ قَالُواْ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاء فَاقِعٌ لَّوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ قَالُواْ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِيَ إِنَّ البَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّآ إِن شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ ذَلُولٌ تُثِيرُ الأَرْضَ وَلاَ تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لاَّ شِيَةَ فِيهَا قَالُواْ الآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ‏}‏


قَالُواْ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنَ لَّنَا مَا هِىَ لم يبيّن مقصودهم بقولهم‏:‏ ‏{‏ما هي‏}‏ إلا أن جواب سؤالهم دل على أن مرادهم بقولهم في الموضع الأول ‏{‏ما هي‏}‏ أي‏:‏ ما سنها‏؟‏ بدليل قوله‏:‏ ‏{‏قَالُواْ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لّنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ فَارِضٌ وَلاَ بِكْرٌ‏}‏ الآية ‏.‏ وأن مرادهم بقولهم ‏{‏ما هي‏}‏ في الموضع الآخر هل هي عاملة أو لا ‏؟‏ وهل فيها عيب أو لا ‏؟‏ وهل فيها وشي مخالف للونها أو لا ‏؟‏ بدليل قوله‏:‏ ‏{‏قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ فَارِضٌ وَلاَ بِكْرٌ‏}‏ ‏.‏


‏{‏وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَّا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ‏}‏


وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَارَأْتُمْ فِيهَا لم يصرح هل هذه النفس ذكر أو أنثى ‏؟‏ ‏.‏ وقد أشار إلى أنها ذكر بقوله‏:‏ ‏{‏فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ‏}‏ ‏.‏


‏{‏فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ‏}‏


كَذَالِكَ يُحْىِ اللَّهُ الْمَوْتَىا وَيُرِيكُمْ آيَـاتِهِ أشار في هذه الآية إلى أن إحياء قتيل بني إسرائيل دليل على بعث الناس بعد الموت؛ لأن من أحيا نفسًا واحدة بعد موتها قادر على إحياء جميع النفوس، وقد صرح بهذا في قوله‏:‏ ‏{‏مَّا خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلاَّ كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ‏}‏ ‏.‏ ‏{‏ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاء وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُواْ لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلاَمَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ وَإِذَا لَقُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ قَالُواْ آمَنَّا وَإِذَا خَلاَ بَعْضُهُمْ إِلَىَ بَعْضٍ قَالُواْ أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَآجُّوكُم بِهِ عِندَ رَبِّكُمْ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ أَوَلاَ يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ‏}‏


ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِّن بَعْدِ ذالِكَ فَهِىَ كَالْحِجَارَةِ لم يبين هنا سبب قسوة قلوبهم، ولكنه أشار إلى ذلك في مواضع أُخر كقوله‏:‏ ‏{‏فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ‏}‏‏.‏


‏{‏وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لاَ يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلاَّ أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِندِ اللَّهِ لِيَشْتَرُواْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا يَكْسِبُونَ وَقَالُواْ لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَن يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ بَلَى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْناً وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنكُمْ وَأَنتُم مِّعْرِضُونَ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لاَ تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلاَ تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُم مِّن دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ‏}‏


‏{‏وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لاَ يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلاَّ أَمَانِيَّ‏}‏ اختلف العلماء في المراد ‏{‏بالأماني‏}‏ هنا على قولين‏.‏


أحدهما‏:‏ أن المراد بالأمنية القراءة، أي‏:‏ لا يعلمون من الكتاب إلا قراءة ألفاظ دون إدراك معانيها ‏.‏ وهذا القول لا يتناسب مع قوله ‏{‏وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ‏}‏؛ لأن الأمّي لا يقرأ ‏.‏


الثاني‏:‏ أن الاستثناء منقطع، والمعنى لا يعلمون الكتاب، لكن يتمنون أماني باطلة، ويدل لهذا القول‏:‏ قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَقَالُواْ لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏قِيلاً لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ‏}‏ ‏.‏


قوله تعالى‏:‏


‏{‏ثُمَّ أَنتُمْ هَؤُلاء تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِّنكُم مِّن دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِم بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِن يَأتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاء مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُاْ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآَخِرَةِ فَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ‏}‏


ثُمَّ أَنتُمْ هَـاؤُلااءِ تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ الآية، يعني‏:‏ تقتلون إخوانكم، ويبيّن أن ذلك هو المراد، كثرة وروده كذلك في القرءان نحو قوله‏:‏ ‏{‏وَلا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ‏}‏، أي‏:‏ لا يلمز أحدكم أخاه وقوله‏:‏ ‏{‏لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُّبِينٌ‏}‏، أي بإخوانهم وقوله‏:‏ ‏{‏فَاقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ‏}‏، أي‏:‏ بأن يقتل البرىء من عبادة العجل من عبده منهم إلى غير ذلك من الآيات‏.‏


ويوضح هذا المعنى قوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏إن مثل المؤمنين في تراحمهم وتوادهم، كمثل الجسد الواحد إذا أصيب منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمّى‏"‏ ‏.‏


‏{‏أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ‏}‏، يتبيّن ممّا قبله أن البعض الذي آمنوا به هو فداء الأسارى منهم، والبعض الذي كفروا به هو إخراجهم من ديارهم وقتلهم ومظاهرة العدو عليهم، وإن كفروا بغير هذا من الكتاب وآمنوا بغيره منه‏.‏


‏{‏وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِن بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَى أَنفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ وَقَالُواْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَل لَّعَنَهُمُ اللَّه بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلاً مَّا يُؤْمِنُونَ وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُواْ فَلَمَّا جَاءَهُم مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّه عَلَى الْكَافِرِينَ بِئْسَمَا اشْتَرَوْاْ بِهِ أَنفُسَهُمْ أَن يَكْفُرُواْ بِمَا أنَزَلَ اللَّهُ بَغْياً أَن يُنَزِّلُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ عَلَى مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ فَبَآؤُواْ بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُّهِينٌ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُواْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُواْ نُؤْمِنُ بِمَآ أُنزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنبِيَاءَ اللَّهِ مِن قَبْلُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ‏}‏


، وَءَاتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَـاتِ لم يبيّن هنا ما هذه البينات ولكنه بيّنها في مواضع أُخر كقوله‏:‏ ‏{‏وَرَسُولاً إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ‏}‏، إلى غير ذلك من الآيات ‏.‏


‏{‏وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ‏}‏ هو جبريل على الأصح، ويدل لذلك قوله تعالى‏:‏ ‏{‏نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏إِلَيْهَا رُوحَنَا‏}‏ ‏.‏
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
الهدى

avatar

عدد المساهمات : 326
التميز : 1
تاريخ التسجيل : 14/10/2009

مُساهمةموضوع: تفسير اضواء البيان فى ايضاح القران بالقران   الإثنين يناير 11, 2010 4:02 am

‏{‏وَلَقَدْ جَاءَكُم مُّوسَى بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِن بَعْدِهِ وَأَنتُمْ ظَالِمُونَ‏}‏

، وَلَقَدْ جَآءَكُم مُّوسَىا بِالْبَيِّنَـاتِ لم يبيّن هنا ما هذه البيّنات وبيّنها في مواضع أُخر كقوله‏:‏ ‏{‏فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُّفَصَّلاَتٍ فَاسْتَكْبَرُواْ وَكَانُواْ قَوْمًا مُّجْرِمِينَ‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاء لِلنَّاظِرِينَ‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ‏}‏ ‏.‏ إلى غير ذلك من الآيات ‏.‏ قوله تعالى‏:‏

‏{‏وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُواْ مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُواْ قَالُواْ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُواْ فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ قُلْ إِن كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الآَخِرَةُ عِندَ اللَّهِ خَالِصَةً مِّن دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُاْ الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ وَلَن يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمينَ وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَن يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ قُلْ مَن كَانَ عَدُوًّا لِّجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ‏}‏، خُذُواْ مَآ ءَاتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُواْ قال بعض العلماء هو من السمع بمعنى الإجابة ومنه قولهم سمعًا وطاعة أي‏:‏ إجابة، وطاعة ومنه‏:‏ سمع اللَّه لمن حمده في الصلاة ‏.‏ أي‏:‏ أجاب دعاء من حمده، ويشهد لهذا المعنى قوله‏:‏ ‏{‏إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ‏}‏، وهذا قول الجمهور وقيل‏:‏ إن المراد بقوله ‏{‏واسمعوا‏}‏ أي‏:‏ بآذنكم ولا تمتنعوا من أصل الاستماع ‏.‏

ويدل لهذا الوجه‏:‏ أن بعض الكفار ربما امتنع من أصل الاستماع خوف أن يسمع كلام الأنبياء، كما في قوله تعالى عن نوح مع قومه‏:‏ ‏{‏وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا‏}‏ ‏.‏

وقوله عن قوم نبيّنا صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏{‏وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنكَرَ يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذَلِكُمُ النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏قَالُواْ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا‏}‏؛ لأن السمع الذي لا ينافي العصيان هو السمع بالآذان دون السمع بمعنى الإجابة ‏.‏

‏{‏وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَن يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ‏}‏

، يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَن يُعَمَّرَ معنى الآية‏:‏ أن أحد المذكورين يتمنى أن يعيش ألف سنة وطول عمره لا يزحزحه، أي‏:‏ لا يبعده عن العذاب فالمصدر المنسبك من أن وصلتها في قوله‏:‏ ‏{‏أَن يُعَمَّرَ‏}‏ فاعل اسم الفاعل الذي هو مزحزحه على أصح الأعاريب وفي لو، من قوله‏:‏ ‏{‏لَوْ يُعَمَّرُ‏}‏، وجهان‏:‏

الأول‏:‏ وهو قول الجمهور أنها حرف مصدري، وهي وصلتها في تأويل مفعول به ليود، والمعنى‏:‏ ‏{‏يَوَدُّ أَحَدُهُمْ‏}‏ أي‏:‏ يتمنى تعمير ألف سنة، ولو‏:‏ قد تكون حرفًا مصدريًا لقول قتيلة بنت الحارث‏:‏ ما كان ضرك لو مننت وربما ** من الفتى وهو المغيظ المحنق


أي‏:‏ ما كان ضرك منه ‏.‏

وقال بعض العلماء‏:‏ إن ‏{‏لَوْ‏}‏ هنا هي الشرطية والجواب محذوف وتقديره‏:‏ لو يعمر ألف سنة، لكان ذلك أحبّ شىء إليه، وحذف جواب ‏{‏لَوْ‏}‏ مع دلالة المقام عليه واقع في القرءان، وفي كلام العرب فمنه في القرءان ‏.‏ قوله تعالى‏:‏ ‏{‏كَلاَّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ‏}‏، أي‏:‏ لو تعلمون علم اليقين لما ‏{‏أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ‏}‏ ‏.‏ وقوله‏:‏ ‏{‏وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ‏}‏، أي‏:‏ لكان هذا القرءان أو لكفرتم بالرحمان ‏.‏ ومنه في كلام العرب قول الشاعر‏:‏

فأقسم لو شىء أتانا رسوله ** سواك ولكن لم نجد لك مدفعا


أي لو شىء أتانا رسوله سواك لدفعناه ‏.‏ إذا عرفت معنى الآية فاعلم أن اللَّه قد أوضح هذا المعنى مبينًا أن الإنسان لو متع ما متع من السنين ثم انقضى ذلك المتاع وجاءه العذاب أن ذلك المتاع الفائت لا ينفعه، ولا يغني عنه شيئًا بعد انقضائه وحلول العذاب محله ‏.‏ وذلك في قوله‏:‏ ‏{‏أَفَرَأَيْتَ إِن مَّتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ‏}‏، وهذه هي أعظم آية في إزالة الداء العضال الذي هو طول الأمل ‏.‏ كفانا اللَّه والمؤمنين شره ‏.‏

‏{‏قُلْ مَن كَانَ عَدُوًّا لِّجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ مَن كَانَ عَدُوًّا لِّلّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِّلْكَافِرِينَ وَلَقَدْ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلاَّ الْفَاسِقُونَ أَوَكُلَّمَا عَاهَدُواْ عَهْداً نَّبَذَهُ فَرِيقٌ مِّنْهُم بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ وَاتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيْاطِينَ كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُواْ لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْاْ بِهِ أَنفُسَهُمْ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ‏}‏

قُلْ مَن كَانَ عَدُوًّا لِّجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَىا قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ ظاهر هذه الآية أن جبريل ألقى القرءان في قلب النبي صلى الله عليه وسلم من غير سماع قراءة ونظيرها في ذلك قوله تعالى‏:‏ ‏{‏نزل به الروح الأمين على قلبك‏}‏ ‏.‏ ولكنه بيّن في مواضع أُخر أن معنى ذلك أن الملك يقرؤه عليه حتى يسمعه منه، فتصل معانيه إلى قلبه بعد سماعه وذلك هو معنى تنزيله على قلبه ‏.‏ وذلك كما في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِن قَبْلِ أَن يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا‏}‏ ‏.‏

‏{‏أَوَكُلَّمَا عَاهَدُواْ عَهْداً نَّبَذَهُ فَرِيقٌ مِّنْهُم بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ‏}‏

، أَوَكُلَّمَا عَـاهَدُواْ عَهْدًا نَّبَذَهُ فَرِيقٌ مِّنْهُم بَلْ ذكر في هذه الآية أن اليهود كلما عاهدوا عهدًا نبذه فريق منهم وصرح في موضع آخر أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم هو المعاهد لهم وأنهم ينقضون عهدهم في كل مرة، وذلك في قوله‏:‏ ‏{‏إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُواْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ الَّذِينَ عَاهَدتَّ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لاَ يَتَّقُونَ‏}‏، وصرح في آية أخرى بأنهم أهل خيانة إلا القليل منهم، وذلك في قوله‏:‏ ‏{‏وَلاَ تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَىَ خَآئِنَةٍ مِّنْهُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمُ‏}‏ ‏.‏

‏{‏وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ وَاتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيْاطِينَ كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُواْ لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْاْ بِهِ أَنفُسَهُمْ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُواْ واتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِّنْ عِندِ اللَّه خَيْرٌ لَّوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقُولُواْ رَاعِنَا وَقُولُواْ انظُرْنَا وَاسْمَعُوا ْوَلِلكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ مَّا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلاَ الْمُشْرِكِينَ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُم مِّنْ خَيْرٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاء وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ‏}‏

وَلَمَّا جَآءَهُمْ رَسُولٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَـابَ كِتَـابَ اللَّهِ وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ ذكر في هذه الآية الكريمة أن كثيرًا من اليهود نبذوا كتاب اللَّه وراء ظهورهم ولم يؤمنوا به، وبيّن في موضع آخر أن هؤلاء الذين لم يؤمنوا بالكتاب هم الأكثر، وذلك في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ‏}‏ ‏.‏

‏{‏أَمْ تُرِيدُونَ أَن تَسْأَلُواْ رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِن قَبْلُ وَمَن يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ‏}‏

، أَمْ تُرِيدُونَ أَن تَسْألُواْ رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَىا مِن قَبْلُ لم يبّين هنا هذا الذي سئل موسى من قبل ما هو ‏؟‏ ولكنه بيّنه في موضع آخر ‏.‏ وذلك في قوله‏:‏ ‏{‏يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَن تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِّنَ السَّمَاء فَقَدْ سَأَلُواْ مُوسَى أَكْبَرَ مِن ذَلِكَ فَقَالُواْ أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُواْ الْعِجْلَ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَن ذَلِكَ وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُّبِينًا‏}‏ ‏.‏

‏{‏وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُواْ وَاصْفَحُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُواْ لأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ وَقَالُواْ لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَىَ شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ‏}‏

، الْحَقُّ فَاعْفُواْ وَاصْفَحُواْ حَتَّىا يَأْتِىَ اللَّهُ هذه الآية في أهل الكتاب كما هو واضح من السياق، والأمر في قوله ‏{‏اللَّهُ‏}‏ ‏.‏

قال بعض العلماء‏:‏ هو واحد الأوامر ‏.‏ وقال بعضهم‏:‏ هو واحد الأمور، فعلى القول الأول‏:‏ بأنه الأمر الذي هو ضد النهي؛ فإن الأمر المذكور هو المصرح به في قوله‏:‏ ‏{‏قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ‏}‏ ‏.‏ وعلى القول بأنه واحد الأمور‏:‏ فهو ما صرح اللَّه به في الآيات الدالة على ما أوقع باليهود من القتل والتشريد كقوله‏:‏ ‏{‏فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ وَلَوْلا أَن كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاء لَعَذَّبَهُمْ‏}‏ ‏.‏ إلى غير ذلك من الآيات، والآية غير منسوخة على التحقيق ‏.‏

‏{‏وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُوْلَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَا إِلاَّ خَآئِفِينَ لهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ وَلِلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ‏}‏

‏.‏ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَـاجِدَ اللَّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَىا فِى خَرَابِهَآ قال بعض العلماء‏:‏ نزلت في صد المشركين النبيّ صلى الله عليه وسلم عن البيت الحرام في عمرة الحديبية عام ستّ ‏.‏

وعلى هذا القول‏:‏ فالخراب معنوي، وهو خراب المساجد بمنع العبادة فيها ‏.‏ وهذا القول يبيّنه ويشهد له قوله تعالى‏:‏ ‏{‏هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ‏}‏ ‏.‏

وقال بعض العلماء‏:‏ الخراب المذكور هو الخراب الحسيّ ‏.‏ والآية نزلت فيمن خرّب بيت المقدس، وهو بختنصر أو غيره وهذا القول يبيّنه ويشهد له قوله جلّ وعلا‏:‏ ‏{‏فَإِذَا جَاء وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَا أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُواْ خِلاَلَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَّفْعُولاً ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاء وَعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوؤُواْ وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُواْ الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُواْ مَا عَلَوْاْ تَتْبِيرًا‏}‏ ‏.‏

‏{‏وَقَالُواْ اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَل لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ وَقَالَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ لَوْلاَ يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلاَ تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ أُوْلَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمن يَكْفُرْ بِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ وَاتَّقُواْ يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ تَنفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ‏}‏

وَقَالُواْ اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا هذا الولد المزعوم على زاعمه لعائن اللَّه، قد جاء مفصلاً في آيات أُخر كقوله‏:‏ ‏{‏وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتْ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِؤُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏وَيَجْعَلُونَ لِلّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُم مَّا يَشْتَهُونَ‏}‏ ‏.‏

‏{‏وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْناً وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُم بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ‏}‏

قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّـالِمِينَ يفهم من هذه الآية أن اللَّه علم أن من ذريّة إبراهيم ظالمين ‏.‏ وقد صرح تعالى في مواضع أُخر بأنّ منهم ظالمًا وغير ظالم ‏.‏ كقوله‏:‏ ‏{‏وَمِن ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ مُبِينٌ‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ‏}‏ ‏.‏

‏{‏وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ‏}‏

وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَـاعِيلُ ذكر في هذه الآية رفع إبراهيم وإسماعيل لقواعد البيت ‏.‏ وبيّن في سورة ‏"‏ الحج ‏"‏ أنه أراه موضعه بقوله‏:‏ ‏{‏وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ‏}‏، أي‏:‏ عينّا له محله وعرفناه به ‏.‏ قيل‏:‏ دله عليه بمزنة كان ظلها قدر مساحته، وقيل‏:‏ دلّه عليه بريح تسمى الحجوج كنست عنه حتى ظهر أسمه القديم فبنى عليه إبراهيم وإسماعيل عليهما وعلى نبيّنا الصلاة والسلام ‏.‏

‏{‏رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَآ إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ‏}‏

، رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَآ أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَآ إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ لم يبيّن هنا من هذه الأمة التي أجاب اللَّه بها دعاء نبيّه إبراهيم وإسماعيل، ولم يبيّن هنا أيضًا هذا الرسول المسؤول بعثه فيهم من هو ‏؟‏ ولكنه يبيّن في سورة الجمعة أن تلك الأمة العرب، والرّسول هو سيّد الرسل محمّد صلى الله عليه وسلم، وذلك في قوله‏:‏ ‏{‏هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ‏}‏؛ لأن الأميين العرب بالإجماع ‏.‏ والرّسول المذكور نبيّنا محمّد صلى الله عليه وسلم إجماعًا ‏.‏ ولم يبعث رسول من ذرية إبراهيم وإسماعيل إلا نبيّنا محمّد صلى الله عليه وسلم وحده ‏.‏

وثبت في الصحيح أنه هو الرسول الذي دعا به إبراهيم ولا ينافي ذلك عموم رسالته صلى الله عليه وسلم إلى الأسود والأحمر ‏.‏

‏{‏وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ‏}‏

، وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ لم يبيّن هنا ما ملّة إبراهيم وبينها بقوله‏:‏ ‏{‏قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ‏}‏، فصرح في هذه الآية بأنها دين الإسلام الذي بعث اللَّه به نبيّه محمّدًا صلى الله عليه وسلم ‏.‏ وكذا في قوله‏:‏ ‏{‏ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ‏}‏ ‏.‏

‏{‏وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاء إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ وَلاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ وَقَالُواْ كُونُواْ هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُواْ قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ‏}‏

، يَـابَنِىَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَىا لَكُمُ الدِّينَ أشار إلى أنه دين الإسلام هنا بقوله‏:‏ ‏{‏فَلاَ تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ‏}‏، وصرح بذلك في قوله‏:‏ ‏{‏إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الإِسْلاَمُ‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ‏}‏ ‏.‏

‏{‏قُولُواْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ‏}‏ لم يبيّن هنا هذا الذي أنزل إلى إبراهيم، ولكنه بيّن في سورة ‏"‏الأعلى‏"‏ أنه صحف وأن من جملة ما في تلك الصحف‏:‏ ‏{‏بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى‏}‏ وذلك في قوله‏:‏ ‏{‏إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الأُولَى صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى‏}‏ ‏.‏ وذلك في قوله‏:‏

‏{‏قُولُواْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالأسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ فَإِنْ آمَنُواْ بِمِثْلِ مَا آمَنتُم بِهِ فَقَدِ اهْتَدَواْ وَّإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدونَ قُلْ أَتُحَآجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالأسْبَاطَ كَانُواْ هُودًا أَوْ نَصَارَى قُلْ أَأَنتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَتَمَ شَهَادَةً عِندَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ وَلاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ‏}‏

وَمَآ أُوتِىَ مُوسَىا وَعِيسَىا لم يبين هنا ما أوتيه موسى وعيسى، ولكنه بيّنه في مواضع أُخر ‏.‏ فذكر أن ما أُوتيه موسى هو التوراة المعبّر عنها بالصحف في قوله‏:‏ ‏{‏صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى‏}‏، وذلك كقوله‏:‏ ‏{‏ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ‏}‏ وهو التوراة بالإجماع ‏.‏ وذكر أن ما أوتيه عيسى هو الإنجيل كما في قوله‏:‏ ‏{‏وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِم بِعَيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الإِنجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ‏}‏ ‏.‏

‏{‏النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ‏}‏، أمر اللَّه النبيّ صلى الله عليه وسلم والمسلمين في هذه الآية أن يؤمنوا بما أوتيه جميع النبيّين وأن لا يفرقوا بين أحد منهم، حيث قال‏:‏ ‏{‏قُولُواْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا‏}‏ إلى قوله‏:‏ ‏{‏وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ‏}‏، ولم يذكر هنا هل فعلوا ذلك أو لا ‏؟‏ ولم يذكر جزاءهم إذا فعلوه ولكنه بيّن كل ذلك في غير هذا الموضع ‏.‏ فصرّح بأنهم امتثلوا الأمر بقوله‏:‏ ‏{‏مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ‏}‏، وذكر جزاءهم على ذلك بقوله‏:‏ ‏{‏وَالَّذِينَ آمَنُواْ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُواْ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ أُوْلَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا‏}‏ ‏.‏

‏{‏سَيَقُولُ السُّفَهَاء مِنَ النَّاسِ مَا وَلاَّهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُواْ عَلَيْهَا قُل لِّلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَن يَشَاء إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ‏}‏

قُل لّلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِى مَن يَشَآءُ إِلَىا صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ لم يبيّن هنا الصراط المستقيم ‏.‏ ولكنه بيّنه بقوله‏:‏ ‏{‏اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ‏}‏ ‏.‏

‏{‏وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ‏}‏

، وَكَذَالِكَ جَعَلْنَـاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا أي‏:‏ خيارًا عدولاً ‏.‏ ويدل لأن الوسط الخيار العدول ‏.‏ قوله تعالى‏:‏ ‏{‏كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ‏}‏، وذلك معروف في كلام العرب ومنه قول زهير‏:‏ هم وسط يرضى الأنام لحكمهم ** إذا نزلت إحدى الليالي بمعظم


‏{‏وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا‏}‏، لم يبين هنا هل هو شهيد عليهم في الدنيا أو الآخرة‏؟‏ ولكنه بيّن في موضع آخر‏:‏ أنه شهيد عليهم في الآخرة وذلك في قوله‏:‏ ‏{‏فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاء شَهِيدًا يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَعَصَوُاْ الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الأَرْضُ وَلاَ يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا‏}‏ ‏.‏

‏{‏وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلاَّ لِنَعْلَمَ‏}‏‏.‏ ظاهر هذه الآية قد يتوهم منه الجاهل أنه تعالى يستفيد بالاختبار علمًا لم يكن يعلمه، سبحانه وتعالى عن ذلك علوًّا كبيرًا بل هو تعالى عالم بكل ما سيكون قبل أن يكون ‏.‏ وقد بيّن أنه لا يستفيد بالاختبار علمًا لم يكن يعلمه بقوله جلّ وعلا‏:‏ ‏{‏وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحَّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ‏}‏، فقوله‏:‏ ‏{‏وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ‏}‏، بعد قوله‏:‏ ‏{‏لِيَبْتَلِي‏}‏، دليل قاطع على أنه لم يستفد بالاختبار شيئًا لم يكن عالمًا به، سبحانه وتعالى عن ذلك علوًّا كبيرًا؛ لأن العليم بذات الصدور

غني عن الاختبار وفي هذه الآية بيان عظيم لجميع الآيات التي يذكر اللَّه فيها اختباره لخلقه، ومعنى ‏{‏إِلاَّ لِنَعْلَمَ‏}‏ أي علمًا يترتب عليه الثواب والعقاب فلا ينافي أنه كان عالمًا به قبل ذلك، وفائدة الاختبار ظهور الأمر للناس ‏.‏ أما عالم السر والنجوى فهو عالم بكل ما سيكون كما لا يخفى‏.‏
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
الهدى

avatar

عدد المساهمات : 326
التميز : 1
تاريخ التسجيل : 14/10/2009

مُساهمةموضوع: تفسير اضواء البيان فى ايضاح القران بالقران   الإثنين يناير 11, 2010 4:03 am

وقوله‏:‏ ‏{‏مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ‏}‏ أشار إلى أن الرسول هو محمّد صلى الله عليه وسلم بقوله مخاطبًا له‏:‏ ‏{‏وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا‏}‏ الآية؛ لأن هذا الخطاب له إجماعًا

‏{‏قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاء فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوِهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَّا تَبِعُواْ قِبْلَتَكَ وَمَا أَنتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُم بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم مِّن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذَاً لَّمِنَ الظَّالِمِينَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُواْ الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُواْ يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِّنكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُواْ لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاء وَلَكِن لاَّ تَشْعُرُونَ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ‏}‏

وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُواْ أي صلاتكم إلى بيت المقدس على الأصح ويستروح ذلك من قوله قبله‏:‏ ‏{‏وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا‏}‏، ولا سيما على القول باعتبار دلالة الاقتران، والخلاف فيها معروف في الأصول ‏.‏

‏{‏فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا‏}‏، بيّنه قوله بعده‏:‏ ‏{‏تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ‏}‏ ‏.‏

‏{‏إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاَّعِنُونَ إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَبَيَّنُواْ فَأُوْلَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ خَالِدِينَ فِيهَا لاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ‏}‏

أُولَـائِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّـاعِنُونَ لم يبيّن هنا ما اللاعنون، ولكنه أشار إلى ذلك في قوله‏:‏ ‏{‏خَالِدِينَ فِيهَا لاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ‏}‏ ‏.‏

‏{‏أُوْلَئِكَ جَزَآؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ‏}‏ لم يبيّن هنا وجه كونهما آية، ولكنه بين ذلك في مواضع أُخر، كقوله‏:‏ ‏{‏أَفَلَمْ يَنظُرُوا إِلَى السَّمَاء فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍ وَالأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَّا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِن فُطُورٍ ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاء الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِّلشَّيَاطِينِ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ‏}‏ ‏.‏ وقوله في الأرض‏:‏ ‏{‏هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ‏}‏ ‏.‏

‏{‏إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاء مِن مَّاء فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونََ‏}‏ وَاخْتِلَـافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لم يبيّن هنا وجه كون اختلافهما آية، ولكنّه بيّن ذلك في مواضع أُخر كقوله‏:‏ ‏{‏قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِضِيَاء أَفَلا تَسْمَعُونَ‏}‏ ‏.‏ إلى غير ذلك من الآيات ‏.‏

‏{‏وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ‏}‏ لم يبيّن هنا كيفية تسخيره، ولكنه بيّن ذلك في مواضع أُخر كقوله‏:‏ ‏{‏وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالاً سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَنزَلْنَا بِهِ الْمَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْموْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لاَ يَخْرُجُ إِلاَّ نَكِدًا كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاء مِن جِبَالٍ فِيهَا مِن بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَن يَشَاء وَيَصْرِفُهُ عَن مَّن يَشَاء يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالأَبْصَارِ‏}‏ ‏.‏

‏{‏وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبًّا لِّلّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلّهِ جَمِيعاً وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ‏}‏

، وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوااْ إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ المراد بالذين ظلموا الكفار وقد بيّن ذلك بقوله في آخر الآية‏:‏ ‏{‏وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ‏}‏، ويدلّ لذلك قوله تعالى عن لقمان مقررًا له‏:‏، ويدلّ لذلك قوله تعالى عن لقمان مقررًا له‏:‏ ‏{‏وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ‏}‏، وقوله جلّ وعلا‏:‏ ‏{‏وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏وَلاَ تَدْعُ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَنفَعُكَ وَلاَ يَضُرُّكَ فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِّنَ الظَّالِمِينَ‏}‏ ‏.‏

‏{‏إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُواْ مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ وَرَأَوُاْ الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّؤُواْ مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ‏}‏

إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُواْ مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ أشار هنا إلى تخاصم أهل النار ‏.‏ وقد بيّن منه غير ما ذكر هنا في مواضع أُخر كقوله‏:‏ ‏{‏وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِندَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلا أَنتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ‏}‏، إلى غير ذلك من الآيات ‏.‏

‏{‏يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُواْ مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلاَلاً طَيِّباً وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ‏}‏

، وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَـانِ لم يذكر هنا ما يترتب على اتباع خطواته من الضرر، ولكنه أشار إلى ذلك في سورة ‏"‏النور‏"‏، بقوله‏:‏ ‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَن يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ‏}‏ ‏.‏ ‏{‏إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاء وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لاَ يَسْمَعُ إِلاَّ دُعَاء وَنِدَاء صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُواْ لِلّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ‏}‏

وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ لم يبيّن هنا هذا الذي يقولونه عليه بغير علم، ولكنه فصله في مواضع أُخر فذكر أن ذلك الذي يقولونه بغير علم هو أن اللَّه حرّم البحائر والسوائب ونحوها، وأن لهُ أولادًا، وأن له شركاء، سبحانه وتعالى عن ذلك علوًّا كبيرًا ‏.‏ فصرح بأنه لم يحرم ذلك بقوله‏:‏ ‏{‏مَا جَعَلَ اللَّهُ مِن بَحِيرَةٍ وَلاَ سَآئِبَةٍ وَلاَ وَصِيلَةٍ وَلاَ حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏وَحَرَّمُواْ مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاء عَلَى اللَّهِ‏}‏ ‏.‏ وقوله‏:‏ ‏{‏قُلْ أَرَأَيْتُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ لَكُم مِّن رِّزْقٍ فَجَعَلْتُم مِّنْهُ حَرَامًا وَحَلاَلاً قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ‏}‏ ‏.‏ وقوله‏:‏ ‏{‏وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلاَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُواْ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ‏}‏، إلى غير ذلك من الآيات ‏.‏ ونزه نفسه عن الشركاء المزعومة بقوله‏:‏ ‏{‏سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ‏}‏، ونحوها من الآيات ونزّه نفسه عن الأولاد المزعومة بقوله‏:‏ ‏{‏وَقَالُواْ اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَل لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ‏}‏ ‏.‏ ونحوها من الآيات فظهر من هذه الآيات تفصيل، ‏{‏مَا‏}‏ أجمل في اسم الموصول الذي هو ‏{‏مَا‏}‏، من قوله‏:‏ ‏{‏وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ‏}‏ ‏.‏

‏{‏إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلاً أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلاَّ النَّارَ وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلاَ يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُاْ الضَّلاَلَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَمَآ أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ‏}‏

، إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ ظاهر هذه الآية أن جميع أنواع الميتة والدم حرام، ولكنه بيّن في موضع آخر أن ميتة البحر خارجة عن ذلك التحريم وهو قوله‏:‏ ‏{‏أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَّكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا وَاتَّقُواْ اللَّهَ الَّذِيَ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ‏}‏ ‏.‏ إذ ليس للبحر طعام غير الصيد إلا ميتته ‏.‏ وما ذكره بعض العلماء من أن المراد بطعامه قديده المجفف بالملح مثلاً، وأن المراد بصيده الطري منه ‏.‏ فهو خلاف الظاهر؛ لأن القديد من صيده فهو صيد جعل قديدًا وجمهور العلماء على أن المراد بطعامه ميتته ‏.‏ منهم‏:‏ أبو بكر الصديق، وزيد بن ثابت، وعبد اللَّه ابن عمر، وأبو أيوب الأنصاري ــ رضي اللَّه عنهم أجمعين ــ وعكرمة، وأبو سلمة بن عبد الرحمان، وإبراهيم النخعي، والحسن البصري وغيرهم ‏.‏ كما نقله عنهم ابن كثير ‏.‏ وأشار في موضع آخر إلى أن غير المسفوح من الدماء ليس بحرام وهو قوله‏:‏ ‏{‏إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا‏}‏، فيفهم منه أن غير المسفوح كالحمرة التي تعلو القدر من أثر تقطيع اللحم ليس بحرام، إذ لو كان كالمسفوح لما كان في التقييد بقوله‏:‏ ‏{‏مَّسْفُوحًا‏}‏ ‏.‏ فـائـدة

وقد جاء عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أن اللَّه أحلّ له ولأمته ميتتين ودمين، أما الميتتان‏:‏ فالسمك والجراد، وأما الدمان‏:‏ فالكبد والطحال، وسيأتي الكلام على هذا الحديث في الأنعام إن شاء اللَّه تعالى ‏.‏

وعنه صلى الله عليه وسلم في البحر ‏"‏هو الحل ميتته‏"‏ أخرجه مالك وأصحاب ‏"‏السنن‏"‏ والإمام أحمد، والبيهقي والدارقطني في سننهما، والحاكم في ‏"‏المستدرك‏"‏، وابن الجارود في ‏"‏المنتقى‏"‏، وابن أبي شيبة، وصححه الترمذي، وابن خزيمة، وابن حبان، والبخاري ‏.‏

وظاهر عموم هذا الحديث وعموم قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَطَعَامُهُ‏}‏، يدل على إباحة ميتة البحر مطلقًا ‏.‏ وقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق عليه أنه أكل من العنبر، وهو حوت ألقاه البحر ميتًا وقصته مشهورة‏.‏

وحاصل تحرير فقه هذه المسألة‏:‏ أن ميتة البحر على قسمين‏:‏ قسم لا يعيش إلا في الماء، وإن أُخرج منه مات كالحوت ‏.‏ وقسم يعيش في البر، كالضفادع ونحوها‏.‏

أما الذي لا يعيش إلا في الماء كالحوت ‏.‏ فميتته حلال عند جميع العلماء وخالف أبو حنيفة رحمه الله، فيما مات منه في البحر وطفا على وجه الماء ‏.‏ فقال فيه‏:‏ هو مكروه الأكل، بخلاف ما قتله إنسان أو حسر عنه البحر فمات، فإنه مباح الأكل عنده ‏.‏

وأما الذي يعيش في البر، من حيوان البحر‏:‏ كالضفادع، والسلحفاة، والسرطان وترس الماء ‏.‏ فقد اختلف فيه العلماء ‏.‏ فذهب مالك بن أنس إلى أن ميتة البحر من ذلك كله مباحة الأكل، وسواء مات بنفسه أو وجد طافيًا أو باصطياد، أو أُخرج حيًّا، أو أُلقي في النار، أو دسّ في طين‏.‏

وقال ابن نافع، وابن دينار‏:‏ ميتة البحر مما يعيش في البر نجسة‏.‏

ونقل ابن عرفة قولاً ثالثًا بالفرق بين أن يموت في الماء، فيكون طاهرًا، أو في البرّ فيكون نجسًا؛ وعزاه لعيسى عن ابن القاسم‏.‏ والضفادع البحرية عند مالك مباحة الأكل، وإن ماتت فيه‏.‏

وفي ‏"‏المدونة‏"‏‏:‏ ولا بأس بأكل الضفادع وإن ماتت؛ لأنها من صيد الماء‏.‏ اهـ‏.‏

أما ميته الضفادع البرية فهي حرام بلا خلاف بين العلماء، وأظهر الأقوال منع الضفادع مطلقًا ولو ذكيت، لقيام الدليل على ذلك، كما سيأتي إن شاء اللَّه تعالى‏.‏

أما كلب الماء وخنزيره فالمشهور من مذهب مالك فيهما الكراهة‏.‏

قال خليل بن إسحاق المالكي في ‏"‏مختصره‏"‏، عاطفًا على ما يكره، وكلب ماء وخنزيره‏.‏

وقال الباجي‏:‏ أما كلب البحر وخنزيره، فروى ابن شعبان أنه مكروه وقاله ابن حبيب‏.‏

وقال ابن القاسم في ‏"‏المدونة‏"‏‏:‏ لم يكن مالك يجيبنا في خنزير الماء بشىء، ويقول‏:‏ أنتم تقولون خنزير‏.‏

وقال ابن القاسم‏:‏ وأنا أتقيه ولو أكله رجل لم أره حرامًا هذا هو حاصل مذهب مالك في المسألة، وحجّته في إباحة ميتة الحيوان البحري كان يعيش في البر أو لا‏.‏

‏{‏أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ‏}‏، ولا طعام له غير صيده إلا ميتته، كما قاله جمهور العلماء، وهو الحق ويؤيده قوله صلى الله عليه وسلم في البحر‏:‏ ‏"‏ هو الطهور ماؤه الحل ميتته‏"‏، وقد قدمنا ثبوت هذا الحديث وفيه التصريح من النبيّ صلى الله عليه وسلم بأن ميتة البحر حلال، وهو فصل في محل النزاع‏.‏ وقد تقرر في الأصول أن المفرد إذا أضيف إلى معرفة كان من صيغ العموم‏.‏ كقوله‏:‏ ‏{‏فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ‏}‏‏.‏

وإليه أشار في ‏"‏مراقي السعود‏"‏، بقوله عاطفًا على صيغ العموم‏:‏ وما معرفًا بأل قد وجدا

أو بإضافة إلى معرف ** إذا تحقق الخصوص قد نفىا


وبه نعلم أن قوله صلى الله عليه وسلم ‏"‏ميتته‏"‏ يعم بظاهره كل ميتة مما في البحر‏.‏

ومذهب الشافعي رحمه اللَّه في هذه المسألة هو أن ما لا يعيش إلا في البحر فميتته حلال، بلا خلاف، سواء كان طافيًا على الماء أم لا‏.‏

وأما الذي يعيش في البر من حيوان البحر فأصح الأقوال فيه وهو المنصوص عن الشافعي في ‏"‏الأم‏"‏، و ‏"‏مختصر المزني‏"‏، واختلاف العراقيين‏:‏ أن ميتته كله حلال؛ للأدلة التي قدمنا آنفًا ومقابله قولان‏:‏

أحدهما‏:‏ منع ميتة البحري الذي يعيش في البر مطلقًا‏.‏

الثاني‏:‏ التفصيل بين ما يؤكل نظيره في البر، كالبقرة والشاة فتباح ميتة البحري منه، وبين ما لا يؤكل نظيره في البرّ كالخنزير والكلب فتحرم ميتة البحري منه، ولا يخفى أن حجة الأول أظهر لعموم قوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ الحل ميتته ‏"‏ وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَطَعَامُهُ‏}‏، كما تقدم‏.‏

وأما مذهب الإمام أحمد رحمه اللَّه، فهو أن كل ما لا يعيش إلا في الماء فميتته حلال، والطافي منه وغيره سواء، وأما ما يعيش في البرّ من حيوان البحر فميتته عنده حرام، فلا بدّ من ذكاته إلا ما لا دم فيه؛ كالسرطان فإنه يباح عنده من غير ذكاة‏.‏ واحتجّ لعدم إباحة ميتة ما يعيش في البرّ؛ بأنه حيوان يعيش في البرّ له نفس سائلة فلم يبح بغير ذكاة، كالطير‏.‏

وحمل الأدلة التي ذكرنا على خصوص ما لا يعيش إلاّ في البحر‏.‏

اهـ‏.‏

وكلب الماء عنده إذا ذكي حلال، ولا يخفى أن تخصيص الأدلة العامة يحتاج إلى نص، فمذهب مالك والشافعي أظهر دليلاً، واللَّه تعالى أعلم‏.‏

ومذهب الإمام أبي حنيفة رحمه اللَّه أن كل ما يعيش في البرّ لا يؤكل البحري منه أصلاً؛ لأنه مستخبث‏.‏ وأما ما لا يعيش إلا في البحر وهو الحوت بأنواعه فميتته عنده حلال، إلا إذا مات حتف أنفه في البحر وطفا على وجه الماء، فإنه يكره أكله عنده، فما قتله إنسان أو حسر عنه البحر فمات حلال عنده، بخلاف الطافي على وجه الماء‏.‏ وحجته فيما يعيش في البرّ منه‏:‏ أنه مستخبث، واللَّه تعالى يقول‏:‏ ‏{‏وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ‏}‏، وحجّته في كراهة السمك الطافي ما رواه أبو داود في ‏"‏سننه‏"‏‏:‏ حدّثنا أحمد بن عبدة، حدّثنا يحيىا بن سليم الطائفي، حدّثنا إسماعيل بن أمية عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد اللَّه قال‏:‏ قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ ما ألقي البحر أو جزر عنه فكلوه، وما مات فيه وطفا فلا تأكلوه ‏"‏‏.‏اهـ‏.‏

قال أبو داود‏:‏ روى هذا الحديث سفيان الثوري، وأيوب، وحماد عن أبي الزبير أوقفوه على جابر‏.‏

وقد أسند هذا الحديث أيضًا من وجه ضعيف عن ابن أبي ذئب، عن أبي الزبير، عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏اهـ‏.‏

وأجاب الجمهور عن الاحتجاج الأول بأن ألفاظ النصوص عامة في ميتة البحر، وأن تخصيص النص العام لا بدّ له من دليل من كتاب أو سنّة يدلّ على التخصيص، كما تقدم‏.‏

ومطلق ادعاء أنه خبيث لا يردّ به عموم الأدلة الصريحة في عموم ميتة البحر، وعن الاحتجاج الثاني بتضعيف حديث جابر المذكور‏.‏

قال النووي في ‏"‏شرح المهذب‏"‏، ما نصه‏:‏ وأما الجواب عن حديث جابر الذي احتجّ به الأولون فهو أنه حديث ضعيف باتفاق الحفاظ لا يجوز الاحتجاج به لو لم يعارضه شىء، فكيف وهو معارض بما ذكرناه من دلائل الكتاب والسنة وأقاويل الصحابة رضي اللَّه عنهم المنتشرة‏؟‏‏.‏

وهذا الحديث من رواية يحيىا بن سليم الطائفي، عن إسماعيل بن أمية، عن أبي الزبير عن جابر‏.‏

قال البيهقي‏:‏ يحيىا بن سليم الطائفي كثير الوهم سَيِّىء الحفظ‏.‏ قال‏:‏ وقد رواه غيره عن إسماعيل بن أُمية موقوفًا على جابر‏.‏ قال‏:‏ وقال الترمذي‏:‏ سألت البخاري عن هذا الحديث، فقال‏:‏ ليس هو بمحفوظ، ويروى عن جابر خلافه‏.‏ قال‏:‏ ولا أعرف لأثر ابن أُمية عن أبي الزبير شيئًا‏.‏

قال البيهقي‏:‏ وقد رواه أيضًا يحيى بن أبي أنيسة عن أبي الزبير مرفوعًا، ويحيىا بن أبي أنيسة متروك لا يحتجّ به‏.‏ قال‏:‏ ورواه عبد العزيز بن عبيد اللَّه، عن وهب بن كيسان عن جابر مرفوعًا، وعبد العزيز ضعيف لا يحتج به، قال‏:‏ ورواه بقية بن الوليد عن الأوزاعي عن أبي الزبير عن جابر مرفوعًا، ولا يحتج بما ينفرد به بقية، فكيف بما يخالف‏؟‏ قال‏:‏ وقول الجماعة من الصحابة على خلاف قول جابر مع ما رويناه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في البحر‏:‏ ‏"‏هو الطهور ماؤه الحلّ ميتته‏"‏‏.‏ اهـ‏.‏

وقال البيهقي في ‏"‏السنن الكبرى‏"‏ في باب ‏"‏ من كره أكل الطافي ‏"‏ ما نصه‏:‏ أخبرنا أبو بكر بن الحارث الفقيه، أنبأنا علي بن عمر الحافظ، حدّثنا محمد بن إبراهيم بن فيروز، حدّثنا محمد بن إسماعيل الحساني، حدّثنا ابن نمير، حدّثنا عبيد اللَّه بن عمر، عن أبي الزبير، عن جابر رضي اللَّه عنه أنه كان يقول‏:‏ ‏"‏ما ضرب به البحر أو جزر عنه أو صيد فيه فكل، وما مات فيه ثم طفا فلا تأكل‏"‏‏.‏ وبمعناه رواه أبو أيوب السختياني وابن جريج، وزهير بن معاوية، وحماد بن سلمة، وغيرهم عن أبي الزبير عن جابر موقوفًا وعبد الرّزّاق وعبد اللَّه بن الوليد العدني، وأبو عاصم، ومؤمل بن إسماعيل وغيرهم، عن سفيان الثوري موقوفًا، وخالفهم أبو أحمد الزبيري فرواه عن الثوري مرفوعًا وهو واهم فيه، أخبرنا أبو الحسن بن عبدان، أنبأ سليمان بن أحمد اللخمي، حدّثنا عليّ بن إسحاق الأصبهاني، حدّثنا نصر بن علي، حدّثنا أبو أحمد الزبيري، حدّثنا سفيان، عن أبي الزبير، عن جابر عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏ إذا طفا السمك على الماء فلا تأكله، وإذا جزر عنه البحر فكله، وما كان على حافته فكله ‏"‏‏.‏ قال سليمان‏:‏ لم يرفع هذا الحديث عن سفيان إلاّ أبو أحمد، ثم ذكر البيهقي بعد هذا الكلام حديث أبي داود الذي قدمنا، والكلام الذي نقلناه عن النووي‏.‏

قال مقيّده عفا اللَّه عنه فتحصل‏:‏ أن حديث جابر في النهي عن أكل السمك الطافي ذهب كثير من العلماء إلى تضعيفه وعدم الاحتجاج به‏.‏ وحكى النووي اتفاق الحفاظ على ضعفه كما قدمنا عنه، وحكموا بأن وقفه على جابر أثبت‏.‏ وإذن فهو قول صحابي معارض بأقوال جماعة من الصحابة منهم‏:‏ أبو بكر الصدّيق رضي اللَّه عنه وبالآية والحديث المتقدمين‏.‏ وقد يظهر للناظر أن صناعة علم الحديث والأصول لا تقتضي الحكم بردّ حديث جابر المذكور؛ لأن رفعه جاء من طرق متعددة وبعضها صحيح، فرواية أبي داود له مرفوعًا التي قدمنا، ضعفوها بأن في إسنادها يحيىا بن سليم الطائفي، وأنه سَيِّىء الحفظ‏.‏

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
الهدى

avatar

عدد المساهمات : 326
التميز : 1
تاريخ التسجيل : 14/10/2009

مُساهمةموضوع: تفسير اضواء البيان فى ايضاح القران بالقران   الإثنين يناير 11, 2010 4:05 am


وقد رواه غيره مرفوعًا مع أن يحيىا بن سليم المذكور من رجال البخاري ومسلم في ‏"‏صحيحيهما‏"‏، ورواية أبي أحمد الزبيري له عن الثوري مرفوعًا عند البيهقي والدارقطني، ضعفوها بأنه واهم فيها‏.‏ قالوا‏:‏ خالفه فيها وكيع وغيره، فرووه عن الثوري موقوفًا‏.‏

ومعلوم أن أبا أحمد الزبيري المذكور وهو محمد بن عبد اللَّه بن الزبير بن عمرو بن درم الأسدي ثقة ثبت‏.‏ وإن قال ابن حجر في ‏"‏التقريب‏"‏‏:‏ إنه قد يخطىء في حديث الثوري فهاتان الروايتان برفعه تعضدان برواية بقية بن الوليد له مرفوعًا عند البيهقي وغيره، وبقية المذكور من رجال مسلم في ‏"‏صحيحه‏"‏، وإن تكلّم فيه كثير من العلماء‏.‏ ويعتضد ذلك أيضًا برواية عبد العزيز بن عبيد اللَّه له، عن وهب بن كيسان، عن أبي الزبير، عن جابر مرفوعًا‏.‏

ورواية يحيىا بن أبي أنيسة له عن أبي الزبير عن جابر مرفوعًا، وإن كان عبد العزيز بن عبيد اللَّه ويحيىا بن أبي أنيسة المذكوران ضعيفين؛ لاعتضاد روايتهما برواية الثقة، ويعتضد ذلك أيضًا برواية ابن أبي ذئب له، عن أبي الزبير، عن جابر مرفوعًا عند الترمذي وغيره‏.‏ فالظاهر أنه لا ينبغي أن يحكم على حديث جابر المذكور بأنه غير ثابت؛ لما رأيت من طرق الرفع التي روي بها‏.‏ وبعضها صحيح كرواية أبي أحمد المذكورة والرفع زيادة، وزيادة العدل مقبولة‏.‏

قال في ‏"‏مراقي السعود‏"‏‏:‏ والرفع والوصل وزيد اللفظ مقبولة عند أمام الحفظ


إلخ‏.‏‏.‏‏.‏ نعم لقائل أن يقول‏:‏ هو معارض بما هو أقوى منه؛ لأن عموم قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَّكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ‏}‏، وقوله صلى الله عليه وسلم في البحر‏:‏ ‏"‏ هو الطهور ماؤه، الحل ميتته ‏"‏ أقوى من حديث جابر هذا؛ ويؤيد ذلك اعتضاده بالقياس؛ لأنه لا فرق في القياس بين الطافي وغيره‏.‏ وقد يجاب عن هذا بأنه لا يتعارض عام وخاص، وحديث جابر في خصوص الطافي فهو مخصص لعموم أدلة الإباحة‏.‏

فالدليل على كراهة أكل السمك الطافي لا يخلو من بعض قوة، واللَّه تعالى أعلم‏.‏ والمراد بالسمك الطافي هو الذي يموت في البحر فيطفو على وجه الماء وكل ما علا على وجه الماء ولم يرسب فيه تسميه العرب طافيًا‏.‏

ومن ذلك قول عبد اللَّه بن رواحة رضي اللَّه عنه‏:‏ وأن العرش فوق الماء طاف وفوق العرش رب العالمين


ويحكى في نوادر المجانين أن مجنونًا مرّ به جماعة من بني راسب، وجماعة من بني طفاوة يختصمون في غلام، فقال لهم المجنون‏:‏ القوا الغلام في البحر فإن رسب فيه فهو من بني راسب، وإن طفا على وجهه فهو من بني طفاوة‏.‏

وقال البخاري في ‏"‏صحيحه‏"‏، باب قول اللَّه تعالى‏:‏ ‏{‏أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَّكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ‏}‏‏.‏ قال عمر‏:‏ صيده ما اصطيد وطعامه ما رمىا به‏.‏

وقال أبو بكر‏:‏ الطافي حلال، وقال ابن عباس طعامه ميتته إلا ما قذرت منها، والجري لا تأكله اليهود ونحن نأكله‏.‏

وقال شريح صاحب النبيّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ كل شىء في البحر مذبوحه، وقال عطاء‏:‏ أما الطير فأرى أن نذبحه‏.‏

وقال ابن جريج‏:‏ قلت لعطاء‏:‏ صيد الأنهار وقلات السيل أصيد بحر هو ‏؟‏ قال‏:‏ نعم، ثم تلا‏:‏ ‏{‏وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِن كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا‏}‏‏.‏ وركب الحسن على سرج من جلود كلاب الماء‏.‏ وقال الشعبي‏:‏ لو أن أهلي أكلوا الضفادع لأطعمتهم‏.‏ ولم يرَ الحسن بالسلحفاة بأسًا‏.‏

وقال ابن عباس‏:‏ كل من صيد البحر نصراني أو يهودي أو مجوسي‏.‏ وقال أبو الدرداء في المري ذبح الخمر النينان والشمس‏.‏ انتهى من البخاري بلفظه‏.‏ ومعلوم أن البخاري رحمه اللَّه لا يعلق بصيغة الجزم إلا ما كان صحيحًا ثابتًا عنده‏.‏

وقال الحافظ ابن حجر في ‏"‏فتح الباري‏"‏، في الكلام على هذه المعلقات التي ذكرها البخاري ما نصه‏:‏ قوله‏:‏ قال عمر، هو ابن الخطاب، ‏"‏ صيده ‏"‏ ما اصطيد، و ‏"‏ طعامه ‏"‏ ما رمى به‏.‏ وصله المصنف في ‏(‏التاريخ‏)‏، وعبد بن حميد من طريق عمر بن أبي سلمة عن أبيه، عن أبي هريرة قال‏:‏ لما قدمت البحرين سألني أهلها عما قذف البحر‏؟‏ فأمرتهم أن يأكلوه‏.‏ فلما قدمت على عمر فذكر قصة‏.‏ قال‏:‏ فقال عمر‏:‏ قال اللَّه تعالى في كتابه‏:‏ ‏{‏أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَّكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ‏}‏، فصيده‏:‏ ما صيد، وطعامه‏:‏ ما قذف به‏.‏ قوله‏:‏ وقال أبو بكر، هو الصديق، الطافي حلال، وصله، أبو بكر بن أبي شيبة، والطحاوي والدارقطني من رواية عبد الملك بن أبي بشير، عن عكرمة، عن ابن عباس قال‏:‏ أشهد على أبي بكر أنه قال‏:‏ السمكة الطافية حلال‏.‏ زاد الطحاوي‏:‏ لمن أراد أكله، وأخرجه الدارقطني، وكذا عبد بن حميد والطبري منها‏.‏ وفي بعضها أشهد على أبي بكر أنه أكل السمك الطافي على الماء، وللدارقطني من وجه آخر عن ابن عباس عن أبي بكر‏:‏ أن اللَّه ذبح لكم ما في البحر فكلوه كله فإنه ذكي‏.‏

قوله‏:‏ وقال ابن عباس‏:‏ طعامه ميتته إلا ما قذرت منها، وصله الطبري من طريق أبي بكر بن حفص عن عكرمة عن ابن عباس في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ‏}‏، قال طعامه‏:‏ ميتته‏.‏ وأخرج عبد الرزّاق من وجه آخر عن ابن عباس، وذكر صيد البحر لا تأكل منه طافيًا في سنده الأجلح وهو لين، ويوهنه حديث ابن عباس الماضي قبله، قوله‏:‏ والجري لا تأكله اليهود، ونحن نأكله‏.‏ وصله عبد الرزّاق عن الثوري، عن عبد الكريم الجزري، عن عكرمة، عن ابن عباس أنه سئل عن الجرى فقال‏:‏ لا بأس به، إنما هو شىء كرهته اليهود‏.‏ وأخرجه ابن أبي شيبة عن وكيع عن الثوري به‏.‏ وقال في روايته‏:‏ سألت ابن عباس عن الجري، فقال‏:‏ لا بأس به؛ إنما تحرمه اليهود ونحن نأكله، وهذا على شرط الصحيح‏.‏ وأخرج عن علي وطائفة نحوه‏.‏ والجرى، بفتح الجيم، قال ابن التين‏:‏ وفي نسخة بالكسر، وهو ضبط الصحاح، وكسر الراء الثقيلة قال‏:‏ ويقال له أيضًا‏:‏ الجريت، وهو ما لا قشر له‏.‏

وقال ابن حبيب من المالكية‏:‏ إنما أكرهه؛ لأنه يقال‏:‏ إنه من الممسوخ‏.‏ وقال الأزهري‏:‏ الجريت نوع من السمك يشبه الحيات‏.‏ وقيل‏:‏ سمك لا قشر له‏.‏ ويقال له أيضًا‏:‏ المرماهي، والسلور مثله‏.‏ وقال الخطابي‏:‏ هو ضرب من السمك يشبه الحيات، وقال غيره‏:‏ نوع عريض الوسط، دقيق الطرفين‏.‏ قوله‏:‏ وقال شريح صاحب النبيّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ كل شىء في البحر مذبوح، وقال عطاء‏:‏ أما الطير فأرى أن تذبحه، وصله المصنف في ‏"‏التاريخ‏"‏، وابن منده في ‏"‏المعرفة‏"‏، من رواية ابن جريج عن عمرو بن دينار وأبي الزبير أنهما سمعا شريحًا صاحب النبيّ صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ كل شىء في البحر مذبوح‏.‏ قال‏:‏ فذكرت ذلك لعطاء‏.‏ فقال‏:‏ أما الطير فأرى أن تذبحه، وأخرجه الدارقطني وأبو نعيم في ‏"‏الصحابة‏"‏، مرفوعًا من حديث شريح، والموقوف أصح‏.‏

وأخرجه ابن أبي عاصم في الأطعمة من طريق عمرو بن دينار، سمعت شيخًا كبيرًا يحلف باللَّه ما في البحر دابة إلا قد ذبحها اللَّه لبني ءادم، وأخرج الدارقطني من حديث عبد اللَّه بن سرجس رفعه‏:‏ ‏"‏ أن اللَّه قد ذبح كل ما في البحر لبني ءادم ‏"‏، وفي سنده ضعف، والطبراني من حديث ابن عمر رفعه نحوه، وسنده ضعيف أيضًا، وأخرج عبد الرزاق بسندين جيدين عن عمر، ثم عن عليّ‏:‏ الحوت ذكي كله، قوله‏:‏ وقال ابن جريج‏:‏ قلت لعطاء‏:‏ صيد الأنهار وقلات السيل أصيد بحر هو ‏؟‏ قال‏:‏ نعم، ثم تلا‏:‏ ‏{‏وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِن كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ‏}‏، وصله عبد الرزّاق في ‏"‏ التفسير ‏"‏، عن ابن جريج بهذا سواء، وأخرجه الفاكهي في كتاب ‏"‏مكة‏"‏، من رواية عبد المجيد بن أبي دواد عن ابن جريج أتم من هذا وفيه‏:‏ وسألته عن حيتان بركة القشيري، وهي بئر عظيمة في الحرم، أتصاد ‏؟‏ قال‏:‏ نعم؛ وسألته عن ابن الماء وأشباهه أصيد بحر أم صيد برّ ‏؟‏ فقال‏:‏ حيث يكون أكثر فهو صيد‏.‏

وقلات، بكسر القاف وتخفيف اللام وآخره مثناة، ووقع في رواية الأصيلي مثلثة‏.‏ والصواب الأول‏:‏ جمع قلت بفتح أوله مثل‏:‏ بحر وبحار، وهو النقرة في الصخرة، يستنقع فيها الماء‏.‏ قوله‏:‏ وركب الحسن على سرج من جلود كلاب الماء، وقال الشعبي‏:‏ لو أن أهلي أكلوا الضفادع لأطعمتهم، ولم يرَ الحسن بالسلحفاة بأسًا‏.‏ أما قول الحسن الأول فقيل إنه ابن علي‏.‏ وقيل‏:‏ البصري، ويؤيّد الأول أنه وقع في رواية وركب الحسن عليه السلام وقوله‏:‏ على سرج من جلود، أي متّخذ من جلود كلاب الماء‏.‏ وأما قول الشعبي‏:‏ فالضفادع جمع ضفدع، بكسر أوله وفتح الدال وبكسرها أيضًا، وحكي ضم أوله مع فتح الدال؛ والضفادي بغير عين لغة فيه، قال ابن التين‏:‏ لم يبيّن الشعبي هل تذكى أم لا ‏؟‏‏.‏ ومذهب مالك أنها تؤكل بغير تذكية، ومنهم من فصل بين ما مأواه الماء وغيره‏.‏ وعن الحنفية، ورواية عن الشافعي‏:‏ لا بد من التذكية‏.‏

قال مقيّده عفا اللَّه عنه ميتة الضفادع البريّة لا ينبغي أن يختلف في نجاستها، لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ‏}‏، وهي ليست من حيوان البحر؛ لأنها برية، كما صرح عبد الحق بأن ميتتها نجسة في مذهب مالك‏.‏ نقله عنه الحطاب والمواق وغيرهما، في شرح قول خليل‏:‏ والبحري ولو طالت حياته ببرّ، وقال ابن حجر متصلاً بالكلام السابق، وأما قول الحسن في السلحفاة فوصله ابن أبي شيبة من طريق ابن طاوس عن أبيه أنه كان لا يرى بأكل السلحفاة بأسًا، ومن طريق مبارك بن فضالة عن الحسن قال‏:‏ لا بأس بأكلها، والسلحفاة، بضم المهملة وفتح اللام وسكون المهملة بعدها فاء، ثم ألف ثم هاء، ويجوز بدل الهاء همزة حكاه ابن سيده، وهي رواية عبدوس‏.‏

وحكي أيضًا في المحكم‏:‏ بسكون اللام وفتح الحاء‏.‏

وحكي أيضًا‏:‏ سلحفية كالأول لكن بكسر الفاء بعدها تحتانية مفتوحة‏.‏

قوله‏:‏ وقال ابن عباس‏:‏ كل من صيد البحر نصراني، أو يهودي، أو مجوسي‏.‏

قال الكرماني‏:‏ كذا في النسخ القديمة وفي بعضها ‏"‏ما صاده‏"‏ قبل لفظ نصراني‏.‏ قلت‏:‏ وهذا التعليق وصله البيهقي من طريق سماك بن حرب عن عكرمة عن ابن عباس‏.‏ قال‏:‏ كل ما ألقى البحر وما صيد منه، صاده يهودي أو نصراني أو مجوسي‏.‏

قال ابن التين‏:‏ مفهومه أن صيد البحر لا يؤكل إن صاده غير هؤلاء وهو كذلك عند قوم‏.‏

وأخرج ابن أبي شيبة بسند صحيح عن عطاء وسعيد بن جبير، وبسند آخر عن علي كراهية صيد المجوسي السمك‏.‏ انتهى، من ‏"‏فتح الباري‏"‏ بلفظه‏.‏

وقول أبي الدرداء‏:‏ في المري ذبح الخمر النينان والشمس‏.‏ المشهور في لفظه أن ذبح فعل ماض، والخمر مفعول به، والنينان فاعل ذبح، والشمس بالرفع معطوفًا على الفاعل الذي هو النينان، وهي جمع نون وهو‏:‏ الحوت والمري، بضم الميم وسكون الراء بعدها تحتانية على الصحيح، خلافًا لصاحب ‏"‏الصحاح‏"‏ و ‏"‏النهاية‏"‏، فقد ضبطاه بضم الميم وكسر الراء

المشدّدة نسبة إلى المر وهو الطعم المشهور، والمري المذكور طعام كان يعمل بالشام، يؤخذ الخمر فيجعل فيه الملح والسمك ويوضع في الشمس فيتغير عن طعم الخمر ويصير خلاًّ، وتغيير الحوت والملح والشمس له عن طعم الخمر إزالة الإسكار عنه، هو مراد أبي الدرداء بذبح الحيتان والشمس له، فاستعار الذبح لإذهاب الشدة المطربة التي بها الإسكار، وأثر أبي الدرداء هذا، وصله إبراهيم الحربي في غريب الحديث له، من طريق أبي الزاهرية، عن جبير بن نفير، عن أبي الدرداء، فذكره سواء‏.‏

وكان أبو الدرداء رضي اللَّه عنه يرى إباحة تخليل الخمر، وكثير من العلماء يرون منع تخليلها، فإن تخللت بنفسها من غير تسبب لها في ذلك فهي حلال إجماعًا، قال ابن حجر في الفتح‏:‏ وكان أبو الدرداء وجماعة يأكلون هذا المري المعمول بالخمر‏.‏ وأدخله البخاري في طهارة صيد البحر، يريد أن السمك طاهر حلال، وأن طهارته وحله يتعدى إلى غيره كالملح‏.‏ حتى يصير الحرام النجس بإضافتها إليه طاهرًا حلالاً، وهذا رأي من يجوز تخليل الخمر وهو قول أبي الدرداء وجماعة‏.‏

قال مقيده عفا اللَّه عنه والظاهر منع أكل الضفادع مطلقًا؛ لثبوت النهي عن قتلها عن النبيّ صلى الله عليه وسلم فقد قال أبو داود في سننه‏:‏ حدّثنا محمد بن كثير، أخبرنا سفيان عن ابن أبي ذئب، عن سعيد بن خالد، عن سعيد بن المسيب، عن عبد الرحمان بن عثمان، أن طبيبًا سأل النبيّ صلى الله عليه وسلم عن ضفدع يجعلها في دواء فنهاه النبيّ صلى الله عليه وسلم عن قتلها‏.‏

وقال النسائي في ‏"‏ سننه ‏"‏‏:‏ أخبرنا قتيبة قال‏:‏ حدّثنا ابن أبي فديك عن ابن أبي ذئب، عن سعيد بن خالد، عن سعيد بن المسيّب، عن عبد الرحمان بن عثمان، أن طبيبًا ذكر ضفدعًا في دواء عند رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فنهى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم عن قتله‏.‏

وقال النووي في ‏"‏شرح المهذب‏"‏‏:‏ وأما حديث النهي عن قتل الضفدع فرواه أبو داود بإسناد حسن، والنسائي بإسناد صحيح، من رواية عبد الرحمان بن عثمان بن عبيد اللَّه التيمي الصحابي وهو ابن أخي طلحة بن عبيد اللَّه، قال‏:‏ سأل طبيب النبيّ صلى الله عليه وسلم عن ضفدع يجعلها في دواء فنهاه عن قتلها وسيأتي لتحريم أكل الضفدع زيادة بيان إن شاء اللَّه في سورة ‏"‏الأنعام‏"‏ في الكلام على قوله‏:‏

‏{‏قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا‏}‏‏.‏

وما ذكرنا من تحريم الضفدع مطلقًا قال به الإمام أحمد وجماعة، وهو الصحيح من مذهب الشافعي، ونقل العبدري عن أبي بكر الصدِّيق وعمر وعثمان وابن عباس رضي اللَّه عنهم، أن جميع ميتات البحر كلها حلال إلا الضفدع، قاله النووي‏.‏

ونقل عن أحمد رحمه اللَّه ما يدلّ على أن التمساح لا يؤكل، وقال الأوزاعي لا بأس به لمن اشتهاه‏.‏

وقال ابن حامد‏:‏ لا يؤكل التمساح، ولا الكوسج؛ لأنهما يأكلان الناس‏.‏ وقد روي عن إبراهيم النخعي وغيره‏:‏ أنه قال‏:‏ كانوا يكرهون سباع البحر كما يكرهون سباع البر، وذلك لنهي النبيّ صلى الله عليه وسلم عن كل ذي ناب من السباع‏.‏

وقال أبو علي النجاد ما حرّم نظيره في البرّ فهو حرام في البحر ككلب الماء، وخنزيره، وإنسانه، وهو قول الليث إلاّ في الكلب، فإنه يرى إباحة كلب البرّ والبحر قاله ابن قدامة في ‏"‏المغني‏"‏، ومنع بعض العلماء أكل السلحفاة البحرية، والعلم عند اللَّه تعالى‏.‏ تنبيــه

الدم أصله دمي، يائي اللام وهو من الأسماء التي حذفت العرب لامها ولم تعوض عنها شيئًا، وأعربتها على العين، ولامه ترجع عند التصغير، فتقول دمي بإدغام ياء التصغير في ياء لام الكلمة، وترجع أيضًا في جمع التكسير، فالهمزة في الدماء مبدلة من الياء التي هي لام الكلمة، وربما ثبتت أيضًا في التثنية، ومنه قول سحيم الرياحي‏:‏ ولو أنّا على حجر ذبحنا جرى الدميان بالخبر اليقين

وكذلك تثبت لامه في الماضي والمضارع، والوصف في حالة الاشتقاق منه فتقول‏:‏ في الماضي دميت يده كرضي، ومنه قوله‏:‏ هل أنت إلا إصبع دميت ** وفي سبيل اللَّه ما لقيت


وتقول في المضارع يدمى بإبدال الياء ألفًا كما في يرضى ويسعى ويخشى ومنه قول الشاعر‏:‏ ولسنا على الأعقاب تدمى كلومنا ** ولكن على أقدامنا تقطر الدما

وتقول في الوصف أصبح جرحه داميًا ومنه قول الراجز‏:‏ نرد أولاها على أُخراها نردها دامية كلاها

والتحقيق أن لامه أصلها ياء، وقيل أصلها واو وإنما أبدلت ياء في الماضي لتطرفها بعد الكسر كما في قوي ورضي وشجي، التي هي واويات اللام في الأصل؛ لأنها من الرضوان والقوة والشجو‏.‏

وقال بعضهم الأصل فيه دمي، بفتح الميم، وقيل‏:‏ بإسكانها، واللَّه تعالى أعلم‏.‏

‏{‏فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ‏}‏، لم يبيّن هنا سبب اضطراره، ولم يبين المراد بالباغي والعادي، ولكنه أشار في موضع آخر إلى أن سبب الاضطرار المذكور المخمصة، وهي الجوع وهو قوله‏:‏ ‏{‏فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ‏}‏، وأشار إلى أن المراد بالباغي والعادي المتجانف للإثم، وذلك في قوله‏:‏ ‏{‏فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ‏}‏‏.‏ والمتجانف‏:‏ المائل، ومنه قول الأعشى‏:‏ تجانف عن حجر اليمامة ناقتي ** وما قصدت من أهلها لسوائكا


فيفهم من الآية أن الباغي والعادي كلاهما متجانف لإثم، وهذا غاية ما يفهم منها‏.‏

وقال بعض العلماء‏:‏ الإثم الذي تجانف إليه الباغي هو الخروج على إمام المسلمين، وكثيرًا ما يطلق اسم البغي على مخالفة الإمام، والإثم الذي تجانف إليه العادي هو إخافة الطريق وقطعها على المسلمين، ويلحق بذلك كل سفر في معصية اللَّه‏.‏اهـ‏.‏

وقال بعض العلماء‏:‏ إثم الباغي والعادي أكلهما المحرم مع وجود غيره، وعليه فهو كالتأكيد لقوله‏:‏ ‏{‏فَمَنِ اضْطُرَّ‏}‏، وعلى القول الأول لا يجوز لقاطع الطريق والخارج على الإمام، الأكل من الميتة وإن خافا الهلاك، ما لم يتوبا، وعلى الثاني يجوز لهما لقاطع الطريق والخارج على الإِمام، الأكل من الميتة وإن خافا الهلاك، ما لم يتوبا وعلى الثاني يجوز لهما أكل الميتة إن خافا الهلاك، وإن لم يتوبا‏.‏

ونقل القرطبي عن قتادة، والحسن، والربيع، وابن زيد، وعكرمة، أن المعنى ‏{‏غَيْرَ بَاغٍ‏}‏، أي‏:‏ في أكله فوق حاجته، ‏{‏وَلاَ عَادٍ‏}‏، بأن يجد عن هذه المحرمات مندوحة، ويأكلها‏.‏

ونقل أيضًا عن السدي أن المعنى ‏{‏غَيْرَ بَاغٍ‏}‏، في أكلها شهوة وتلذذًا، ‏{‏وَلاَ عَادٍ‏}‏ باستيفاء الأكل إلى حد الشبع‏.‏

وقال القرطبي أيضًا، وقال مجاهد وابن جبير وغيرهما‏:‏ المعنى ‏{‏غَيْرَ بَاغٍ‏}‏ على المسلمين، ‏{‏وَلاَ عَادٍ‏}‏ عليهم، فيدخل في الباغي والعادي قطاع الطريق، والخارج على السلطان، والمسافر في قطع الرحم، والغارة على المسلمين، وما شاكله، وهذا صحيح‏.‏ فإن أصل البغي في اللغة قصد الفساد يقال‏:‏ بغت المرأة تبغى بغاء إذا فجرت‏.‏

قال اللَّه تعالى‏:‏ ‏{‏وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاء إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِّتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا‏}‏، وربما استعمل البغي في طلب غير الفساد، والعرب تقول‏:‏ خرج الرجل في بغاء إبل له، أي‏:‏ في طلبها، ومنه قول الشاعر‏:‏ لا يمنعنك من بغا ** ء الخير تعقاد الرتائم

إن الأشائم كالأيا ** من والأيامن كالأشائم


وذكر القرطبي عن مجاهد‏:‏ أن المراد بالاضطرار في هذه الآية‏:‏ الإكراه على أكل المحرم، كالرجل يأخذه العدو فيكرهونه على لحم الخنزير وغيره من معصية اللَّه تعالى، وذكر أن المراد به عند الجمهور من العلماء المخمصة التي هي الجوع كما ذكرنا‏.‏

وقد قدمنا أن آية ‏{‏فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ‏}‏، مبينة لذلك وحكم الإكراه على أكل ما ذكر يؤخذ من قوله تعالى‏:‏ ‏{‏مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ‏}‏، بطريق الأولى، وحديث‏:‏ ‏"‏ إن اللَّه تجاوز لي عن أُمّتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه ‏"‏‏.‏

مسائل تتعلق بالاضطرار إلى أكل الميتـة

المسألة الأولى‏:‏ أجمع العلماء على أن المضطر له أن يأكل من الميتة ما يسد رمقه، ويمسك حباته، وأجمعوا أيضًا على أنه يحرم عليه ما زاد على الشبع، واختلفوا في نفس الشبع هل له أن يشبع من الميتة أو ليس له مجاوزة ما يسدّ الرمق، ويأمن معه الموت‏.‏

فذهب مالك رحمه اللَّه تعالى إلى أن له أن يشبع من الميتة ويتزود منها، قال في ‏"‏ موطئه ‏"‏‏:‏ إن أحسن ما سمع في الرجل يضطر إلى الميتة، أنه يأكل منها حتى يشبع، ويتزود منها، فإن وجد عنها غنى طرحها‏.‏

قال ابن عبد البر‏:‏ حجة مالك أن المضطر ليس ممن حرمت عليه الميتة، فإذا كانت حلالاً له أكل منها ما شاء حتى يجد غيرها، فتحرم عليه وذهب ابن الماجشون وابن حبيب من المالكية إلى أنه ليس له أن يأكل منها إلا قدر ما يسدّ الرمق ويمسك الحياة وحجتهما‏:‏ أن الميتة لا تباح إلا عند الضرورة، وإذا حصل سد الرمق انتفت الضرورة في الزائد على ذلك‏.‏

وعلى قولهما درج خليل بن إسحاق المالكي في ‏"‏مختصره‏"‏، حيث قال‏:‏ وللضرورة ما يسدّ غير ءادمي‏.

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
الهدى

avatar

عدد المساهمات : 326
التميز : 1
تاريخ التسجيل : 14/10/2009

مُساهمةموضوع: تفسير اضواء البيان فى ايضاح القران بالقران   الإثنين يناير 11, 2010 4:06 am


وقال ابن العربي‏:‏ ومحل هذا الخلاف بين المالكية فيما إذا كانت المخمصة نادرة، وأما إذا كانت دائمة فلا خلاف في جواز الشبع منها‏.‏


ومذهب الشافعي على القولين المذكورين عن المالكية، وحجتهما في القولين كحجة المالكية فيهما، وقد بيناها‏.‏ والقولان المذكوران مشهوران عند الشافعية‏.‏


واختار المزني أنه لا يجاوز سد الرمق، ورجحه القفال وكثيرون‏.‏


وقال النووي‏:‏ إنه الصحيح‏.‏ ورجح أبو علي الطبري في الإفصاح والروياني وغيرهما حل الشبع، قاله النووي أيضًا‏.‏


وفي المسألة قول ثالث للشافعية وهو‏:‏ أنه إن كان بعيدًا من العمران حل الشبع وإلا فلا، وذكر إمام الحرمين والغزالي تفصيلاً في المسألة، وهو‏:‏ أنه إن كان في بادية وخاف إن ترك الشبع ألا يقطعها ويهلك، وجب القطع بأنه يشبع، وإن كان في بلد وتوقع طعامًا طاهرًا قبل عود الضرورة وجب القطع بالاقتصار على سدّ الرمق، وإن كان لا يظهر حصول طعام طاهر وأمكن الحاجة إلى العود إلى أكل الميتة مرة بعد أخرى إن لم يجد الطاهر، فهذا محل الخلاف‏.‏


قال النووي‏:‏ وهذا التفصيل الذي ذكره الإمام والغزالي تفصيل حسن وهو الراجح، وعن الإمام أحمد رحمه اللَّه في هذه المسألة روايتان أيضًا‏.‏


قال ابن قدامة في المغني‏:‏ وفي الشبع روايتان‏.‏


أظهرهما‏:‏ لا يباح وهو قول أبي حنيفة، وإحدى الروايتين عن مالك، وأحد القولين للشافعي‏.‏


قال الحسن‏:‏ يأكل قدر ما يقيمه؛ لأن الآية دلت على تحريم الميتة، واستثني ما اضطرّ إليه فإذا اندفعت الضرورة فلم يحلّ له الأكل كحالة الابتداء‏.‏ ولأنه بعد سد الرمفق غير مضطر فلم يحل له الأكل للآية‏.‏ يحققه‏:‏ أنه بعد سدّ رمقه كهو قبل أن يضطر، وثم لم يبح له الأكل كذا هاهنا‏.‏


والثانية‏:‏ يباح له الشبع‏.‏ اختارها أبو بكر؛ لما روى جابر بن سمرة أن رجلاً نزل الحرّة فنفقت عنده ناقة، فقالت له امرأته‏:‏ أسلخها حتى نقدد شحمها ولحمها ونأكله‏.‏ فقال حتى أسأل رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، فسأله فقال‏:‏ ‏"‏هل عندك غنى يغنيك‏"‏ ‏؟‏ قال‏:‏ لا‏.‏ قال‏:‏ ‏"‏فكلوها‏"‏، ولم يفرق رواه أبو داود‏.‏ ويدلّ له أيضًا حديث الفجيع العامري عنده‏:‏ أن النبيّ أذن له في الميتة مع أنه يغتبق ويصطبح، فدلّ على أخذ النفس حاجتها من القوت منها؛ ولأن ما جاز سدّ الرمق منه جاز الشبع منه كالمباح، ويحتمل أن يفرّق بين ما إذا كانت الضرورة مستمرة وبين ما إذا كانت مرجوة الزوال، فما كانت مستمرة كحالة الأعرابي الذي سأل رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم جاز الشبع؛ لأنه إذا اقتصر على سدّ الرمق عادت الضرورة إليه عن قرب، ولا يتمكن من البعد عن الميتة مخافة الضرورة المستقبلة ويفضي إلى ضعف بدنه، وربما أدى ذلك إلى تلفه، بخلاف التي ليست مستمرة، فإنه يرجو الغنى عنها بما يحل واللَّه أعلم‏.‏ انتهى من المعنى بلفظه‏.‏


وقال إمام الحرمين‏:‏ وليس معنى الشبع أن يمتلىء حتى لا يجد مساغًا، ولكن إذا انكسرت سورة الجوع بحيث لا ينطلق عليه اسم جائع أمسك‏.‏ اهـ‏.‏ قاله النووي‏.‏


المسألة الثانية‏:‏ حدّ الاضطرار المبيح لأكل الميتة، وهو الخوف من الهلاك علمًا أو ظنًا‏.‏


قال الزرقاني في شرح قول مالك في ‏"‏الموطأ‏"‏، فيمن يضطر إلى أكل الميتة اهـ‏.‏ وحدّ الاضطرار أن يخاف على نفسه الهلاك علمًا أو ظنًا، ولا يشترط أن يصير إلى حال يشرف معها على الموت، فإن الأكل عند ذلك لايفيد‏.‏


وقال النووي في ‏"‏ شرح المهذب ‏"‏‏:‏ الثانية في حدّ الضرورة‏.‏


قال أصحابنا‏:‏ لا خلاف أن الجوع القوي لا يكفي لتناول الميتة ونحوها قالوا ولا خلاف أنه لا يجب الامتناع إلى الإشراف على الهلاك؛ فإن الأكل حينئذ لا ينفع، ولو انتهى إلى تلك الحال لم يحل له أكلها؛ لأنه غير مفيد، واتفقوا على جواز الأكل إذا خاف على نفسه لو لم يأكل من جوع أو ضعف عن المشي، أو عن الركوب، وينقطع عن رفقته ويضيع ونحو ذلك‏.‏


فلو خاف حدوث مرض مخوف في جنسه فهو كخوف الموت، وإن خاف طول المرض فكذلك في أصح الوجهين، وقيل‏:‏ إنهما قولان، ولو عيل صبره، وأجهده الجوع فهل يحل له الميتة ونحوها أم لا يحل حتى يصل إلى أدنى الرمق ‏؟‏ فيه قولان ذكرهما البغوي وغيره، أصحهما‏:‏ الحلّ‏.‏


قال إمام الحرمين وغيره‏:‏ ولا يشترط فيما يخافه تيقن وقوعه لو لم يأكل، بل يكفي غلبة الظن‏.‏ انتهى منه بلفظه‏.‏


وقال ابن قدامة في ‏"‏ المغني ‏"‏‏:‏ إذا ثبت هذا فإن الضرورة المبيحة هي التي يخاف التلف بها إن ترك الأكل، قال أحمد‏:‏ إذا كان يخشى على نفسه سواء كان من الجوع، أو يخاف إن ترك الأكل عجز عن المشي، وانقطع عن الرفقة فهلك أو يعجز عن الركوب فيهلك، ولا يتقيد ذلك بزمن محصور‏.‏


وحدّ الاضطرار عند الحنفية هو أن يخاف الهلاك على نفسه أو على عضو من أعضائه يقينًا كان أو ظنًّا، واللَّه تعالى أَعلم‏.‏


المسألة الثالثة‏:‏ هل يجب الأكل من الميتة ونحوها إن خاف الهلاك، أو يباح من غير وجوب ‏؟‏ اختلف العلماء في ذلك، وأظهر القولين الوجوب؛ لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَأَنفِقُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا‏}‏‏.‏


ومن هنا قال جمع من أهل الأصول‏:‏ إن الرخصة قد تكون واجبة، كأكل الميتة عند خوف الهلاك لو لم يأكل منها، وهو الصحيح من مذهب مالك، وهو أحد الوجهين للشافعية، وهو أحد الوجهين عند الحنابلة أيضًا، وهو اختيار ابن حامد، وهذا هو مذهب أبي حنيفة رحمهم اللَّه، وقال مسروق‏:‏ من اضطر إلى أكل الميتة والدم ولحم الخنزير فلم يأكل حتى مات، دخل النار، إلا أن يعفو اللَّه عنه‏.‏


وقال أبو الحسن الطبري المعروف بالكيا‏:‏ وليس أكل الميتة عند الضرورة رخصة بل هو عزيمة واجبة، ولو امتنع من أكل الميتة كان عاصيًا، نقله القرطبي وغيره‏.‏


وممن اختار عدم الوجوب ولو أدّى عدم الأكل إلى الهلاك أبو إسحاق من الشافعية، وأبو يوسف صاحب أبي حنيفة رحمهم اللَّه وغيرهم، واحتجّوا بأن له غرضًا صحيحًا في تركه وهو اجتناب النجاسة، والأخذ بالعزيمة‏.‏


وقال ابن قدامة في ‏"‏المغني‏"‏ في وجه كل واحد من القولين، ما نصه‏:‏ وهل يجب الأكل من الميتة على المضطر فيه وجهان‏:‏


أحدهما‏:‏ يجب وهو قول مسروق، وأحد الوجهين لأصحاب الشافعي‏.‏


قال الأثرم‏:‏ سئل أبو عبد اللَّه عن المضطرّ يجد الميتة ولم يأكل، فذكر قول مسروق‏:‏ من اضطر فلم يأكل ولم يشرب دخل النار‏.‏ وهذا اختيار ابن حامد، وذلك لقول اللَّه تعالى‏:‏ ‏{‏وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ‏}‏، وترك الأكل مع إمكانه في هذا الحال إلقاء بيده إلى التهلكة، وقال اللَّه تعالى‏:‏ ‏{‏وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا‏}‏؛ ولأنه قادر على إحياء نفسه بما أحلّه اللَّه فلزمه، كما لو كان معه طعام حلال‏.‏


والثاني‏:‏ لا يلزمه؛ لما روى عن عبد اللَّه بن حذافة السهمي صاحب رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أن طاغية الروم حبسه في بيت وجعل معه خمرًا ممزوجًا بماء، ولحم خنزير مشوي ثلاثة أيام، فلم يأكل ولم يشرب حتى مال رأسه من الجوع والعطش وخشوا موته، فأخرجوه فقال‏:‏ قد كان اللَّه أحلّه لي؛ لأنّي مضطر، ولكن لم أكن لأشمتك بدين الإسلام؛ ولأن إباحة الأكل رخصة فلا تجب عليه كسائر الرخص؛ ولأن له غرضًا في اجتناب النجاسة والأخذ بالعزيمة،


وربما لم تطب نفسه بتناول الميتة وفارق الحلال في الأصل من هذه الوجوه‏.‏


وقد قدمنا أن أظهر القولين دليلاً وجوب تناول ما يمسك الحياة؛ لأن الإنسان لا يجوز له إهلاك نفسه، والعلم عند اللَّه تعالى‏.‏


المسألة الرابعة‏:‏ هل يقدم المضطر الميتة أو مال الغير ‏؟‏


اختلف العلماء في ذلك‏:‏ فذهب مالك إلى أنه يقدم مال الغير إن لم يخف أن يجعل سارقًا ويحكم عليه بالقطع‏.‏ ففي ‏"‏موطئه‏"‏، ما نصه‏:‏ وسئل مالك عن الرجل يضطر إلى الميتة أيأكل منها وهو يجد ثمرًا لقوم أو زرعًا أو غنمًا بمكانه ذلك ‏؟‏‏.‏


قال مالك‏:‏ إن ظن أن أهل ذلك الثمر، أو الزرع، أو الغنم يصدقونه بضرورته حتى لا يعد سارقًا فتقطع يده، رأيت أن يأكل من أي ذلك وجد ما يردّ جوعه ولا يحمل منه شيئًا، وذلك أحبّ إليّ من أن يأكل الميتة‏.‏


وإن هو خشي ألا يصدقوه، وأن يعد سارقًا بما أصاب من ذلك؛ فإن أكل الميتة خير له عندي، وله في أكل الميتة على هذا الوجه سعة، مع أني أخاف أن يعدو عاد ممن لم يضطر إلى الميتة يريد استجازة أموال الناس وزروعهم وثمارهم بذلك بدون اضطرار‏.‏ قال مالك‏:‏ وهذا أحسن ما سمعت‏.‏ اهـ‏.‏


وقال ابن حبيب‏:‏ إن حضر صاحب المال فحق عليه أن يأذن له في الأكل؛ فإن منعه فجائز للذي خاف الموت أن يقاتله حتى يصل إلى أكل ما يرد نفسه‏.‏


الباجي‏:‏ يريد أنه يدعوه أولاً إلى أن يبيعه بثمن في ذمته، فإن أبى استطعمه، فإن أبى، أعلمه أنه يقاتله عليه‏.‏


وقال خليل بن إسحاق المالكي في ‏"‏مختصره‏"‏، الذي قال فيه مبينًا لما به الفتوى عاطفًا على ما يقدم المضطر على الميتة وطعام غير إن لم يخف القطع، وقاتل عليه‏.‏ هذا هو حاصل المذهب المالكي في هذه المسألة‏.‏


ومذهب الشافعي فيها‏:‏ هو ما ذكره النووي في ‏"‏شرح المهذب‏"‏، بقوله‏:‏ المسألة الثامنة‏:‏ إذا وجد المضطر ميتة وطعام الغير وهو غائب فثلاثة أوجه‏.‏ وقيل ثلاثة أقوال‏:‏ أصحها يجب أكل الميتة، والثاني يجب أكل الطعام، والثالث يتخيّر بينهما‏.‏


وأشار إمام الحرمين إلى أن هذا الخلاف مأخوذ من الخلاف في اجتماع حق اللَّه تعالى وحقّ الآدمي ولو كان صاحب الطعام حاضرًا، فإن بذله بلا عوض أو بثمن مثله أو بزيادة يتغابن الناس بمثلها ومعه ثمنه أو رضي بذمته لزمه القبول، ولم يجز أكل الميتة، فإن لم يبعه إلا بزيادة كثيرة فالمذهب والذي قطع به العراقيون والطبريون وغيرهم‏:‏ أنه لا يلزمه شراؤه ولكن يستحب، وإذا لم يلزمه الشراء فهو كما إذا لم يبذله أصلاً، وإذا لم يبذله لم يقاتله عليه المضطر إن خاف من المقاتلة على نفسه، أو خاف هلاك المالك في المقاتلة، بل يعدل إلى الميتة، وإن كان لا يخاف؛ لضعف المالك وسهولة دفعه فهو على الخلاف المذكور فيما إذا كان غائبًا، هذا كله تفريع على المذهب الصحيح‏.‏


وقال البغوي‏:‏ يشتريه بالثمن الغالي، ولا يأكل الميتة ثم يجىء الخلاف السابق في أنه يلزمه المسمى أو ثمن المثل، قال وإذا لم يبذل أصلاً وقلنا طعام الغير أولى من الميتة يجوز أن يقاتله ويأخذه قهرًا، واللَّه أعلم‏.‏


حاصل مذهب الإمام أحمد في هذه المسألة أنه يقدم الميتة على طعام الغير‏.‏


قال الخرقي في ‏"‏مختصره‏"‏‏:‏ ومن اضطر فأصاب الميتة وخبزًا لا يعرف مالكه أكل الميتة‏.‏ اهـ‏.‏


وقال ابن قدامة في ‏"‏المغني‏"‏، في شرحه لهذا الكلام ما نصه‏:‏ وبهذا قال سعيد بن المسيّب، وزيد بن أسلم‏.‏


وقال مالك‏:‏ إن كانوا يصدقونه أنه مضطر أكل من الزرع والثمر، وشرب اللبن، وإن خاف أن تقطع يده أو لا يقبل منه أكل الميتة، ولأصحاب الشافعي وجهان‏:‏


أحدهما‏:‏ يأكل الطعام وهو قول عبد اللَّه بن دينار؛ لأنه قادر على الطعام الحلال فلم يجز له أكل الميتة كما لو بذله له صاحبه‏.‏


ولنا أن أكل الميتة منصوص عليه ومال الآدمي مجتهد فيه، والعدول إلى المنصوص عليه أولى؛ ولأن حقوق اللَّه تعالى مبنيّة على المسامحة والمساهلة وحقوق الآدمي مبنيّة على الشحّ والتضييق؛ ولأن حق الآدمي تلزمه غرامته وحقّ اللَّه لا عوض له‏.‏


المسألة الخامسة‏:‏ إذا كان المضطر إلى الميتة محرمًا وأمكنه الصيد فهل يقدم الميتة أو الصيد ‏؟‏‏.‏


اختلف العلماء في ذلك، فذهب مالك وأبو حنيفة رحمهم اللَّه والشافعي، في أصح القولين‏:‏ إلى أنه يقدم الميتة‏.‏


وعن الشافعي رحمه اللَّه تعالى قول بتقديم الصيد وهو مبنيّ على القول‏:‏ بأن المحرم إن ذكّى صيدًا لم يكن ميتة‏.‏


والصحيح أن ذكاة المحرم للصيد لغو ويكون ميتة، والميتة أخف من الصيد للمحرم؛ لأنه يشاركها في اسم الميتة ويزيد بحرمة الاصطياد، وحرمة القتل، وسيأتي لهذه المسألة زيادة بيان إن شاء اللَّه في سورة ‏"‏المائدة‏"‏‏.‏


وممن قال بتقديم الصيد للمحرم على الميتة أبو يوسف، والحسن، والشعبي، واحتجوا بأن الصيد يجوز للمحرم عند الضرورة، ومع جوازه والقدرة عليه تنتفي الضرورة فلا تحلّ الميتة‏.‏


واحتجّ الجمهور بأن حلّ أكل الميتة عند الضرورة منصوص عليه، وإباحة الصيد للضرورة مجتهد فيها، والمنصوص عليه أولى، فإن لم يجد المضطر إلاّ صيدًا وهو محرم فله ذبحه وأكله، وله الشبع منه على التحقيق، لأنه بالضرورة وعدم وجود غيره صار مذكى ذكاة شرعية، طاهرًا حلالاً فليس بميتة، ولذا تجب ذكاته الشرعية، ولا يجوز قتله، والأكل منه بغير ذكاة‏.‏


ولو وجد المضطر ميتة ولحم خنزير أو لحم إنسان ميت فالظاهر تقديم الميتة على الخنزير ولحم الآدمي‏.‏


قال الباجي‏:‏ إن وجد المضطر ميتة وخنزيرًا فالأظهر عندي أن يأكل الميتة؛ لأن الخنزير ميتة ولا يباح بوجه، وكذلك يقدم الصيد على الخنزير والإنسان على الظاهر، ولم يجز عند المالكية أكل الإنسان للضرورة مطلقًا وقتل الإنسان الحي المعصوم الدم لأكله عند الضرورة حرام إجماعًا، سواء كان مسلمًا، أو ذميًا‏.‏ وإن وجد إنسان معصوم ميتًا فهل يجوز لحمه عند الضرورة، أو لا يجوز ‏؟‏ منعه المالكية والحنابلة وأجازه الشافعية وبعض الحنفية‏.‏


واحتجّ الحنابلة لمنعه لحديث‏:‏ ‏"‏كسر عظم الميت ككسر عظم الحي‏"‏، واختار أبو الخطاب منهم جواز أكله، وقال لا حجة في الحديث هاهنا؛ لأن الأكل من اللحم لا من العظم، والمراد بالحديث التشبيه في أصل الحرمة لا في مقدارها بدليل اختلافهما في الضمان والقصاص، ووجوب صيانة الحي بما لا يجب به صيانة الميت، قاله في ‏"‏المغني‏"‏‏.‏


ولو وجد المضطر ءادميًّا غير معصوم كالحربي والمرتد فله قتله والأكل منه عند الشافعية، وبه قال القاضي من الحنابلة واحتجوا بأنه لا حرمة له فهو بمنزلة السباع‏.‏ واللَّه تعالى أعلم‏.‏


المسألة السادسة‏:‏ هل يجوز للمضطر أن يدفع ضرورته بشرب الخمر ‏؟‏ فيه للعلماء أربعة أقوال‏:‏


الأول‏:‏ المنع مطلقًا‏.‏


الثاني‏:‏ الإباحة مطلقًا‏.‏


الثالث‏:‏ الإباحة في حالة الاضطرار إلى التداوي بها دون العطش‏.‏


الرابع‏:‏ عكسه‏.‏


وأصح هذه الأقوال عند الشافعية المنع مطلقًا‏.‏


قال مقيده عفا اللَّه عنه الظاهر إن التداوي بالخمر لا يجوز؛ لما رواه مسلم في ‏"‏صحيحه‏"‏، من حديث وائل بن حجر رضي اللَّه عنه‏:‏ أن النبي صلى الله عليه وسلم سأله طارق بن سويد الجعفي عن الخمر فنهاه أو كره أن يصنعها فقال‏:‏ إنما أصنعها للدواء، فقال‏:‏ ‏"‏إنه ليس بدواء ولكنه داء ‏"‏‏.‏ والظاهر إباحتها؛ لإساغة غصة خيف بها الهلاك؛ وعليه جلّ أهل العلم، والفرق بين إساغة الغصة وبين شربها للجوع أو العطش أن إزالتها للغصة معلومة وأنها لا يتيقن إزالتها للجوع أو العطش‏.‏


قال الباجي‏:‏ وهل لمن يجوز له أكل الميتة أن يشرب لجوعه أو عطشه الخمر ‏؟‏ قال مالك لا يشربها ولن تزيده إلا عطشًا‏.‏


وقال ابن القاسم‏:‏ يشرب المضطر الدم ولا يشرب الخمر، ويأكل الميتة ولا يقرب ضوال الإبل، وقاله ابن وهب‏.‏


وقال ابن حبيب‏:‏ من غص بطعام وخاف على نفسه، فإن له أن يجوزه بالخمر، وقاله أبو الفرج‏.‏


أما التداوي بها فمشهور المذهب أنه لا يحل‏:‏


وإذا قلنا‏:‏ إنه لا يجوز التداوي بها ويجوز استعمالها لإساغة الغصة فالفرق أن التداوي بها لا يتيقن به البرء من الجوع والعطش‏.‏ اهـ‏.‏ بنقل المواق في شرح قول خليل وخمر لغصة، وما نقلنا عن مالك من أن الخمر لا تزيد إلا عطشًا نقل نحوه النووي عن الشافعي، قال‏:‏ وقد نقل الروياني أن الشافعي رحمه اللَّه نص على المنع من شربها للعطش؛ معللاً بأنها تجيع وتعطش‏.‏


وقال القاضي أبو الطيب‏:‏ سألت من يعرف ذلك فقال الأمر كما قال الشافعي‏:‏ إنها تروي في الحال ثم تثير عطشًا عظيمًا‏.‏


وقال القاضي حسين في ‏"‏تعليقه‏"‏‏:‏ قالت الأطباء الخمر تزيد في العطش وأهل الشرب يحرصون على الماء البارد، فجعل بما ذكرناه أنها لا تنفع في دفع العطش‏.‏


وحصل بالحديث الصحيح السابق في هذه المسألة أنها لا تنفع في الدواء فثبت تحريمها مطلقًا واللَّه تعالى أعلم‏.‏ اهـ من ‏"‏شرح المهذب‏"‏‏.‏


وبه تعلم أن ما اختاره الغزالي وإمام الحرمين من الشافعية، والأبهري من المالكية، من جوازها للعطش خلاف الصواب وما ذكره إمام الحرمين والأبهري من أنها تنفع في العطش خلاف الصواب أيضًا، والعلم عند اللَّه تعالى‏.‏


ومن مر ببستان لغيره فيه ثمار وزرع، أو بماشية فيها لبن، فإن كان مضطرًا اضطرارًا يبيح الميتة فله الأكل بقدر ما يرد جوعه إجماعًا، ولا يجوز له حمل شىء منه وإن كان غير مضطر، فقد اختلف العلماء في جواز أكله منه‏.‏


فقيل‏:‏ له أن يأكل في بطنه من غير أن يحمل منه شيئًا، وقيل ليس له ذلك، وقيل‏:‏ بالفرق بين المحوط عليه فيمنع، وبين غيره فيجوز، وحجة من قال بالمنع مطلقًا ما ثبت عن النبيّ صلى الله عليه وسلم من عموم قوله‏:‏ ‏"‏إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا‏"‏، وعموم قوله تعالى‏:‏ ‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا‏}‏، ونحو ذلك من الأدلّة‏.‏

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
الهدى

avatar

عدد المساهمات : 326
التميز : 1
تاريخ التسجيل : 14/10/2009

مُساهمةموضوع: تفسير اضواء البيان فى ايضاح القران بالقران   الإثنين يناير 11, 2010 4:08 am



وحجة من قال بالإباحة مطلقًا ما أخرجه أبو داود عن الحسن عن سمرة أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏ إذا أتى أحدكم على ماشية فإن كان فيها صاحبها فليستأذنه، فإن أذن فليحتلب وليشرب، وإن لم يكن فيها فليصوت ثلاثًا، فإن أجاب فليستأذنه، فإن أذن له وإلا فليحتلب وليشرب ولا يحمل ‏"‏ اهـ‏.‏


وما رواه الترمذي عن يحيىا بن سليم عن عبيد اللَّه عن نافع عن ابن عمر عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏ من دخل حائطًا فليأكل ولا يتّخذ خبنة ‏"‏، قال‏:‏ هذا حديث غريب، لا نعرفه إلا من حديث يحيىا بن سليم‏.‏ وما رواه الترمذي أيضًا من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبيّ صلى الله عليه وسلم سئل عن الثمر المعلق فقال‏:‏ ‏"‏ من أصاب منه من ذي حاجة غير متخذ خبنة فلا شىء عليه ‏"‏ قال‏:‏ فيه حديث حسن‏.‏


وما روي عن عمر رضي اللَّه عنه أنه قال‏:‏ ‏"‏ إذا مر أحدكم بحائط فليأكل منه، ولا يتّخذ ثبانًا ‏"‏‏.‏


قال أبو عبيد‏:‏ قال أبو عمرو هو يحمل الوعاء الذي يحمل فيه الشىء، فإن حملته بين يديك فهو ثبان، يقال قد تثبنت ثبانًا، فإن حملته على ظهرك فهو الحال، يقال منه قد تحولت كسائي، إذا جعلت فيه شيئًا ثم حملته على ظهرك،


فإن جعلته في حضنك فهو خبنة ومنه حديث عمرو بن شعيب المرفوع‏:‏ ‏"‏ ولا يتخذ خبنة ‏"‏ يقال فيه خبنت أخبن خبنًا، قاله القرطبي‏.‏


وما روي عن أبي زينب التيمي، قال‏:‏ سافرت مع أنس بن مالك، وعبد الرحمان بن سمرة، وأبي بردة، فكانوا يمرون بالثمار فيأكلون بأفواههم، نقله صاحب ‏"‏ المغني ‏"‏‏)‏، وحمل أهل القول الأول هذه الأحاديث والآثار على حال الضرورة، ويؤيده ما أخرجه ابن ماجه بإسناد صحيح عن عباد بن شرحبيل اليشكري الغبري رضي اللَّه عنه قال‏:‏ أصابتنا عامًا مخمصة فأتيت المدينة فأتيت حائطًا من حيطانها فأخذت سنبلاً ففركته وأكلته وجعلته في كسائي، فجاء صاحب الحائط فضربني وأخذ ثوبي، فأتيت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فأخبرته فقال‏:‏ ‏"‏ ما أطعمته إذ كان جائعًا أو ساغبًا، ولا علمته إذ كان جاهلاً ‏"‏، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم فردّ إليه ثوبه، وأمر له بوسق من طعام، أو نصف وسق، فإن في هذا الحديث الدلالة على أن نفي القطع والأدب إنما هو من أجل المخمصة‏.‏


وقال القرطبي في ‏"‏ تفسيره ‏"‏، عقب نقله لما قدّمنا عن عمر رضي اللَّه عنه قال أبو عبيد‏:‏ وإنما يوجه هذا الحديث أنه رخص فيه للجائع المضطر، الذي لا شىء معه يشتري به، ألا يحمل إلا ما كان في بطنه قدر قوته ثم قال‏:‏ قلت‏:‏ لأن الأصل المتفق عليه تحريم مال الغير إلا بطيب نفس منه‏.‏


فإن كانت هناك عادة بعمل ذلك كما كان في أول الإسلام أو كما هو الآن في بعض البلدان فذلك جائز‏.‏ ويحمل ذلك على أوقات المجاعة والضرورة، كما تقدم، واللَّه أعلم‏.‏اهـ منه‏.‏


وحجة من قال بالفرق بين المحوط وبين غيره، أن إحرازه بالحائط دليل على شحّ صاحبه به وعدم مسامحته فيه، وقول ابن عباس إن كان عليها حائط فهو حرام فلا تأكل، وإن لم يكن عليها حائط فلا بأس، نقله صاحب ‏"‏المغني‏"‏، وغيره‏.‏ وما ذكره بعض أهل العلم من الفرق بين مال المسلم فيجوز عند الضرورة وبين مال الكتابي ‏(‏ الذمي ‏)‏ فلا يجوز بحال غير ظاهر‏.‏


ويجب حمل حديث العرباض بن سارية عند أبي داود الوارد في المنع من دخول بيوت أهل الكتاب، ومنع الأكل من ثمارهم إلا بإذن على عدم الضرورة الملجئة إلى أكل الميتة، والعلم عند اللَّه تعالى‏.‏




‏{‏لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآئِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء والضَّرَّاء وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاء إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاْ أُولِيْ الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ فَمَن بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ فَمَنْ خَافَ مِن مُّوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ‏}‏


، وَءَاتَى الْمَالَ عَلَىا حُبِّهِ لم يبيّن هنا هل هذا المصدر مضاف إلى فاعله فيكون الضمير عائدًا إلى ‏{‏مَنْ أَتَى الْمَالَ‏}‏، والمفعول محذوفًا، أو مضاف إلى مفعوله فيكون الضمير عائدًا إلى المال ولكنه ذكر في موضع آخر ما يدل على أن المصدر مضاف إلى فاعله، وأن المعنى ‏{‏عَلَىا حُبّهِ‏}‏، أي حب مؤتي المال لذلك المال وهو قوله تعالى‏:‏ ‏{‏لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ‏}‏‏.‏ ولا يخفى أن بين القولين تلازمًا في المعنى‏.‏


‏{‏وَحِينَ الْبَأْسِ‏}‏، لم يبيّن هنا ما المراد بالبأس ‏؟‏‏.‏


ولكنه أشار في موضع آخر إلى أن البأس القتال، وهو قوله‏:‏ ‏{‏قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنكُمْ وَالْقَائِلِينَ لإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلاَّ قَلِيلاً‏}‏‏.‏ كما هو ظاهر من سياق الكلام‏.‏


‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ‏}‏‏.‏ قال بعض العلماء هي ثلاثة من كل شهر، وعاشوراء‏.‏


وقال بعض العلماء هي رمضان، وعلى هذا القول فقد بيّنها تعالى بقوله‏:‏ ‏{‏شَهْرُ رَمَضَانَ‏}‏‏.‏




‏{‏شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ‏}‏


، شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِىا أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ لم يبيّن هنا هل أنزل في الليل منه أو النهار ‏؟‏ ولكنه بيّن في غير هذا الموضع أنه أنزل في ليلة القدر من رمضان وذلك في قوله‏:‏ ‏{‏إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ‏}‏؛ لأن الليلة المباركة هي ليلة القدر على التحقيق وفي معنى إنزاله وجهان‏:‏


الأول‏:‏ أنه أنزل فيها جملة إلى السماء الدنيا، كما ثبت عن ابن عباس رضي اللَّه عنهما‏.‏


والثاني‏:‏ أن معنى إنزاله فيها ابتداء نزوله كما قال به بعضهم‏.‏


‏{‏وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ‏}‏


، وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ذكر في هذه الآية أنه جلّ وعلا قريب يجيب دعوة الداعي وبيّن في آية أخرى تعليق ذلك على مشيئته جلّ وعلا وهي قوله‏:‏ ‏{‏بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاء وَتَنسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ‏}‏‏.‏


وقال بعضهم التعليق بالمشيئة في دعاء الكفار كما هو ظاهر سياق الآية، والوعد المطلق في دعاء المؤمنين‏.‏ وعليه فدعاؤهم لا يرد، إما أن يعطوا ما سألوا أو يدخر لهم خير منه أو يدفع عنهم من السوء بقدره‏.‏


وقال بعض العلماء‏:‏ المراد بالدعاء العبادة وبالإجابة الثواب، وعليه فلا إشكال‏.‏


‏{‏أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَآئِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُواْ مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّواْ الصِّيَامَ إِلَى الَّليْلِ وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُواْ بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُواْ فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ‏}‏


، وَاشْرَبُواْ حَتَّىا يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ بينه قوله‏:‏ ‏{‏مِنَ الْفَجْرِ‏}‏، والعرب تسمى ضوء الصبح خيطًا، وظلام الليل المختلط به خيطًا، ومنه قول أبي دواد الإيادي‏:‏


فلما أضاءت لنا سدفة ** ولاح من الصبح خيط أنارا




وقول الآخر‏:‏


الخيط الابيض ضوء الصبح منفلق والخيط الاسود جنح الليل مكتوم


‏{‏يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوْاْ الْبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُواْ الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُواْ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ‏}‏


، وَلَـاكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَىا لم يصرح هنا بالمراد بمن اتقى، ولكنه بينه بقوله‏:‏ ‏{‏لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآئِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء والضَّرَّاء وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ‏}‏، والكلام في الآية على حذف مضاف أي ولكن ذا البر من اتقى، وقيل ولكن البر برّ من اتقى، ونظير الآية في ذلك من كلام العرب قول الخنساء‏:‏


لا تسأم الدهر منه كلما ذكرت فإنما هي إقبال وإدبار




أي ذات إقبال، وقول الشاعر‏:‏


وكيف تواصل من أصبحت خلالته كأبي مرحب




أي كخلالة أبي مرحب‏.‏ وقول الآخر‏:‏


لعمرك ما الفتيان أن تنبت اللحى ولكنما الفتيان كل فتى ندى




أي ليس الفتيان فتيان نبات اللحى‏.‏


‏{‏وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُم مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِن قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاء الْكَافِرِينَ فَإِنِ انتَهَوْاْ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلّهِ فَإِنِ انتَهَواْ فَلاَ عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُواْ اللَّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ وَأَنفِقُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوَاْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ‏}‏


، وَقَـاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَـاتِلُونَكُمْ فيه ثلاثة أوجه للعلماء‏:‏


الأول‏:‏ أن المراد بالذين يقاتلونكم من شأنهم القتال، أي دون غيرهم، كالنساء، والصبيان، والشيوخ الفانية، وأصحاب الصوامع‏.‏


الثاني‏:‏ أنها منسوخة بآيات السيف الدّالة على قتالهم مطلقًا‏.‏


الثالث‏:‏ أن المراد بالآية تهييج المسلمين وتحريضهم على قتال الكفار، فكأنه يقول لهم‏:‏ هؤلاء الذين أمرتكم بقتالهم هم خصومكم، وأعداؤكم الذين يقاتلونكم، وأظهرها الأول وعلى القول الثالث فالمعنى يبينه ويشهد له قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَقَاتِلُواْ الْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَآفَّةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ‏}‏‏.‏


‏{‏وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلاَ تَحْلِقُواْ رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا أَمِنتُمْ فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُواْ اللَّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ‏}‏


‏.‏ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْىِ اختلف العلماء في المراد بالإحصار في هذه الآية الكريمة فقال قوم‏:‏ هو صدّ العدو المحرم ومنعه إياه من الطواف بالبيت‏.‏


وقال قوم‏:‏ المراد به حبس المحرم بسبب مرض ونحوه‏.‏


وقال قوم‏:‏ المراد به ما يشمل الجميع من عدو ومرض ونحو ذلك‏.‏


ولكن قوله تعالى بعد هذا‏:‏ ‏{‏فَإِذَا أَمِنتُمْ‏}‏، يشير إلى أن المراد بالإحصار هنا صد العدو المحرم؛ لأن الأمن إذا أطلق في لغة العرب انصرف إلى الأمن من الخوف لا إلى الشفاء من المرض، ونحو ذلك، ويؤيّده أنه لم يذكر الشىء الذي منه الأمن، فدلّ على أن المراد به ما تقدم من الإحصار، فثبت أنه الخوف من العدوّ، فما أجاب به بعض العلماء من أن الأمن يطلق على الأمن من المرض، كما في حديث ‏"‏ من سبق العاطس بالحمد أمن من الشوص، واللوص، والعلوص ‏"‏، أخرجه ابن ماجه في سننه فهو ظاهر السقوط، لأن الأمن فيه مقيد بكونه من المرض، فلو أطلق لانصرف إلى الأمن من الخوف‏.‏ وقد يجاب أيضًا بأنه يخاف وقوع المذكور من الشوص الذي هو وجع السن، واللوص الذي هو وجه الأذن، والعلوص الذي هو وجع البطن؛ لأنه قبل وقوعها به يطلق عليه أنه خائف من وقوعها؛ فإذا أمن من وقوعها به فقد أمن من خوف‏.‏


أما لو كانت وقعت به بالفعل فلا يحسن أن يقال أمن منها؛ لأن الخوف في لغة العرب هو الغم من أمر مستقبل، لا واقع بالفعل، فدلّ هذا على أن زعم إمكان إطلاق الأمن على الشفاء من المرض خلاف الظاهر‏.‏ وحاصل تحرير هذه المسألة في مبحثين‏:‏


الأول‏:‏ في معنى الإحصار في اللغة العربية‏.‏


الثاني‏:‏ في تحقيق المراد به في الآية الكريمة وأقوال العلماء وأدلتها في ذلك، ونحن نبيّن ذلك كله إن شاء اللَّه تعالى‏.‏


اعلم أن أكثر علماء العربية يقولون‏:‏ إن الإحصار هو ما كان عن مرض أو نحوه، قالوا‏:‏ تقول العرب‏:‏ أحصره المرض يُحصِره بضم الياء وكسر الصاد إحصارًا، وأما ما كان من العدو فهو الحصر، تقول العرب حصر العدو يَحصُره بفتح الياء وضم الصاد حَصْرًا بفتح فسكون، ومن إطلاق الحصر في القرءان على ما كان من العدو قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ‏}‏، ومن إطلاق الإحصار على غير العدوّ كما ذكرنا عن علماء العربية‏.‏


‏{‏لِلْفُقَرَاء الَّذِينَ أُحصِرُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ‏}‏‏.‏ وقول ابن ميادة‏:‏ وما هجر ليلى أن تكون تباعدت عليك ولا أن أحصرتك شغول




وعكس بعض علماء العربية‏.‏


فقال‏:‏ الإحصار من العدو، والحصر من المرض، قاله ابن فارس في ‏"‏المجمل‏"‏، نقله عنه القرطبي‏.‏ ونقل البغوي نحوه عن ثعلب‏.‏


وقال جماعة من علماء العربية‏:‏ إن الإحصار يستعمل في الجميع، وكذلك الحصر، وممن قال باستعمال الإحصار في الجميع الفرّاء، وممن قال‏:‏ بأن الحصر والإحصار يستعملان في الجميع أبو نصر القشيري‏.‏


قال مقيده عفا اللَّه عنه لا شك في جواز إطلاق الإحصار على ما كان من العدوّ كما سترى تحقيقه إن شاء اللَّه، هذا حاصل كلام أهل العربية في معنى الإحصار‏.‏ وأما المراد به في الآية الكريمة فقد اختلف فيه العلماء على ثلاثة أقوال‏:‏


الأول‏:‏ أن المراد به حصر العدوّ خاصة دون المرض ونحوه، وهذا قول ابن عباس وابن عمر وأنس وابن الزبير وهو قول سعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير رضي اللَّه عنهم وبه قال مروان وإسحاق وهو الرواية المشهورة الصحيحة عن أحمد بن حنبل، وهو مذهب مالك والشافعي رحمهم اللَّه‏.‏


وعلى هذا القول أن المراد بالإحصار ما كان من العدوّ خاصة، فمن أحصر بمرض ونحوه لا يجوز له التحلل حتى يبرأ من مرضه، ويطوف بالبيت ويسعى، فيكون متحلّلاً بعمرة، وحجة هذا القول متركبة من أمرين‏:‏


الأول‏:‏ أن الآية الكريمة التي هي قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْىِ‏}‏، نزلت في صد المشركين النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وهم محرمون بعمرة عام الحديبية عام ستّ بإطباق العلماء‏.‏


وقد تقرر في الأصول أن صورة سبب النزول قطعية الدخول فلا يمكن إخراجها بمخصص، فشمول الآية الكريمة لإحصار العدو، الذي هو سبب نزولها قطعي فلا يمكن إخراجه من الآية بوجه؛ وروي عن مالك رحمه اللَّه أن صورة سبب النزول ظنية الدخول لا قطعيته، وهو خلاف قول الجمهور وإليه أشار في ‏"‏مراقي السعود‏"‏ بقوله‏:‏ واجزم بإدخال ذوات السبب وارو عن الإمام ظنا تصب




وبهذا تعلم أن إطلاق الإحصار بصيغة الرباعي على ما كان من عدو صحيح في اللغة العربية بلا شك كما ترى، وأنه نزل به القرءان العظيم الذي هو في أعلى درجات الفصاحة والإعجاز‏.‏


الأمر الثاني‏:‏ ما ورد من الآثار في أن المحصر بمرض ونحوه لا يتحلّل إلا بالطواف والسعي، فمن ذلك ما رواه الشافعي في ‏"‏مسنده‏"‏، والبيهقي عن ابن عباس أنه قال‏:‏ لا حصر إلا حصر العدوّ‏.‏


قال النووي في ‏"‏شرح المهذب‏"‏‏:‏ إسناده صحيح على شرط البخاري ومسلم، وصححه أيضًا ابن حجر، ومن ذلك ما رواه البخاري والنسائي عن ابن عمر أنه كان يقول‏:‏ ‏"‏ أليس حسبكم سنة رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم إن حبس أحدكم عن الحج طاف بالبيت، وبالصفا والمروة، ثم يحل من كل شىء حتى يحج عامًا قابلاً فيهدي أو يصوم إن لم يجد هديًا ‏"‏ ومن ذلك ما رواه مالك في ‏"‏الموطأ‏"‏، والبيهقي عن ابن عمر أنه قال‏:‏ ‏"‏ المحصر بمرض لا يحل حتى يطوف بالبيت، ويسعى بين الصفا والمروة، فإذا اضطر إلى لبس شىء من الثياب التي لا بدّ له منها أو الدواء صنع ذلك وافتدى ‏"‏ ومن ذلك ما رواه مالك في ‏"‏الموطأ‏"‏‏.‏ والبيهقي أيضًا عن أيوب السختياني عن رجل من أهل البصرة كان قديمًا أنه قال‏:‏ خرجت إلى مكة حتى إذا كنت ببعض الطريق كسرت فخذي، فأرسلت إلى مكة وبها عبد اللَّه بن عباس، وعبد اللَّه بن عمر، والناس فلم يرخص لي أحد أن أُحل، فأقمت على ذلك الماء سبعة أشهر حتى أحللت بعمرة‏.‏ والرجل البصري المذكور الذي أبهمه مالك‏.‏ قال ابن عبد البر‏:‏ هو أبو قلابة عبد اللَّه بن زيد الجرمي، شيخ أيوب ومعلمه كما رواه حماد بن زيد عن أيوب عن أبي قلابة،


ورواه ابن جرير من طرق، وسمى الرجل يزيد بن عبد اللَّه بن الشخير‏.‏


ومن ذلك ما رواه مالك في ‏"‏الموطأ‏"‏ والبيهقي أيضًا عن سليمان بن يسار‏:‏ ‏"‏ أن سعيد بن حزابة المخزومي صرع ببعض طريق مكة وهو محرم، فسأل، على الماء الذي كان عليه، عن العلماء، فوجد عبد اللَّه بن عمر، وعبد اللَّه بن الزبير، ومروان بن الحكم، فذكر لهم الذي عرض له فكُلُّهُم أمره أن يتداوى بما لا بد له منه، ويفتدي فإذا صح اعتمر فحل من إحرامه، ثم عليه حج قابل ويهدي ما استيسر من الهدي ‏"‏‏.‏


قال مالك‏:‏ وعلى هذا الأمر عندنا فيمن أحصر بغير عدو، وقد أمر عمر بن الخطاب أبا أيوب الأنصاري، وهبار بن الأسود حين فاتهما الحج وأتيا يوم النحر أن يحلا بعمرة ثم يرجعا حلالاً، ثم يحجان عامًا قابلاً ويهديان، فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله‏.‏


ومن ذلك ما رواه مالك في ‏"‏الموطأ‏"‏، والبيهقي أيضًا عن عائشة رضي اللَّه عنها أنها كانت تقول‏:‏ ‏"‏المحرم لا يحله إلا البيت‏"‏ والظاهر أنها تعني غير المحصر بعدو، كما جزم به الزرقاني في ‏"‏شرح الموطأ‏"‏، هذا هو حاصل أدلة القول بأن المراد بالإحصار في الآية هو ما كان من خصوص العدو دون ما كان من مرض ونحوه‏.‏


القول الثاني‏:‏ في المراد بالإحصار أنه يشمل ما كان من عدو ونحوه، وما كان من مرض ونحوه، من جميع العوائق المانعة من الوصول إلى الحرم‏.‏ وممن قال بهذا القول ابن مسعود، ومجاهد، وعطاء، وقتادة، وعروة بن الزبير، وإبراهيم النخعي، وعلقمة، والثوري، والحسن، وأبو ثور، وداود وهو مذهب أبي حنيفة‏.‏ وحجة هذا القول من جهة شموله لإحصار العدوّ قد تقدمت في حجة الذي قبله‏.‏


وأما من جهة شموله للإحصار بمرض فهي ما رواه الإمام أحمد وأصحاب السنن الأربعة، وابن خزيمة، والحاكم، والبيهقي عن عكرمة، عن الحجاج بن عمرو الأنصاري رضي اللَّه عنه قال‏:‏ سمعت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، يقول‏:‏ ‏"‏من كسر أو عرج فقد حلّ وعليه حجّة أخرى‏"‏ فذكرت ذلك لابن عباس وأبي هريرة فقالا‏:‏ صدق‏.‏


وفي رواية لأبي داود وابن ماجه‏:‏ ‏"‏من عرج، أو كسر، أو مرض‏"‏، فذكر معناه‏.‏


وفي رواية ذكرها أحمد في رواية المروزي‏:‏ ‏"‏من حبس بكسر أو مرض‏"‏، هذا الحديث سكت عليه أبو داود، والمنذري، وحسنه الترمذي‏.‏


وقال النووي في ‏"‏شرح المهذب‏"‏، بعد أن ساق حديث عكرمة هذا رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه والبيهقي وغيرهم بأسانيد صحيحة، وبهذا تعلم قوة حجة أهل هذا القول، ورد المخالفون الاحتجاج بحديث عكرمة هذا من وجهين‏:‏


الأول‏:‏ ما ذكره البيهقي في ‏"‏السنن الكبرى‏"‏، قال‏:‏ وقد حمله بعض أهل العلم إن صح على أنه يحل بعد فواته بما يحل به من يفوته الحج بغير مرض‏.‏ فقد روينا عن ابن عباس ثابتًا عنه، قال‏:‏ لا حصر إلا حصر عدوّ واللَّه أعلم‏.‏ انتهى منه بلفظه‏.‏

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
الهدى

avatar

عدد المساهمات : 326
التميز : 1
تاريخ التسجيل : 14/10/2009

مُساهمةموضوع: تفسير اضواء البيان فى ايضاح القران بالقران   الإثنين يناير 11, 2010 4:16 am

الوجه الثاني‏:‏ هو حمل حلّه المذكور في الحديث على ما إذا اشترط في إحرامه أنه يحلّ حيث حبسه اللَّه بالعذر، والتحقيق‏:‏ جواز الاشتراط في الحج بأن يحرم ويشترط أن محله حيث حبسه اللَّه، ولا عبرة بقول من منع الاشتراط؛ لثبوته عن النبيّ صلى الله عليه وسلم‏.‏

فقد أخرج الشيخان عن عائشة رضي اللَّه عنها أنها قالت‏:‏ دخل رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم على ضباعة بنت الزبير‏.‏ فقال لها‏:‏ ‏"‏لعلك أردت الحجّ‏؟‏‏"‏ قالت‏:‏ واللَّه ما أجدني إلا وجعة‏.‏ فقال لها‏:‏ ‏"‏حجّي واشترطي، وقولي‏:‏ اللهمّ محلّي حيث حبستني‏"‏‏.‏ وكانت تحت المقداد بن الأسود‏.‏

وقد أخرج مسلم في ‏"‏صحيحه‏"‏، وأحمد وأصحاب السنن الأربعة عن ابن عباس رضي اللَّه عنهما‏:‏

أن ضباعة بنت الزبير قالت‏:‏ يا رسول اللَّه إني امرأة ثقيلة، وإني أريد الحج فكيف تأمرني أأهل ‏؟‏ قال‏:‏ ‏"‏أهلي واشترطي أن محلي حيث حبستني‏"‏، قال‏:‏ فأدركت‏.‏

وللنسائي في رواية‏:‏ وقال‏:‏ ‏"‏فإن لك على ربك ما استثنيت ‏"‏‏.‏

القول الثالث‏:‏ في المراد بالإحصار أنه ما كان من المرض ونحوه خاصة، دون ما كان من العدو‏.‏

وقد قدمنا أنه المنقول عن أكثر أهل اللغة، وإنما جاز التحلل من إحصار العدوّ عند من قال بهذا القول؛ لأنه من إلغاء الفارق وأخذ حكم المسكوت عنه من المنطوق به، فإحصار العدوّ عندهم ملحق بإحصار المرض بنفي الفارق‏.‏

ولا يخفى سقوط هذا القول لما قدمنا من أن الآية الكريمة نزلت في إحصار العدو عام الحديبية، وأن صورة سبب النزول قطعية الدخول، كما عليه الجمهور وهو الحق‏.‏

قال مقيده عفا اللَّه عنه‏:‏ الذي يظهر لنا رجحانه بالدليل من الأقوال المذكورة هو ما ذهب إليه مالك والشافعي وأحمد في أشهر الروايتين عنه أن المراد بالإحصار في الآية إحصار العدوّ، وأن من أصابه مرض أو نحوه لا يحلّ إلا بعمرة؛ لأن هذا هو الذي نزلت فيه الآية ودل عليه قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَإِذَا أَمِنتُمْ‏}‏‏.‏

ولا سيّما على قول من قال من العلماء‏:‏ إن الرخصة لا تتعدى محلها، وهو قول جماعة من أهل العلم‏.‏

وأما حديث عكرمة الذي رواه عن الحجاج بن عمرو وابن عباس وأبي هريرة رضي اللَّه عنهم، فلا تنهض به حجة؛ لتعين حمله على ما إذا اشترط ذلك عند الإحرام؛ بدليل ما قدمنا من حديث عائشة عند الشيخين، وحديث ابن عباس عند مسلم، وأصحاب السنن، وغيرهم من أنه صلى الله عليه وسلم قال لضباعة بنت الزبير بن عبد المطّلب‏:‏ ‏"‏حجّي واشترطي‏"‏ ولو كان التحلل جائزًا دون شرط كما يفهم من حديث الحجاج بن عمرو لما كان للاشتراط فائدة، وحديث عائشة وابن عباس بالاشتراط أصح من حديث عكرمة عن الحجاج بن عمرو، والجمع بين الأدلة واجب إذا أمكن، وإليه أشار في ‏"‏مراقي السعود‏"‏، بقوله‏:‏ والجمع واجب متى ما أمكنا إلا فللأخير نسخ بينا


وهو ممكن في الحديثين بحمل حديث الحجاج بن عمرو على ما إذا اشترط ذلك في الإحرام، فيتفق مع الحديثين الثابتين في الصحيح، فإن قيل‏:‏ يمكن الجمع بين الأحاديث بغير هذا، وهو حمل أحاديث الاشتراط على أنه يحلّ من غير أن تلزمه حجّة أخرى، وحمل حديث عكرمة عن الحجاج بن عمرو وغيره على أنه يحل، وعليه حجة أخرى، ويدلّ لهذا الجمع أن أحاديث الاشتراط ليس فيها ذكر حجّة أخرى‏.‏

وحديث الحجاج بن عمرو، قال فيه النبيّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏فقد حلّ وعليه حجّة أخرى‏"‏‏.‏

فالجواب أن وجوب البدل بحجة أخرى أو عمرة أخرى لو كان يلزم، لأمر النبيّ صلى الله عليه وسلم أصحابه أن يقضوا عمرتهم التي صدهم عنها المشركون‏.‏

قال البخاري في ‏"‏صحيحه‏"‏، في باب ‏"‏من قال ليس على المحصر بدل‏"‏ ما نصّه‏:‏ وقال مالك وغيره ينحر هديه ويحلق في أي موضع كان، ولا قضاء عليه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه بالحديبية نحروا وحلقوا، وحلوا من كل شىء قبل الطواف، وقبل أن يصل الهدي إلى البيت، ثم لم يذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أحدًا أن يقضوا شيئًا، ولا يعودوا له، والحديبية خارج من الحرم‏.‏ انتهى منه بلفظه‏.‏

وقد قال مالك في ‏"‏الموطأ‏"‏، إنه بلغه أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم حل هو وأصحابه بالحديبية، فنحروا الهدي، وحلقوا رءوسهم، وحلوا من كل شىء قبل أن يطوفوا بالبيت، وقبل أن يصل إليه الهدي،

ثم لم يعلم أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أمر أحدًا من أصحابه ولا ممن كان معه أن يقضوا شيئًا، ولا يعودوا لشىء‏.‏ انتهى بلفظه من ‏(‏الموطأ‏)‏‏.‏ ولا يعارض ما ذكرنا بما رواه الواقدي في المغازي من طريق الزهري ومن طريق أبي معشر وغيرهما، قالوا‏:‏ أمر رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أصحابه أن يعتمروا فلم يتخلف منهم إلا من قتل بخيبر، أو مات، وخرج معه جماعة معتمرين ممن لم يشهدوا الحديبية، وكانت عدتهم ألفين؛ لأن الشافعي رحمه اللَّه، قال‏:‏ والذي أعقله في أخبار أهل المغازي شبيه بما ذكرت؛ لأنا علمنا من متواطىء أحاديثهم أنه كان معه عام الحديبية رجال معروفون، ثم اعتمر عمرة القضية، فتخلف بعضهم بالمدينة من غير ضرورة في نفس ولا مال اهـ‏.‏

فهذا الشافعي رحمه اللَّه جزم بأنهم تخلف منهم رجال معروفون من غير ضرورة، في نفس، ولا مال‏.‏ وقد تقرر في الأصول أن المثبت مقدّم على النافي‏.‏

وقال ابن حجر في ‏"‏الفتح‏"‏‏:‏ ويمكن الجمع بين هذا إن صح، وبين الذي قبله، بأن الأمر كان على طريق الاستحباب؛ لأن الشافعي جازم بأن جماعة تخلفوا بغير عذر‏.‏

وقال الشافعي في عمرة القضاء‏:‏ إنما سميت عمرة القضاء والقضية للمقاضاة التي وقعت بين النبيّ صلى الله عليه وسلم وبين قريش، لا على أنهم وجب عليهم قضاء تلك العمرة اهـ‏.‏

وروى الواقدي نحو هذا من حديث ابن عمر قاله ابن حجر‏.‏

وقال البخاري في ‏"‏صحيحه‏"‏ في الباب المذكور، ما نصه‏:‏ ‏"‏ وقال روح عن شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس رضي اللَّه عنهما، إنما البدل على من نقض حجه بالتلذذ، فأما من حبسه عذر أو غير ذلك فإنه يحل ولا يرجع‏"‏‏.‏ انتهى محل الغرض منه بلفظه‏.‏

وقد ورد عن ابن عباس نحو هذا بإسناد آخر أخرجه ابن جرير من طريق علي بن أبي طلحة عنه، وفيه‏:‏ فإن كانت حجة الإسلام فعليه قضاؤها، وإن كانت غير الفريضة فلا قضاء عليه اهـ‏.‏ فإذا علمت هذا وعلمت أن ابن عباس رضي اللَّه عنهما ممن روي عنه عكرمة الحديث الذي روي عن الحجاج بن عمرو وأن راوي الحديث من أعلم الناس به، ولا سيّما إن كان ابن عباس الذي دعا له النبيّ صلى الله عليه وسلم أن يعلمه التأويل، وهو مصرح بأن معنى قوله صلى الله عليه وسلم في حديث الحجاج بن عمرو وعليه حجة أخرى، محلّه فيما إذا كانت عليه حجة الإسلام، تعلم أن الجمع الأول الذي ذكرنا هو المتعين، واختاره النووي وغيره من علماء الشافعية، وأن الجمع الأخير لا يصح؛ لتعين حمل الحجة المذكورة على حجة الإسلام اهـ‏.‏

وأما على قول من قال إنه لا إحصار إلا بالعدو خاصة وأن المحصر بمرض لا يحلّ حتى يبرأ ويطوف بالبيت، وبالصفا والمروة، ثم يحلّ من كل شىء حتى يحجّ عامًا قابلاً، فيهدي أو يصوم، إن لم يجد هديًا كما ثبت في ‏"‏صحيح البخاري‏"‏، من حديث ابن عمر كما تقدم‏.‏

فهو من حيث أن المريض عندهم غير محصر، فهو كمن أحرم وفاته وقوف عرفة، يطوف ويسعى ويحج من قابل ويهدي، أو يصوم إن لم يجد هديًا اهـ‏.‏

وفي المسألة قول رابع‏:‏ وهو أنه لا إحصار بعد النبيّ صلى الله عليه وسلم بعذر كائنًا ما كان وهو ضعيف جدًا، ولا معول عليه عند العلماء؛ لأن حكم الإحصار منصوص عليه في القرءان والسنة ولم يرد فيه نسخ، فادعاء دفعه بلا دليل واضح السقوط كما ترى، هذا هو خلاصة البحث في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ‏}‏‏.‏

وأما قوله‏:‏ ‏{‏فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ‏}‏، فجمهور العلماء على أن المراد به شاة فما فوقها، وهو مذهب الأئمة الأربعة، وبه قال علي بن أبي طالب رضي اللَّه عنه، ورواه سعيد بن جبير عن ابن عباس، وبه قال طاوس، وعطاء، ومجاهد، وأبو العالية، ومحمد بن علي بن الحسين، وعبد الرحمان بن القاسم، والشعبي، والنخعي، والحسن، وقتادة، والضحاك، ومقاتل بن حيان، وغيرهم، كما نقله عنهم ابن كثير وغيره‏.‏

وقال جماعة من أهل العلم‏:‏ إن المراد بما استيسر من الهدي إنما هو الإبل والبقر دون الغنم، وهذا القول مروي عن عائشة، وابن عمر، وسالم، والقاسم، وعروة بن الزبير، وسعيد بن جبير، وغيرهم‏.‏

قال ابن كثير‏:‏ والظاهر أن مستند هؤلاء فيما ذهبوا إليه قصة الحديبية، فإنه لم ينقل عن أحد منهم أنه ذبح في تحلله ذلك شاة، وإنما ذبحوا الإبل والبقر‏.‏

ففي الصحيحين عن جابر قال‏:‏ ‏"‏أمرنا رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أن نشترك في الإبل والبقر كل سبعة منا في بقرة‏"‏‏.‏

قال مقيده ــ عفا اللَّه عنه ــ‏:‏ لا يخفى أن التحقيق في هذه المسألة‏:‏ أن المراد بما استيسر من الهدي ما تيسر مما يسمى هديًا، وذلك شامل لجميع الأنعام‏:‏ من إبل، وبقر، وغنم، فإن تيسرت شاة أجزأت، والناقة والبقرة أولى بالإجزاء‏.‏

وقد ثبت في ‏"‏الصحيحين‏"‏، عن عائشة رضي اللَّه عنها قالت‏:‏ ‏"‏أهدى صلى الله عليه وسلم مرة غنمًا‏"‏‏.‏

فروع تتعلق بهذه المسألة

الفرع الأول‏:‏ إذا كان مع المحصر هدي لزمه نحره إجماعًا، وجمهور العلماء على أنه ينحره في المحل الذي حصر فيه، حلاً كان أو حرمًا، وقد نحر صلى الله عليه وسلم هو وأصحابه بالحديبية، وجزم الشافعي وغيره بأن الموضع الذي نحروا فيه من الحديبية من الحلّ لا من الحرم، واستدل لذلك بدليل واضح من القرءان وهو قوله تعالى‏:‏ ‏{‏هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَن يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَلَوْلا رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَاء مُّؤْمِنَاتٌ لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ أَن تَطَؤُوهُمْ فَتُصِيبَكُم مِّنْهُم مَّعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَن يَشَاء لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا‏}‏، فهو نصّ صريح في أن ذلك الهدي لم يبلغ محله، ولو كان في الحرم لكان بالغًا محله، وروى يعقوب بن سفيان من طريق مجمع بن يعقوب عن أبيه، قال‏:‏ ‏"‏لما حبس رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وأصحابه نحروا بالحديبية، وبعث اللَّه ريحًا فحملت شعورهم فألقتها في الحرم‏"‏، وعقده أحمد البدوي الشنقيطي في نظمه للمغازي في غزوة الحديبية بقوله‏:‏

ونحروا وحلقوا وحملت ** شعورهم للبيت ريح قد غلت

قال ابن عبد البرّ في ‏"‏الاستذكار‏"‏‏:‏ فهذا يدلّ على أنهم نحروا في الحلّ، وتعقبه ابن حجر في ‏"‏فتح الباري‏"‏‏:‏ بأنه يمكن أن يكونوا أرسلوا هديهم مع من ينحره في الحرم، قال‏:‏ وقد ورد في ذلك حديث ابن جندب ابن جندب الأسلمي قال‏:‏ قلت‏:‏ يا رسول اللَّه، ابعث معي الهدي حتى أنحره في الحرم‏.‏ أخرجه النسائي من طريق إسرائيل عن مجزأة بن زاهر، عن ناجية، وأخرجه الطحاوي من وجه آخر عن إسرائيل، لكن قال عن ناجية عن أبيه‏:‏ لكن لا يلزم من وقوع هذا وجوبه، بل ظاهر القصة أن أكثرهم نحر في مكانه وكانوا في الحلّ وذلك دالّ على الجواز واللَّه أعلم، انتهى كلام ابن حجر‏.‏ وخالف في هذه المسألة أبو حنيفة رحمه اللَّه الجمهور، وقال‏:‏ لا ينحر المحصر هديه إلا في الحرم، فيلزمه أن يبعث به إلى الحرم، فإذا بلغ الهدي محله حلّ، وقال‏:‏ إن الموضع الذي نحر فيه النبيّ صلى الله عليه وسلم وأصحابه من الحديبية من طرف الحرم، واستدل بقوله بعد هذه الآية‏:‏ ‏{‏وَلاَ تَحْلِقُواْ رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ‏}‏، ورد هذا الاستدلال بما قدّمنا من أنه نحر في الحل‏.‏ وأن القرءان دلّ على ذلك، وأن قوله‏:‏ ‏{‏وَلاَ تَحْلِقُواْ رُؤُوسَكُمْ‏}‏، معطوف على قوله‏:‏ ‏{‏وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ‏}‏، لا على قوله‏:‏ ‏{‏فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ‏}‏، أو أن المراد بمحله المحل الذي يجوز نحره فيه وذلك بالنسبة إلى المحصر حيث أحصر ولو كان في الحل‏.‏

قال مقيده عفا اللَّه عنه‏:‏ التحقيق في هذه المسألة هو التفصيل الذي ذهب إليه ابن عباس رضي اللَّه عنهما، وهو أنه إن استطاع إرسال الهدي إلى الحرم أرسله ولا يحلّ حتى يبلغ الهدي محله، إذ لا وجه لنحر الهدي في الحلّ مع تيسر الحرم، وإن كان لا يستطيع إرساله إلى الحرم نحره في المكان الذي أحصر فيه من الحل‏.‏

قال البخاري في ‏(‏صحيحه‏)‏، في ‏"‏ باب من قال ليس على المحصر بدل ‏"‏ ما نصّه‏:‏

وقال روح عن شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس، رضي اللَّه عنهما‏:‏ ‏"‏إنما البدل على من نقض حجه بالتلذذ، فأمّا من حبسه عذر أو غير ذلك فإنه يحل ولا يرجع‏"‏‏.‏ وإن كان معه هدي وهو محصر نحره إن كان لا يستطيع أن يبعث به، وإن استطاع أن يبعث به لم يحل حتى يبلغ الهدي محله اهـ، محل الغرض منه بلفظه ولا ينبغي العدول عنه؛ لظهور وجهه كما ترى‏.‏

الفرع الثاني‏:‏ إذا لم يكن مع المحصر هدي فهل عليه أن يشتري الهدي ولا يحل حتى يهدي، أو له أن يحل بدون هدي ‏؟‏ ذهب جمهور العلماء إلى أن الهدي واجب عليه لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ‏}‏، فلا يجوز له التحلل بدونه إن قدر عليه، ووافق الجمهور أشهب من أصحاب مالك، وخالف مالك وابن القاسم الجمهور في هذه المسألة، فقالا لا هدي على المحصر إن لم يكن ساقه معه قبل الإحصار‏.‏

وحجة الجمهور واضحة وهي قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْىِ‏}‏، فتعليقه ما استيسر من الهدي على الإحصار تعليق الجزاء على شرطه، يدل على لزوم الهدي بالإحصار لمن أراد التحلل به، دلالة واضحة كما ترى، فإن عجز المحصر عن الهدي فهل يلزمه بدل عنه أو لا ‏؟‏‏.‏

قال بعض العلماء‏:‏ لا بدل إن عجز عنه، وممن قال لا بدل لهدي المحصر أبو حنيفة رحمه اللَّه، فإن المحصر عنده إذا لم يجد هديًا يبقى محرمًا حتى يجد هديًا، أو يطوف بالبيت‏.‏

وقال بعض من قال بأنه لا بدل له، إن لم يجد هديًا حل بدونه، وإن تيسر له بعد ذلك هدي أهداه‏.‏

وقال جماعة إن لم يجد الهدي فله بدل، واختلف أهل هذا القول في بدل الهدي‏.‏

فقال بعضهم‏:‏ هو صوم عشرة أيام قياسًا على من عجز عما استيسر من الهدي في التمتع، وإلى هذا ذهب الإمام أحمد، وهو إحدى الروايات عن الشافعي، وأصح الروايات عند الشافعية في بدل هدي المحصر أنه بالإطعام، نصّ عليه الشافعي في ‏"‏كتاب الأوسط‏"‏، فتقوم الشاة ويتصدق بقيمتها طعامًا، فإن عجز صام عن كل مدّ يومًا، وقيل إطعام كإطعام فدية الأذى وهو ثلاثة آصع لستة مساكين، وقيل‏:‏ بدله صوم ثلاثة أيام، وقيل بدله صوم بالتعديل، تقوم الشاة ويعرف قدر ما تساوي قيمتها من الأمداد، فيصوم عن كل يوم مدًّا، وليس على شىء من هذه الأقوال دليل واضح، وأقربها قياسه على التمتع واللَّه تعالى أَعلم‏.‏

الفرع الثالث‏:‏ هل يلزم المحصر إذا أراد التحلل حلق أو تقصير أو لا يلزمه شىء من ذلك ‏؟‏

اختلف العلماء في هذا فذهب الإمام أبو حنيفة رحمه اللَّه ومحمد إلى أنه لا حلق عليه ولا تقصير، وهو إحدى الروايتين عن الإمام أحمد، وهو ظاهر كلام الخرقي، واحتج أهل هذا القول بأن اللَّه قال‏:‏ ‏{‏فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ‏}‏، ولم يذكر الحلق ولو كان لازمًا لبيّنه، واحتجّ أبو حنيفة ومحمد لعدم لزوم الحلق، بأن الحلق لم يعرف كونه نسكًا إلا بعد أداء الأفعال، وقبله جناية، فلا يؤمر به، ولهذا العبد والمرأة إذا منعهما السيد والزوج لا يؤمران بالحلق إجماعًا‏.‏

وعن الشافعي في حلق المحصر روايتان مبنيتان على الخلاف في الحلق، هل هو نسك أو إطلاق من محظور‏؟‏ وذهب جماعة من أهل العلم منهم مالك وأصحابه‏:‏ إلى أن المحصر عليه أن يحلق‏.‏

قال مقيدة عفا اللَّه عنه‏:‏ الذي يظهر لنا رجحانه بالدليل‏:‏ هو ما ذهب إليه مالك وأصحابه من لزوم الحلق، لقوله تعالى ‏{‏وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلاَ تَحْلِقُواْ رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا أَمِنتُمْ فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُواْ اللَّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ‏}‏‏.‏

ولما ثبت في الأحاديث الصحيحة عنه صلى الله عليه وسلم، أنه حلق لما صده المشركون عام الحديبية وهو محرم، وأمر أصحابه أن يحلقوا وقال‏:‏ ‏"‏ اللهم ارحم المحلقين ‏"‏، قالوا‏:‏ والمقصرين يا رسول اللَّه ‏؟‏ قال‏:‏ ‏"‏اللهم ارحم المحلقين‏"‏، قالوا‏:‏ والمقصرين يا رسول اللَّه ‏؟‏ قال‏:‏ ‏"‏والمقصرين ‏"‏‏.‏

فهذه أدلة واضحة على عدم سقوط الحلق عن المحصر، وقياس من قال بعدم اللزوم، الحلق على غيره من أفعال النسك، التي صدّ عنها، ظاهر السقوط لأن الطواف بالبيت، والسعي بين الصفا والمروة مثلاً، كل ذلك منع منه المحصر وصدّ عنه، فسقط عنه؛ لأنه حيل بينه وبينه، ومنع منه‏.‏

وأما الحلاق فلم يحلّ بينه وبينه وهو قادر على أن يفعله؛ فلا وجه لسقوطه، ولا شك أن الذي تدل نصوص الشرع على رجحانه، أن الحلاق نسك على من أتم نسكه، وعلى من فاته الحج وعلى المحصر بعدو، وعلى المحصر بمرض‏.‏

وعلى القول الصحيح من أن الحلاق نسك، فالمحصر يتحلل بثلاثة أشياء‏:‏ وهي النية، وذبح الهدي، والحلاق‏.‏ وعلى القول بأن الحلق ليس بنسك يتحلل بالنية والذبح‏.‏

الفرع الرابع‏:‏ قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نحر قبل أن يحلق في عمرة الحديبية، وفي حجة الوداع، ودلّ القرءان على أن النحر قبل الحلق في موضعين‏:‏

أحدهما‏:‏ قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلاَ تَحْلِقُواْ رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ‏}‏‏.‏

والثاني‏:‏ قوله تعالى في سورة ‏"‏الحج‏"‏‏:‏ ‏{‏لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ‏}‏‏.‏

فالمراد بقوله‏:‏ ‏{‏لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُم‏}‏، ذكر اسمه تعالى عند نحر البدن إجماعًا، وقد قال تعالى بعده عاطفًا بثم التي هي للترتيب ‏{‏ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ‏}‏‏.‏ وقضاء التفث يدخل فيه بلا نزاع إزالة الشعر بالحلق، فهو نص صريح في الأمر بتقديم النحر على الحلق، ومن إطلاق التفث على الشعر ونحوه، قول أمية بن أبي الصلت‏:‏ حفّوا رؤوسهم لم يحلقوا تفثًا ** ولم يسلّو لهم قملاً وصئبانا


وروى بعضهم بيت أمية المذكور هكذا‏:‏ ساخين آباطهم لم يقذفوا تفثًا ** وينزعوا عنهم قملاً وصئبانا


ومنه قول الآخر‏:‏ قضوا تفثًا ونحبًا ثم ساروا إلى نجد وما انتظروا عليا


فهذه النصوص تدل دلالة لا لبس فيها، على أن الحلق بعد النحر‏.‏ ولكن إذا عكس الحاج أو المعتمر فحلق قبل أن ينحر، فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في حجّة الوداع أن ذلك لا حرج فيه، والتعبير بنفي الحرج يدل بعمومه على سقوط الإثم والدم معًا، وقيل فيمن حلق قبل أن ينحر محصرًا كان أو غيره، إنه عليه دم، فقد روى ابن أبي شيبة من طريق الأعمش عن إبراهيم عن علقمة، قال عليه دم‏.‏
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
الهدى

avatar

عدد المساهمات : 326
التميز : 1
تاريخ التسجيل : 14/10/2009

مُساهمةموضوع: تفسير اضواء البيان فى ايضاح القران بالقران   الإثنين يناير 11, 2010 4:18 am


قال إبراهيم وحدّثني سعيد بن جبير عن ابن عباس مثله‏.‏ ذكره في المحصر‏.‏

قال الشوكاني في ‏"‏نيل الأوطار‏"‏‏:‏ والظاهر عدم وجوب الدم؛ لعدم الدليل‏.‏

قال مقيده عفا اللَّه عنه‏:‏ الظاهر‏:‏ أن الدليل عند من قال بذلك هو الأحاديث الواردة بأنه صلى الله عليه وسلم، لمّا صده المشركون عام الحديبية نحر قبل الحلق وأمر أصحابه بذلك، فمن ذلك ما رواه أحمد والبخاري وأبو داود عن المسور، ومروان في حديث عمرة الحديبية والصلح أن النبيّ صلى الله عليه وسلم لما فرغ من قضية الكتاب قال لأصحابه‏:‏ ‏"‏قوموا فانحروا ثم احلقوا‏"‏‏.‏

وللبخاري عن المسور أن النبيّ صلى الله عليه وسلم نحر قبل أن يحلق، وأمر أصحابه بذلك اهـ‏.‏ فدلّ فعله وأمره على أن ذلك هو اللازم للمحصر ومن قدّم الحلق على النحر فقد عكس ما أمر به النبيّ صلى الله عليه وسلم، ومن أخلّ بنسك فعليه دم‏.‏

قال مقيده عفا اللَّه عنه‏:‏ الذي تدلّ عليه نصوص السنة الصحيحة أن النحر مقدّم على الحلق، ولكن من حلق قبل أن ينحر فلا حرج عليه من إثم ولا دم، فمن ذلك ما أخرجه الشيخان في ‏"‏صحيحيهما‏"‏، عن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص أن النبيّ صلى الله عليه وسلم أجاب من سأله، بأنه ظن الحلق قبل النحر فنحر قبل أن يحلق، بأن قال له‏:‏ ‏"‏افعل ولا حرج‏"‏‏.‏

ومن ذلك ما أخرجه الشيخان في ‏"‏صحيحيهما‏"‏، أيضًا عن ابن عباس أن النبيّ صلى الله عليه وسلم، قيل له في الذبح والحلق والرمي والتقديم والتأخير فقال‏:‏ ‏"‏لا حرج‏"‏‏.‏

وفي رواية للبخاري، وأبي داود، والنسائي، وابن ماجه سأله رجل فقال‏:‏ حلقت قبل أن أذبح، قال‏:‏ ‏"‏اذبح ولا حرج‏"‏، وقال‏:‏ رميت بعد ما أمسيت، فقال‏:‏ ‏"‏افعل ولا حرج‏"‏‏.‏

وفي رواية للبخاري، قال رجل للنبيّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ زرت قبل أن أرمي، قال‏:‏ ‏"‏لا حرج ‏"‏، قال‏:‏ حلقت قبل أن أذبح، قال‏:‏ ‏"‏لا حرج‏"‏، والأحاديث بمثل هذا كثيرة‏.‏ وهي تدل دلالة لا لبس فيها على أن من حلق قبل أن ينحر لا شىء عليه من إثم ولا فدية؛ لأن قوله‏:‏ ‏"‏لا حرج‏"‏، نكرة في سياق النفي ركبت مع لا فبنيت على الفتح‏.‏ والنكرة إذا كانت كذلك فهي نصّ صريح في العموم، فالأحاديث إذن نصّ صريح في عموم النفي لجميع أنواع الحرج من إثم وفدية‏.‏ واللَّه تعالى أعلم‏.‏

ولا يتضح حمل الأحاديث المذكورة على من قدم الحلق جاهلاً، أو ناسيًا، وإن كان سياق حديث عبد اللَّه بن عمرو المتفق عليه يدلّ على أن السائل جاهل؛ لأن بعض تلك الأحاديث الواردة في الصحيح ليس فيها ذكر النسيان ولا الجهل، فيجب استصحاب عمومها حتى يدل دليل على التخصيص بالنسيان والجهل، وقد تقرر أيضًا في علم الأصول أن جواب المسؤول لمن سأله لا يعتبر فيه مفهوم المخالفة؛ لأن تخصيص المنطوط بالذكر لمطابقة الجواب للسؤال، فلم يتعين كونه لإخراج المفهوم عن حكم المنطوق، وقد أشار له في ‏"‏مراقي السعود‏"‏، في مبحث موانع اعتبار مفهوم المخالفة بقوله عاطفًا على ما يمنع اعتباره‏:‏ أو جهل الحكم أو النطق انجلب للسؤل أو جرى على الذي غلب

كما يأتي بيانه في الكلام على قوله تعالى‏:‏ ‏{‏الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ‏}‏‏.‏ وبه تعلم أن وصف عدم الشعور الوارد في السؤال لا مفهوم له‏.‏

وقال الشوكاني في نيل الأوطار‏:‏ وتعليق سؤال بعضهم بعدم الشعور لا يستلزم سؤال غيره به حتى يقال‏:‏ إنه يختص الحكم بحالة عدم الشعور، ولا يجوز اطراحها بإلحاق العمد بها‏.‏

ولهذا يعلم أن التعويل في التخصيص على وصف عدم الشعور المذكور في سؤال بعض السائلين غير مفيد للمطلوب، انتهى محل الغرض منه بلفظه‏.‏

‏{‏لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُواْ اللَّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِن كُنتُم مِّن قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّآلِّينَ‏}‏

، لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ لم يبيّن هنا ما هذا الفضل الذي لا جناح في ابتغائه أثناء الحج‏.‏

وأشار في آيات أُخر إلى أنه ربح التجارة كقوله‏:‏ ‏{‏إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِن ثُلُثَيِ اللَّيْلِ‏}‏؛ لأن الضرب في الأرض عبارة عن السفر للتجارة، فمعنى الآية يسافرون يطلبون ربح التجارة‏.‏ وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ‏}‏، أي‏:‏ بالبيع والتجارة، بدليل قوله قبله‏:‏ ‏{‏وَذَرُوا الْبَيْعَ‏}‏، أي‏:‏ فإذا انقضت صلاة الجمعة فاطلبوا الربح الذي كان محرمًا عليكم عند النداء لها‏.‏

وقد قدّمنا في ترجمة هذا الكتاب أن غلبة إرادة المعنى المعين في القرءان تدلّ على أنه المراد؛ لأن الحمل على الغالب أولى، ولا خلاف بين العلماء في أن المراد بالفضل المذكور في الآية ربح التجارة، كما ذكرنا قوله تعالى

‏:‏ ‏{‏ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُواْ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُواْ اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا فَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ وِمِنْهُم مَّن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّمَّا كَسَبُواْ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ وَاذْكُرُواْ اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُواْ اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الفَسَادَ وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ ادْخُلُواْ فِي السِّلْمِ كَآفَّةً وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ فَإِن زَلَلْتُمْ مِّن بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ وَالْمَلآئِكَةُ وَقُضِيَ الأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الامُورُ سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُم مِّنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ وَمَن يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ‏}‏،

ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُلم يبيّن هنا المكان المأمور بالإفاضة منه المعبر عنه بلفظة ‏{‏حَيْثُ‏}‏، التي هي كلمة تدل على المكان، كما تدل حين على الزمان‏.‏

ولكنه يبيّن ذلك بقوله‏:‏ ‏{‏لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُواْ اللَّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِن كُنتُم مِّن قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّآلِّينَ‏}‏‏.‏ وسبب نزولها أن قريشًا كانوا يقفون يوم عرفة بالمزدلفة، ويقولون‏:‏ نحن قطان بيت اللَّه، ولا ينبغي لنا أن نخرج من الحرم؛ لأن عرفات خارج عن الحرم وعامة الناس يقفون بعرفات، فأمر اللَّه النبيّ صلى الله عليه وسلم، والمسلمين، أن يفيضوا من حيث أفاض الناس، وهو عرفات، لا من المزدلفة كفعل قريش‏.‏

وهذا هو مذهب جماهير العلماء، وحكى ابن جرير عليه الإجماع، وعليه فلفظة ثم للترتيب الذكري بمعنى عطف جملة على جملة، وترتيبها عليها في مطلق الذكر، ونظيره قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَكُّ رَقَبَةٍ أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ‏}‏‏.‏

وقول الشاعر‏:‏ إن من ساد ثم ساد أبوه ثم قد ساد قبل ذلك جده


وقال بعض العلماء المراد بقوله‏:‏ ‏{‏ثُمَّ أَفِيضُواْ‏}‏ الآية،

أي‏:‏ من مزدلفة إلى منى، وعليه فالمراد بالناس إبراهيم‏.‏

قال ابن جرير في هذا القول‏:‏ ولولا إجماع الحجة على خلافه لكان هو الأرجح‏.‏

‏{‏زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ اتَّقَواْ فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ‏}‏، لم يبيّن هنا سخرية هؤلاء الكفار من هؤلاء المؤمنين ولكنه بيّن في موضع آخر أنها الضحك منهم والتغامز وهو قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُواْ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ وَإِذَا مَرُّواْ بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ‏}‏‏.‏

‏{‏زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ اتَّقَواْ فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ لِمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَن يَشَاء إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء وَزُلْزِلُواْ حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلْ مَا أَنفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىَ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُواْ وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمةََ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لأعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ وَلاَ تَنكِحُواْ الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلاَ تُنكِحُواْ الْمُشِرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُواْ وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُوْلَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُوَ إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُواْ النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُواْ لأَنفُسِكُمْ وَاتَّقُواْ اللَّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّكُم مُّلاَقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ وَلاَ تَجْعَلُواْ اللَّهَ عُرْضَةً لِّأَيْمَانِكُمْ أَن تَبَرُّواْ وَتَتَّقُواْ وَتُصْلِحُواْ بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ‏}‏، وَالَّذِينَ اتَّقَواْ فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَـامَةِ لم يبين هنا فوقية هؤلاء المؤمنين على هؤلاء الكفرة، ولكنه بين ذلك في مواضع أُخر كقوله‏:‏ ‏{‏فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُواْ مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ عَلَى الأَرَائِكِ يَنظُرُونَ هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ‏}‏‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏أَهَؤُلاء الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لاَ يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُواْ الْجَنَّةَ لاَ خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلاَ أَنتُمْ تَحْزَنُونَ‏}‏‏.‏

‏{‏كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىَ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُواْ وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمةََ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ‏}‏، وَعَسَىا أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ لم يصف هذا الخير هنا بالكثرة وقد وصفه بها في قوله‏:‏ ‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ النِّسَاء كَرْهًا وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا‏}‏‏.‏

‏{‏وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىَ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُواْ وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ‏}‏، لم يبيّن هنا هل استطاعوا ذلك أو لا ‏؟‏ ولكنه بيّن في موضع آخر أنهم لم يستطيعوا، وأنهم حصل لهم اليأس من ردّ المؤمنين عن دينهم، وهو قوله تعالى‏:‏ ‏{‏الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ‏}‏‏.‏ وبيّن في مواضع أُخر أنه مظهر دين الإسلام على كل دين كقوله في ‏"‏براءة‏"‏، و ‏"‏الصف‏"‏، و‏"‏الفتح‏"‏، ‏{‏هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ‏}‏‏.‏

‏{‏يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لأعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ‏}‏

قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ لم يبيّن هنا ما هذا الإثم الكبير‏؟‏ ولكنه بيّن في آية أُخرى أنه إيقاع العداوة والبغضاء بينهم، والصدّ عن ذكر اللَّه، وعن الصلاة، وهي قوله‏:‏ ‏{‏إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاَةِ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ‏}‏‏.‏

‏{‏وَلاَ تَنكِحُواْ الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلاَ تُنكِحُواْ الْمُشِرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُواْ وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُوْلَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُوَ إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ‏}‏

، وَلاَ تَنْكِحُواْ الْمُشْرِكَـاتِ ظاهر عمومه شمول الكتابيات، ولكنّه بيّن في آية أُخرى أن الكتابيات لسن داخلات في هذا التحريم، وهي قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ‏}‏، فإن قيل الكتابيات لا يدخلن في اسم المشركات بدليل قوله‏:‏ ‏{‏لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ‏}‏، والعطف يقتضي المغايرة، فالجواب أن أهل الكتاب داخلون في اسم المشركين كما صرح به تعالى في قوله‏:‏ ‏{‏وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتْ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِؤُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ‏}‏‏.‏

‏{‏وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُواْ النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُواْ لأَنفُسِكُمْ وَاتَّقُواْ اللَّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّكُم مُّلاَقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ وَلاَ تَجْعَلُواْ اللَّهَ عُرْضَةً لِّأَيْمَانِكُمْ أَن تَبَرُّواْ وَتَتَّقُواْ وَتُصْلِحُواْ بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ‏}‏

، فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ لم يبيّن هنا هذا المكان المأمور بالإتيان منه المعبر عنه بلفظة حيث ولكنه بين أن المراد به الإتيان في القبل في آيتين‏.‏

إحداهما‏:‏ هي قوله هنا‏:‏ ‏{‏فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ‏}‏؛ لأن قوله‏:‏ ‏{‏فَاتُواْ‏}‏ أمر بالإتيان بمعنى الجماع وقوله‏:‏ ‏{‏حَرْثِكُمْ‏}‏، يبيّن أن الإتيان المأمور به إنما هو في محل الحرث يعني بذر الولد بالنطفة، وذلك هو القبل دون الدبر كما لا يخفى؛ لأن الدبر ليس محل بذر للأولاد، كما هو ضروري‏.‏

الثانية‏:‏ قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَآئِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُواْ مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّواْ الصِّيَامَ إِلَى الَّليْلِ وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ‏}‏؛ لأن المراد بما كتب اللَّه لكم، الولد، على قول الجمهور وهو اختيار ابن جرير، وقد نقله عن ابن عباس، ومجاهد، والحكم، وعكرمة، والحسن البصري، والسدي، والربيع، والضحاك بن مزاحم، ومعلوم أن ابتغاء الولد إنما هو بالجماع في القبل‏.‏ فالقبل، إذن هو المأمور بالمباشرة فيه، بمعنى الجماع فيكون معنى الآية فالآن باشروهن ولتكن تلك المباشرة في محل ابتغاء الولد، الذي هو القبل دون غيره، بدليل قوله‏:‏ ‏{‏وَابْتَغُواْ مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ‏}‏، يعني الولد‏.‏

ويتّضح لك من هذا أن معنى قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أَنَّى شِئْتُمْ‏}‏، يعني أن يكون الإتيان في محل الحرث على أي حالة شاء الرجل، سواء كانت المرأة مستلقية أو باركة أو على جنب، أو غير ذلك، ويؤيد هذا ما رواه الشيخان وأبو داود والترمذي عن جابر رضي اللَّه عنه قال‏:‏ كانت اليهود تقول‏:‏ إذا جامعها من ورائها جاء الولد أحول، فنزلت ‏{‏نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُواْ لأَنفُسِكُمْ‏}‏‏.‏

فظهر من هذا أن جابرًا رضي اللَّه عنه يرى أن معنى الآية، فأتوهن في القبل على أية حالة شئتم ولو كان من ورائها‏.‏

والمقرر في علوم الحديث أن تفسير الصحابي الذي له تعلق بسبب النزول له حكم الرفع كما عقده صاحب ‏"‏طلعة الأنوار‏"‏، بقوله‏:‏ تفسير صاحب له تعلق بالسبب الرفع له محقق

وقد قال القرطبي في تفسير قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ‏}‏، ما نصّه‏:‏ وما استدلّ به المخالف من أن قوله عزّ وجلّ‏:‏ ‏{‏أَنَّى شِئْتُمْ‏}‏، شامل للمسالك بحكم عمومها، فلا حجة فيها؛ إذ هي مخصصة بما ذكرناه، وبأحاديث صحيحة، حِسان شهيرة، رواها عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم اثنا عشر صحابيًا، بمتون مختلفة، كلها متواردة على تحريم إتيان النساء في الأدبار، ذكرها أحمد بن حنبل في ‏"‏مسنده‏"‏، وأبو داود، والنسائي، والترمذي، وغيرهم‏.‏

وقد جمعها أبو الفرج الجوزي بطرقها في جزء سماه ‏"‏تحريم المحل المكروه‏"‏‏.‏

ولشيخنا أبي العباس أيضًا في ذلك جزء سماه ‏"‏ إظهار إدبار من أجاز الوطء في الأدبار ‏"‏ قلت‏:‏

وهذا هو الحقّ المتبع، والصحيح في المسألة‏.‏

ولا ينبغي لمؤمن باللَّه واليوم الآخر أن يعرج في هذه النازلة على زلة عالم بعد أن تصحّ عنه، وقد حذرنا من زلة العالم‏.‏ وقد روي عن ابن عمر خلاف هذا، وتكفير من فعله وهذا هو اللائق به رضي اللَّه عنه، وكذلك كذب نافع من أخبر عنه بذلك، كما ذكر النسائي وقد تقدم‏.‏

وأنكر ذلك مالك واستعظمه، وكذب من نسب ذلك إليه، وروى الدارمي في ‏"‏مسنده‏"‏، عن سعيد بن يسار أبي الحباب‏.‏ قال‏:‏ قلت لابن عمر‏:‏ ما تقول في الجواري حين أحمض لهن ‏؟‏ قال‏:‏ وما التحميض ‏؟‏ فذكرت له الدبر‏.‏ فقال‏:‏ هل يفعل ذلك أحد من المسلمين ‏؟‏ وأسند عن خزيمة بن ثابت‏:‏ سمعت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏"‏ أيها الناس، إن اللَّه لا يستحي من الحق، لا تأتوا النساء في أعجازهن ‏"‏، ومثله عن علي بن طلق، وأسند عن أبي هريرة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ من أتى امرأة في دبرها لم ينظر اللَّه إليه يوم القيامة‏"‏‏.‏

وروي أبو داود الطيالسي في مسنده عن قتادة، عن عمرو بن شعيب عن أبيه، عن عبد اللَّه بن عمرو، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏ تلك اللوطية الصغرى ‏"‏، يعني إتيان المرأة في دبرها‏.‏ وروي عن طاوس أنه قال‏:‏ كان بدأ عمل قوم لوط إتيان النساء في أدبارهن، قال ابن المنذر وإذا ثبت الشىء عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم استغنى به عمّا سواه، من القرطبي بلفظه‏.‏ وقال القرطبي أيضًا ما نصه‏:‏ وقال مالك لابن وهب، وعلي بن زياد، لما أخبراه أن ناسًا بمصر يتحدثون عنه أنه يجيز ذلك، فنفر من ذلك وبادر إلى تكذيب الناقل، فقال‏:‏ كذبوا عليّ، كذبوا عليّ، كذبوا عليّ‏.‏ ثم قال‏:‏ ألستم قومًا عربًا ‏؟‏ ألم يقل اللَّه تعالى‏:‏ ‏{‏نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ‏}‏، وهل يكون الحرث إلاّ في موضع المنبت ‏؟‏ منه بلفظه أيضًا‏.‏

ومما يؤيّد أنه لا يجوز إتيان النساء في أدبارهن، أن اللَّه تعالى حرّم الفرج في الحيض لأجل القذر العارض له، مبينًا أن ذلك القذر هو علة المنع بقوله‏:‏ ‏{‏وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُواْ النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ‏}‏‏.‏ فمن باب أولى تحريم الدبر للقذر والنجاسة اللازمة، ولا ينتقض ذلك بجواز وطء المستحاضة؛ لأن دم الإستحاضة ليس في الاستقذار كدم الحيض، ولا كنجاسة الدبر؛ لأنه دم انفجار العرق فهو كدم الجرح، ومما يؤيّد منع الوطء في الدبر إطباق العلماء على أن الرتقاء التي لا يوصل إلى وطئها معيبة ترد بذلك العيب‏.‏

قال ابن عبد البر‏:‏ لم يختلف العلماء في ذلك، إلا شيئًا جاء عن عمر بن عبد العزيز من وجه ليس بالقوي أن الرتقاء لا ترد بالرتق‏.‏ والفقهاء كلهم على خلاف ذلك‏.‏

قال القرطبي‏:‏ وفي إجماعهم هذا دليل على أن الدبر ليس بموضع وطء ولو كان موضعًا للوطء، ما ردت من لا يوصل إلى وطئها في الفرج‏.‏ فإن قيل‏:‏ قد يكون رد الرتقاء لعلة عدم النسل فلا ينافي أنها توطأ في الدبر، فالجواب أن العقم لا يرد به، ولو كانت علة رد الرتقاء عدم النسل لكان العقم موجبًا للرد‏.‏

وقد حكى القرطبي الإجماع على أن العقم لا يردّ به، في تفسير قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ‏}‏، فإذا تحققت من هذه الأدلة أن وطء المرأة في دبرها حرام‏.‏ فاعلم أن من روى عنه جواز ذلك كابن عمر، وأبي سعيد وجماعات من المتقدمين، والمتأخرين، يجب حمله على أن مرادهم بالإتيان في الدبر إتيانها في الفرج من جهة الدبر، كما يبينه حديث جابر والجمع واجب إذا أمكن‏.‏ قال ابن كثير في تفسير قوله‏:‏ ‏{‏فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ‏}‏ ما نصه‏:‏ قال أبو محمد، عبد الرحمان بن عبد اللَّه الدارمي في ‏"‏مسنده‏"‏‏:‏ حدّثنا عبد اللَّه بن صالح، حدّثنا الليث عن الحارث بن يعقوب، عن سعيد بن يسار أبي الحباب، قال‏:‏ قلت لابن عمر‏:‏ ما تقول في الجواري أيحمض لهن ‏؟‏ قال‏:‏ وما التحميض ‏؟‏ فذكر الدبر، فقال‏:‏ وهل يفعل ذلك أحد من المسلمين ‏؟‏‏.‏ وكذا رواه ابن وهب، وقتيبة عن الليث‏

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
الهدى

avatar

عدد المساهمات : 326
التميز : 1
تاريخ التسجيل : 14/10/2009

مُساهمةموضوع: تفسير اضواء البيان فى ايضاح القران بالقران   الإثنين يناير 11, 2010 4:20 am

وهذا إسناد صحيح ونصّ صريح منه بتحريم ذلك‏.‏ فكل ما ورد عنه مما يحتمل، ويحتمل فهو مردود إلى هذا المحكم، منه بلفظه، وقد علمت أن قوله‏:‏ ‏{‏أَنَّى شِئْتُمْ‏}‏، لا دليل فيه للوطء في الدبر؛ لأنه مرتب بالفاء التعقيبية، على قوله‏:‏ ‏{‏نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ‏}‏، ومعلوم أن الدبر ليس محل حرث، ولا ينتقض هذا بجواز الجماع في عكن البطن، وفي الفخذين، والساقين، ونحو ذلك مع أن الكل ليس محل حرث؛ لأن ذلك يسمى استمناء لا جماعًا‏.‏ والكلام في الجماع؛ لأن المراد بالإتيان في قوله‏:‏ ‏{‏فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ‏}‏، الجماع والفارق موجود؛ لأن عكن البطن ونحوها لا قذر فيها، والدبر فيه القذر الدائم، والنجس الملازم‏.‏

وقد عرفنا من قوله‏:‏ ‏{‏قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُواْ النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ‏}‏، أن الوطء في محل الأذى لا يجوز‏.‏

وقال بعض العلماء‏:‏ معنى قوله‏:‏ ‏{‏مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ‏}‏، أي من المكان الذي أمركم اللَّه تعالى بتجنبه؛ لعارض الأذى وهو الفرج ولا تعدوه إلى غيره، ويروى هذا القول عن ابن عباس ومجاهد، وقتادة، والربيع وغيرهم، وعليه فقوله‏:‏ ‏{‏مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ‏}‏ يبينه‏:‏ ‏{‏قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُواْ النِّسَاءَ‏}‏ الآية؛ لأن من المعلوم أن محل الأذى الذي هو الحيض إنما هو القبل، وهذا القول راجع في المعنى إلى ما ذكرنا، وهذا القول مبني على أن النهي عن الشىء أمر بضده؛ لأن ما نهى اللَّه عنه فقد أمر بضده، ولذا تصح الإحالة في قوله‏:‏ ‏{‏أَمَرَكُمُ اللَّهُ‏}‏ على النهي في قوله‏:‏ ‏{‏وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ‏}‏، والخلاف في النهي عن الشىء هو أمر بضده معروف في الأصول، وقد أشار له في ‏"‏مراقي السعود‏"‏، بقوله‏:‏ والنهي فيه غابر الخلاف أو أنه أمر بالائتلاف

وقيل لا قطعًا كما في المختصر ** وهو لدى السبكي رأي ما انتصر


ومراده بغابر الخلاف‏:‏ هو ما ذكر قبل هذا من الخلاف في الأمر بالشىء، هل هو عين النهي عن ضده، أو مستلزم له أو ليس عينه ولا مستلزمًا له ‏؟‏ يعني أن ذلك الخلاف أيضًا في النهي عن الشىء هل هو عين الأمر بضده ‏؟‏ أو ضد من أضداده إن تعددت ‏؟‏ أو مستلزم لذلك ‏؟‏ أو ليس عينه ولا مستلزمًا له ‏؟‏ وزاد في النهي قولين‏:‏

أحدهما‏:‏ أنه أمر بالضدّ اتفاقًا‏.‏

والثاني‏:‏ أنه ليس أمرًا به قطعًا، وعزا الأخير لابن الحاجب في ‏"‏مختصره‏"‏، وأشار إلى أن السبكي في ‏"‏جمع الجوامع‏"‏، ذكر أنه لم يرَ ذلك القول لغير ابن الحاجب‏.‏

وقال الزجاج‏:‏ معنى ‏{‏مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ‏}‏، أي‏:‏ من الجهات التي يحلّ فيها أن تقرب المرأة، ولا تقربوهن من حيث لا يحل، كما إذا كن صائمات، أو محرمات، أو معتكفات‏.‏

وقال أبو رزين وعكرمة والضحاك وغير واحد‏:‏ ‏{‏مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ‏}‏، يعني طاهرات غير حيض، والعلم عند اللَّه تعالى‏.‏

‏{‏لاَّ يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِيَ أَيْمَانِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ لِّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَآؤُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ وَإِنْ عَزَمُواْ الطَّلاَقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ‏}‏

، وَلَـاكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ لم يصرح هنا بالمراد بما كسبته قلوبهم، ولم يذكر هنا ما يترتب على ذلك إذا حنث، ولكنه بيّن في سورة ‏"‏المائدة‏"‏، أن المراد بما كسبت القلوب، هو عقد اليمين بالنيّة والقصد، وبيّن أن اللازم في ذلك إذا حنث كفارة، هي‏:‏ إطعام عشرة مساكين، أو كسوتهم، أو تحرير رقبة ومن عجز عن واحد من الثلاثة فصوم ثلاثة أيام، وذلك في قوله‏:‏ ‏{‏لاَ يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُواْ أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ‏}‏‏.‏

‏{‏وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوَءٍ وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُواْ إِصْلاَحًا وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكُيمٌ‏}‏

، وَالْمُطَلَّقَـاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَـاثَةَ قُرُواءٍ ظاهر هذه الآية شمولها لجميع المطلقات، ولكنه بيّن في آيات أُخر خروج بعض المطلقات من هذا العموم، كالحوامل المنصوص على أن عدتهن وضع الحمل، في قوله‏:‏ ‏{‏وأولات الأحمال أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ‏}‏‏.‏ وكالمطلقات قبل الدخول المنصوص على أنهنّ لا عدة عليهن أصلاً، بقوله‏:‏ ‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلاً‏}‏‏.‏

أما اللواتي لا يحضن، لكبر أو صغر فقد بيّن أن عدتهن ثلاثة أشهر في قوله‏:‏ ‏{‏وَاللاَّئِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِن نِّسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللاَّئِي لَمْ يَحِضْنَ وأولات الأحمال أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا‏}‏‏.‏

‏{‏ثَلَـاثَةَ قُرُواءٍ‏}‏ فيه إجمال؛ لأن القرء يطلق لغة على الحيض، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ دعي الصلاة أيام أقرائك ‏"‏‏.‏ ويطلق القرء لغة أيضًا على الطهر ومنه قول الأعشى‏:‏

أفي كل يوم أنت جاشم غزوة تشد لأقصاها عزيم عزائكا

مورثة مالا وفي الحي رفعة لما ضاع فيها من قروء نسائكا


ومعلوم أن القرء الذي يضيع على الغازي من نسائه هو الطهر دون الحيض، وقد اختلف العلماء في المراد بالقروء في هذه الآية الكريمة، هل هو الأطهار أو الحيضات ‏؟‏

وسبب الخلاف اشتراك القرء بين الطهر والحيض كما ذكرنا، وممن ذهب إلى أن المراد بالقرء في الآية الطهر، مالك والشافعي وأم المؤمنين عائشة وزيد بن ثابت وعبد اللَّه بن عمر والفقهاء السبعة، وأبان بن عثمان، والزهري وعامّة فقهاء المدينة، وهو رواية عن أحمد، وممن قال‏:‏ بأن القروء الحيضات، الخلفاء الراشدون الأربعة، وابن مسعود، وأبو موسى، وعبادة بن الصامت، وأبو الدرداء، وابن عباس، ومعاذ بن جبل، وجماعة من التابعين وغيرهم، وهو الرواية الصحيحة عن أحمد‏.‏

واحتجّ كل من الفريقين بكتاب وسنة، وقد ذكرنا في ترجمة هذا الكتاب أننا في مثل ذلك نرجح ما يظهر لنا أن‏:‏ دليله أرجح أما الذين قالوا القروء الحيضات، فاحتجّوا بأدلة كثيرة منها قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَاللاَّئِى يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِن نّسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَـاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللاَّئِى لَمْ يَحِضْنَ‏}‏، قالوا‏:‏ فترتيب العدة بالأشهر على عدم الحيض يدلّ على أن أصل العدة بالحيض، والأشهر بدل من الحيضات عند عدمها، واستدلوا أيضًا بقوله‏:‏ ‏{‏وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ‏}‏‏.‏

قالوا‏:‏ هو الولد، أو الحيض، واحتجّوا بحديث ‏"‏ دعي الصلاة أيام أقرائك ‏"‏، قالوا‏:‏ إنه صلى الله عليه وسلم هو مبين الوحي وقد أطلق القرء على الحيض،

فدلّ ذلك على أنه المراد في الآية، واستدلوا بحديث اعتداد الأمة بحيضتين، وحديث استبرائها بحيضة‏.‏

وأما الذين قالوا‏:‏ القروء الأطهار، فاحتجّوا بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ‏}‏، قالوا‏:‏ عدتهن المأمور بطلاقهن لها، الطهر لا الحيض كما هو صريح الآية، ويزيده إيضاحًا قوله صلى الله عليه وسلم، في حديث ابن عمر المتفق عليه‏:‏ ‏"‏ فإن بدا له أن يطلقها فليطلقها طاهرًا قبل أن يمسها فتلك العدة كما أمر اللَّه ‏"‏، قالوا‏:‏ إن النبي صلى الله عليه وسلم صرح في هذا الحديث المتفق عليه، بأن الطهر هو العدة التي أمر اللَّه أن يطلق لها النساء، مبينًا أن ذلك هو معنى قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ‏}‏، وهو نصّ من كتاب اللَّه وسنّة نبيّه في محل النزاع‏.‏

قال مقيده عفا اللَّه عنه الذي يظهر لي أن دليل هؤلاء هذا، فصل في محل النزاع؛ لأن مدار الخلاف هل القروء الحيضات أو الأطهار ‏؟‏ وهذه الآية، وهذا الحديث، دلاّ على أنها الأطهار‏.‏

ولا يوجد قي كتاب اللَّه، ولا سنّة نبيّه صلى الله عليه وسلم شىء يقاوم هذا الدليل، لا من جهة الصحة، ولا من جهة الصراحة في محل النزاع؛ لأنه حديث متفق عليه مذكور في معرض بيان معنى آية من كتاب اللَّه تعالى‏.‏

وقد صرح فيه النبيّ صلى الله عليه وسلم، بأن الطهر هو العدة مبينًا أن ذلك هو مراد اللَّه جلّ وعلا، بقوله‏:‏ ‏{‏فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ‏}‏، فالإشارة في قوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏فتلك العدّة‏"‏، راجعة إلى حال الطهر الواقع فيه الطلاق؛ لأن معنى قوله ‏"‏فليطلقها طاهرًا‏"‏، أي‏:‏ في حال كونها طاهرًا، ثم بيّن أن ذلك الحال الذي هو الطهر هو العدّة مصرحًا بأن ذلك هو مراد اللَّه في كتابه العزيز، وهذا نص صريح في أن العدة بالطهر‏.‏ وأنث بالإشارة لتأنيث الخبر، ولا تخلص من هذا الدليل لمن يقول هي الحيضات إلا إذا قال العدة غير القروء، والنزاع في خصوص القروء كما قال بهذا بعض العلماء‏.‏

وهذا القول يرده إجماع أهل العرف الشرعي، وإجماع أهل اللسان العربي، على أن عدة من تعتدّ بالقروء هي نفس القروء لا شىء آخر زائد على ذلك‏.‏ وقد قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ‏}‏، وهي زمن التربص إجماعًا، وذلك هو المعبّر عنه بثلاثة قروء التي هي معمول قوله تعالى‏:‏ ‏{‏يَتَرَبَّصْنَ‏}‏، في هذه الآية فلا يصح لأحد أن يقول‏:‏ إن على المطلقة التي تعتد بالأقراء شيئًا يسمى العدّة، زائدًا على ثلاثة القروء المذكورة في الآية الكريمة البتة، كما هو معلوم‏.‏

وفي القاموس‏:‏ وعدة المرأة أيام أقرائها، وأيام إحدادها على الزوج، وهو تصريح منه بأن العدة هي نفس القروء لا شىء زائد عليها، وفي اللسان‏:‏ وعدة المرأة أيام أقرائها، وعدتها أيضًا أيام إحدادها على بعلها، وإمساكها عن الزينة شهورًا كان أو أقراء أو وضع حمل حملته من زوجها‏.‏

فهذا بيان بالغ من الصحة والوضوح والصراحة في محل النزاع، ما لا حاجة معه إلى كلام آخر‏.‏ وتؤيده قرينة زيادة التاء في قوله‏:‏ ‏{‏ثَلاَثَةَ قُرُوَءٍ‏}‏، لدلالتها على تذكير المعدود وهو الأطهار؛ لأنها مذكرة والحيضات مؤنثة‏.‏

وجواب بعض العلماء عن هذا بأن لفظ القرء مذكر ومسماه مؤنث وهو الحيضة، وأن التاء إنما جىء بها مراعاة للفظ وهو مذكر لا للمعنى المؤنث‏.‏

يقال فيه‏:‏ إن اللفظ إذا كان مذكرًا، ومعناه مؤنثًا لا تلزم التاء في عدده، بل تجوز فيه مراعاة المعنى، فيجرد العدد من التاء كقول عمر بن أبي ربيعة المخزومي‏:‏ وكان مجني دون من كنت أتقي ثلاث شخوص كاعبان ومعصر


فجرد لفظ الثلاث من التاء؛ نظرًا إلى أن مسمى العدد نساء،

مع أن لفظ الشخص الذي أطلقه على الأنثى مذكر، وقول الآخر‏:‏ وإن كلابًا هذه عشر أبطن وأنت بريء من قبائلها العشر


فمجرد العدد من التاء مع أن البطن مذكر؛ نظرًا إلى معنى القبيلة، وكذلك العكس، كقوله‏:‏ ثلاثة أنفس وثلاث ذود لقد عال الزمان على عيالي


فإنه قد ذكر لفظ الثلاثة مع أن الأنفس مؤنثة لفظًا؛ نظرًا إلى أن المراد بها أنفس ذكور، وتجوز مراعاة اللفظ فيجرد من التاء في الأخير وتلحقه التاء في الأول ولحوقها إذن مطلق احتمال، ولا يصح الحمل عليه دون قرينة تعينه، بخلاف عدد المذكر لفظًا ومعنى، كالقرء بمعنى الطهر فلحوقها له لازم بلا شك، واللازم الذي لا يجوز غيره أولى بالتقديم من المحتمل الذي يجوز أن يكون غيره بدلاً عنه ولم تدل عليه قرينة كما ترى‏.‏

فإن قيل ذكر بعض العلماء‏:‏ أن العبرة في تذكير واحد المعدود وتأنيثه إنما هي باللفظ، ولا تجوز مراعاة المعنى إلا إذا دلّت عليه قرينة، أو كان قصد ذلك المعنى كثيرًا، والآية التي نحن بصددها ليس فيها أحد الأمرين، قال الأشموني في شرح قول ابن مالك‏:‏ ثلاثة بالتاء قل للعشرة في عد ما آحاده مُذكّرة


في الضد جرد إلخ‏.‏‏.‏‏.‏

ما نصّه‏:‏ الثاني اعتبار التأنيث في واحد المعدود إن كان اسمًا فبلفظه، تقول‏:‏ ثلاثة أشخص، قاصدًا نسوة، وثلاث أعين قاصدًا رجال؛ لأن لفظ شخص مذكر، ولفظ عين مؤنث هذا ما لم يتصل بالكلام ما يقوي المعنى؛ أو يكثر فيه قصد المعنى‏.‏

فإن اتصل به ذلك جاز مراعاة المعنى، فالأول كقوله‏:‏

ثلاث شخوص كاعبان ومعصر‏.‏

وكقوله‏:‏ وإن كلابًا البيت‏.‏

والثاني كقوله‏:‏ ثلاثة أنفس وثلاث ذود‏.‏اهـ منه‏.‏

وقال الصبان في ‏"‏ حاشيته ‏"‏ عليه‏:‏ وبما ذكره الشارح يرد ما استدل به بعض العلماء في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ثَلاَثَةَ قُرُوَءٍ‏}‏‏.‏ ‏{‏بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء‏}‏، على أن الأقراء الأطهار لا الحيض، وعلى أن شهادة النساء غير مقبولة؛ لأن الحيض جمع حيضة؛ فلو أريد الحيض لقيل ثلاث، ولو أريد النساء لقيل بأربع‏.‏

ووجه الرد أن المعتبر هنا اللفظ، ولفظ قرء وشهيد مذكرين، منه بلفظه‏.‏

فالجواب واللَّه تعالى أعلم أن هذا خلاف التحقيق، والذي يدلّ عليه استقراء اللغة العربية جواز مراعاة المعنى مطلقًا، وجزم بجواز مراعاة المعنى في لفظ العدد ابن هشام، نقله عنه السيوطي، بل جزم صاحب ‏"‏ التسهيل ‏"‏، وشارحه الدماميني‏:‏ بأن مراعاة المعنى في واحد المعدود متعينة‏.‏

قال الصبان في ‏"‏ حاشيته ‏"‏، ما نصه‏:‏ قوله فبلفظه ظاهره‏:‏ أن ذلك على سبيل الوجوب، ويخالفه ما نقله السيوطي عن ابن هشام وغيره من أن ما كان لفظه مذكرًا، ومعناه مؤنثًا، أو بالعكس، فإنه يجوز فيه وجهان اهـ‏.‏

ويخالفه أيضًا ما في ‏"‏ التسهيل ‏"‏‏)‏ وشرحه للدماميني‏.‏ وعبارة ‏"‏ التسهيل ‏"‏ تحذف تاء الثلاثة وأخواتها، إن كان واحد المعدود مؤنث المعنى حقيقة أو مجازًا‏.‏

قال الدماميني‏:‏ استفيد منه أن الاعتبار في الواحد بالمعنى لا باللفظ؛ فلهذا يقال ثلاثة طلحات ثم قال في ‏"‏ التسهيل ‏"‏، وربما أول مذكر بمؤنث، ومؤنث بمذكر، فجىء بالعدد على حسب التأويل، ومثل الدماميني الأول بنحو ثلاث شخوص، يريد نسوة وعشر وأبطن يريد قبائل‏.‏

والثاني بنحو ثلاثة أنفس، أي أشخاص وتسعة وقائع، أي مشاهد، فتأمل‏.‏ انتهى منه بلفظه‏.‏ وما جزم به صاحب ‏"‏ التسهيل ‏"‏ وشارحه،

من تعين مراعاة المعنى، يلزم عليه تعين كون القرء في الآية هو الطهر، كما ذكرنا‏.‏

وفي ‏"‏ حاشية الصبان ‏"‏ أيضًا ما نصه‏:‏ قوله جاز مراعاة المعنى في التوضيح أن ذلك ليس قياسيًا، وهو خلاف ما تقدم عن ابن هشام وغيره، من أن ما كان لفظه مذكرًا، ومعناه مؤنثًا، أو بالعكس، يجوز فيه وجهان، أي‏:‏ ولو لم يكن هناك مرجح للمعنى، وهو خلاف ما تقدم عن ‏(‏التسهيل‏)‏‏.‏ وشرحه أن العبرة بالمعنى، فتأمل‏.‏ اهـ منه‏.‏

وأما الاستدلال على أنها الحيضات بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَاللاَّئِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ‏}‏، فيقال فيه‏:‏ إنه ليس في الآية ما يعين أن القروء الحيضات، لأن الأقراء لا تقال في الأطهار إلا في الأطهار التي يتخللها حيض، فإن عدم الحيض عدم معه اسم الأطهار، ولا مانع إذن من ترتيب الاعتداد بالأشهر على عدم الحيض مع كون العدة بالطهر؛ لأن الطهر المراد يلزمه وجود الحيض وإذا انتفى اللازم انتفى الملزوم، فاتفاء الحيض يلزمه انتفاء الأطهار فكأن العدة بالأشهر مرتبة أيضًا على انتفاء الأطهار، المدلول عله بانتفاء الحيض‏.‏ وأما الاستدلال بآية‏:‏ ‏{‏وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ‏}‏، فهو ظاهر السقوط؛ لأن كون القروء الأطهار لا يبيح المعتدّة كتم الحيض؛ لأن العدة بالأطهار لا تمكن إلا بتخلل الحيض لها؛ فلو كتمت الحيض لكانت كاتمة انقضاء الطهر، ولو ادعت حيضًا لم يكن، كانت كاتمة؛ لعدم انقضاء الطهر كما هو واضح‏.‏

وأما الاستدلال بحديث ‏"‏ دعي الصلاة أيام أقرائك ‏"‏ فيقال فيه‏:‏ إنه لا دليل في الحديث البتة على محل النزاع؛ لأنه لا يفيد شيئًا زائدًا على أن القرء يطلق على الحيض، وهذا مما لا نزاع فيه‏.‏

أما كونه يدلّ على منع إطلاق القرء في موضع آخر على الطهر فهذا باطل بلا نزاع، ولا خلاف بين العلماء القائلين‏:‏ بوقوع الاشتراك في‏:‏ أن إطلاق المشترك على أحد معنييه في موضع، لا يفهم منه منع إطلاقه على معناه الآخر في موضع آخر‏.‏

ألا ترى أن لفظ العين مشترك بين الباصرة والجارية مثلاً، فهل تقول إن إطلاقه تعالى لفظ العين على الباصرة في قوله‏:‏ ‏{‏وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ‏}‏، يمنع إطلاق العين في موضع آخر على الجارية، كقوله‏:‏ ‏{‏فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ‏}‏‏.‏

والحق الذي لا شك فيه أن المشترك يطلق على كل واحد من معنييه، أو معانيه في الحال المناسبة لذلك، والقرء في حديث‏:‏ ‏"‏ دعي الصلاة أيام أقرائك ‏"‏ مناسب للحيض دون الطهر؛ لأن الصلاة إنما تترك في وقت الحيض دون وقت الطهر‏.‏

ولو كان إطلاق المشترك على أحد معنييه، يفيد منع إطلاقه على معناه الآخر في موضع آخر، لم يكن في اللغة اشتراك أصلاً؛ لأنه كل ما أطلقه على أحدهما منع إطلاقه له على الآخر، فيبطل اسم الاشتراك من أصله مع أنّا قدمنا تصريح النبيّ صلى الله عليه وسلم في حديث ابن عمر المتفق عليه‏:‏ ‏"‏ بأن الطهر هو العدة ‏"‏ وكل هذا على تقدير صحة حديث ‏"‏ دعي الصلاة أيام أقرائك ‏"‏؛ لأن من العلماء من ضعفه، ومنهم من صححه‏.‏

والظاهر أن بعض طرقه لا يقل عن درجة القبول، إلا أنه لا دليل فيه لمحل النزاع‏.‏

ولو كان فيه لكان مردودًا بما هو أقوى منه وأصرح في محل النزاع، وهو ما قدمنا‏.‏ وكذلك اعتداد الأمة بحيضتين على تقرير ثبوته عنه صلى الله عليه وسلم، لا يعارض ما قدمنا؛ لأنه أصح منه وأصرح في محل النزاع‏.‏ واستبراؤها بحيضة مسألة أخرى؛ لأن الكلام في العدة لا في الاستبراء‏.‏ ورد بعض العلماء الاستدلال بالآية والحديث الدالين على أنها الأطهار،

بأن ذلك يلزمه الاعتداد بالطهر الذي وقع فيه الطلاق كما عليه جمهور القائلين‏:‏ بأن القروء الأطهار فيلزم عليه كون العدة قرءين وكسرًا من الثالث، وذلك خلاف ما دلّت عليه الآية من أنها ثلاثة قروء كاملة مردود بأن مثل هذا لا تعارض به نصوص الوحي الصريحة، وغاية ما في الباب إطلاق ثلاثة قروء على اثنين وبعض الثالث‏.‏ ونظيره قوله‏:‏ ‏{‏الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَـاتٌ‏}‏، والمراد شهران وكسر‏.‏

وادعاء أن ذلك ممنوع في أسماء العدد يقال فيه‏:‏ إن النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي ذكر إن بقية الطهر الواقع فيه الطلاق عدة، مبينًا أن ذلك مراد اللَّه في كتابه، وما ذكره بعض أجلاء العلماء رحمهم اللَّه من أن الآية والحديث المذكورين يدلان على أن الأقراء الحيضات بعيد جدًا من ظاهر اللفظ، كما ترى‏.‏

بل لفظ الآية والحديث المذكورين صريح في نقيضه، هذا هو ما ظهر لنا في هذه المسألة واللَّه تعالى أَعلم، ونسبة العلم إليه أسلم‏.‏

‏{‏وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدّهِنَّ فِي ذالِكَ إِنْ أَرَادُواْ إِصْلَـاحاً‏}‏، ظاهر هذه الآية الكريمة أن أزواج كل المطلقات أحق بردهن، لا فرق في ذلك بين رجعية وغيرها‏.‏

ولكنه أشار في موضع آخر إلى أن البائن لا رجعة له عليها، وذلك في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ياأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَـاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا‏}‏‏.‏
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
الهدى

avatar

عدد المساهمات : 326
التميز : 1
تاريخ التسجيل : 14/10/2009

مُساهمةموضوع: تفسير اضواء البيان فى ايضاح القران بالقران   الإثنين يناير 11, 2010 4:22 am


وذلك لأن الطلاق قبل الدخول بائن، كما أنه أشار هنا إلى أنها إذا بانت بانقضاء العدة لا رجعة له عليها، وذلك في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدّهِنَّ فِي ذالِكَ‏}‏؛ لأن الإشارة بقوله‏:‏ ‏{‏ذالِكَ‏}‏، راجعة إلى زمن العدة المعبر عنه في الآية بــ ‏{‏ثَلَـاثَةَ قُرُوء‏}‏‏.‏

واشترط هنا في كون بعولة الرجعيات أحق بردهن إرادتهم الإصلاح بتلك الرجعة، في قوله‏:‏ ‏{‏إِنْ أَرَادُواْ إِصْلَـاحاً‏}‏، ولم يتعرض لمفهوم هذا الشرط هنا، ولكنه صرح في مواضع أُخر أن زوج الرجعية إذا ارتجعها لا بنية الإصلاح بل بقصد الإضرار بها؛ لتخالعه أو نحو ذلك، أن رجعتها حرام عليه، كما هو مدلول النهي في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لّتَعْتَدُواْ وَمَن يَفْعَلْ ذالِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلاَ تَتَّخِذُواْ آيَـاتِ اللَّهِ هُزُوًا‏}‏‏.‏

فالرجعة بقصد الإضرار حرام إجماعًا، كما دلّ عليه مفهوم الشرط المصرّح به في قوله‏:‏ ‏{‏وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا‏}‏، وصحة رجعته حينئذ باعتبار ظاهر الأمر، فلو صرح للحاكم بأنه ارتجعها بقصد الضرر، لأبطل رجعته كما ذكرنا، والعلم عند اللَّه تعالى‏.‏

‏{‏وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ‏}‏، لم يبيّن هنا ما هذه الدرجة التي للرجال على النساء، ولكنه أشار لها في موضع آخر وهو قوله تعالى‏:‏ ‏{‏الرّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النّسَاء بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىا بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أَمْوالِهِمْ‏}‏، فأشار إلى أن الرجل أفضل من المرأة؛ وذلك لأن الذكورة شرف وكمال والأنوثة نقص خلقي طبيعي، والخلق كأنه مجمع على ذلك؛ لأن الأنثى يجعل لها جميع الناس أنواع الزينة والحلي، وذلك إنما هو لجبر النقص الخلقي الطبيعي الذي هو الأنوثة، بخلاف الذكر فجمال ذكورته يكفيه عن الحلي ونحوه‏.‏

وقد أشار تعالى إلى نقص المرأة وضعفها الخلقيين الطبيعيين، بقوله‏:‏ ‏{‏أَوْ مِن يُنَشَّأُ فِى الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِى الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ‏}‏؛ لأن نشأتها في الحلية دليل على نقصها، المراد جبره،

والتغطية عليه بالحلي، كما قال الشاعر‏:‏ وما الحلي إلا زينة من نقيصة يتمم من حسن إذا الحسن قصرا

وأما إذا كان الجمال موفرًا كحسنك لم يحتج إلى أن يزورا


ولأن عدم إبانتها في الخصام إذا ظلمت دليل على الضعف الخلقي، كما قال الشاعر‏:‏ بنفسي وأهلي من إذا عرضوا له ببعض الأذى لم يدر كيف يجيب

فلم يعتذر عذر البرىء ولم تزل به سكتة حتى يقال مريب


ولا عبرة بنوادر النساء؛ لأن النادر لا حكم له‏.‏

وأشار بقوله‏:‏ ‏{‏وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أَمْوالِهِمْ‏}‏، إلى أن الكامل في وصفه وقوته وخلقته يناسب حاله، أن يكون قائمًا على الضعيف الناقص خلقة‏.‏

ولهذه الحكمة المشار إليها جعل ميراثه مضاعفًا على ميراثها؛ لأن من يقوم على غيره مترقب للنقص، ومن يقوم عليه غيره مترقب للزيادة، وإيثار مترقب النقص على مترقب الزيادة ظاهر الحكمة‏.‏

كما أنه أشار إلى حكمة كون الطلاق بيد الرجل دون إذن المرأة بقوله‏:‏ ‏{‏نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ‏}‏؛ لأن من عرف أن حقله غير مناسب للزراعة لا ينبغي أن يرغم على الازدراع في حقل لا يناسب الزراعة‏.‏ ويوضح هذا المعنى أن آلة الازدراع بيد الرجل، فلو أكره على البقاء مع من لا حاجة له فيها حتى ترضى بذلك، فإنها إن أرادت أن تجامعه لا يقوم ذكره، ولا ينتشر إليها، فلم تقدر على تحصيل النسل منه، الذي هو أعظم الغرض من النكاح بخلاف الرجل، فإنه يولدها وهي كارهة كما هو ضروري‏.‏ قوله تعالى‏:‏

‏{‏الطَّلَـاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَـانٍ وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُواْ مِمَّآ ءَاتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلاَّ أَن يَخَافَآ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُوْلَـائِكَ هُمُ الظَّـالِمُونَ * فَإِن طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّىا تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِن طَلَّقَهَا فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَآ أَن يَتَرَاجَعَآ إِن ظَنَّآ أَن يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ‏}‏

، الطَّلَـاقُ مَرَّتَانِ ظاهر هذه الآية الكريمة أن الطلاق كله منحصر في المرتين، ولكنه تعالى بين أن المنحصر في المرتين هو الطلاق الذي تملك بعده الرجعة لا مطلقًا، وذلك بذكره الطلقة الثالثة التي لا تحل بعدها المراجعة إلا بعد زوج‏.‏ وهي المذكورة في قوله‏:‏ ‏{‏فَإِن طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ‏}‏، وعلى هذا القول فقوله‏:‏ ‏{‏أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَـانٍ‏}‏، يعني به عدم الرجعة‏.‏

وقال بعض العلماء الطلقة الثالثة هي المذكورة في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَـانٍ‏}‏، وروي هذا مرفوعًا إليه صلى الله عليه وسلم‏.‏

تنبيــه

ذكر بعض العلماء أن هذه الآية الكريمة التي هي قوله تعالى‏:‏ ‏{‏الطَّلَـاقُ مَرَّتَانِ‏}‏، يؤخذ منها وقوع الطلاق الثلاث في لفظ واحد وأشار البخاري بقوله‏:‏ ‏"‏ باب من جوّز الطلاق الثلاث؛ لقول اللَّه تعالى ‏{‏الطَّلَـاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَـانٍ‏}‏‏.‏

والظاهر أن وجه الدلالة المراد عند البخاري، هو ما قاله الكرماني من أنه تعالى لما قال‏:‏ ‏{‏الطَّلَـاقُ مَرَّتَانِ‏}‏، علمنا أن إحدى المرتين جمع فيها بين تطليقتين، وإذا جاز جمع التطليقتين دفعة، جاز جمع الثلاث، ورد ابن حجر هذا بأنه قياس مع وجود الفارق وجعل الآية دليلاً لنقيض ذلك‏.‏

قال مقيده عفا اللَّه عنه‏:‏ الظاهر أن الاستدلال بالآية غير ناهض؛ لأنه ليس المراد حصر الطلاق كله في المرتين حتى يلزم الجمع بين اثنتين في إحدى التطليقتين كما ذكر، بل المراد بالطلاق المحصور هو خصوص الطلاق الذي تملك بعده الرجعة كما ذكرنا، وكما فسر به الآية جماهير علماء التفسير‏.‏ وقال بعض العلماء وجه الدليل في الآية أن قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَـانٍ‏}‏، عام يتناول إيقاع الثلاث دفعة واحدة، ولا يخفى عدم ظهوره‏.‏ ولكن كون الآية لا دليل فيها على وقوع الثلاث بلفظ واحد، لا ينافي أن تقوم على ذلك أدلة وسنذكر أدلة ذلك، وأدلة من خالف فيه، والراجح عندنا في ذلك إن شاء اللَّه تعالى، مع إيضاح خلاصة البحث كله في آخر الكلام إيضاحًا تامًا‏.‏

فنقول وباللَّه نستعين‏:‏ اعلم أن من أدلة القائلين بلزوم الثلاث مجتمعة، حديث سهل بن سعد الساعدي، الثابت في الصحيح في قصة لعان عويمر العجلاني وزوجه؛ فإن فيه‏:‏ ‏"‏ فلما فرغا قال عويمر‏:‏ كذبت عليها يا رسول اللَّه، إن أمسكتها، فطلقها ثلاثًا قبل أن يأمره رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، قال ابن شهاب‏:‏ فكانت سنة المتلاعنين ‏"‏‏.‏

أخرج البخاري هذا الحديث تحت الترجمة المتقدمة عنه ووجه الدليل منه‏:‏ أنه أوقع الثلاث في كلمة واحدة، ولم ينكره رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم‏.‏

ورد المخالف الاستدلال بهذا الحديث؛ بأن المفارقة وقعت بنفس اللعان فلم يصادف تطليقه الثلاث محلاً، ورد هذا الاعتراض؛ بأن الاحتجاج بالحديث من حيث إن النبيّ صلى الله عليه وسلم لم ينكر عليه إيقاع الثلاث مجموعة، فلو كان ممنوعًا لأنكره، ولو كانت الفرقة بنفس اللعان‏.‏ وبأن الفرقة لم يدل على أنها بنفس اللعان كتاب، ولا سنة صريحة، ولا إجماع‏.‏ والعلماء مختلفون في ذلك‏.‏

فذهب مالك وأصحابه إلى أن الفرقة بنفس اللعان، وإنما تتحقق بلعان الزوجين معًا، وهو رواية عن أحمد‏.‏ وذهب الشافعي وأصحابه إلى أن الفرقة بنفس اللعان، وتقع عند فراغ الزوج من أيمانه قبل لعان المرأة، وهو قول سحنون من أصحاب مالك‏.‏

وذهب الثوري وأبو حنيفة وأتباعهما إلى أنها لا تقع حتى يوقعها الحاكم؛ واحتجّوا بظاهر ما وقع في أحاديث اللعان، فقد أخرج البخاري في ‏"‏ صحيحه ‏"‏، عن ابن عمر‏:‏ ‏"‏ أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، فرّق بين رجل وامرأة قذفها، وأحلفهما رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ‏"‏‏.‏ وأخرج أيضًا في ‏"‏ صحيحه ‏"‏ عن ابن عمر من وجه آخر أنه قال‏:‏ ‏"‏ لاعن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بين رجل وامرأة من الأنصار، وفرق بينهما ‏"‏‏.‏ ورواه باقي الجماعة عن ابن عمر، وبه تعلم أن قول يحيى بن معين‏:‏ إن الرواية بلفظ ‏"‏فرق ‏"‏ بين المتلاعنين خطأ، يعني في خصوص حديث سهل بن سعد المتقدم، لا مطلقًا، بدليل ثبوتها في الصحيح من حديث ابن عمر، كما ترى‏.‏ قال ابن عبد البرّ‏:‏ إن أراد من حديث سهل فسهل، وإلا فمردود‏.‏ وقال ابن حجر في ‏"‏ فتح الباري ‏"‏، ما نصه‏:‏ ويؤخذ منه أن إطلاق يحيى بن معين وغيره تخطئة الرواية بلفظ فرّق بين المتلاعنين، إنما المراد به في حديث سهل بخصوصه، فقد أخرجه أبو داود من طريق سفيان بن عيينة عن الزهري عنه بهذا اللفظ، وقال بعده لم يتابع ابن عيينة على ذلك أحد ثم أخرج من طريق ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن سعيد بن جبير، عن ابن عمر‏:‏ ‏"‏ فرّق رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بين أخوي بني العجلان ‏"‏ اهـ محل الغرض منه بلفظ، وقد قدمنا في حديث سهل‏:‏ ‏"‏ فكانت سنة المتلاعنين ‏"‏‏.‏

واختلف في هذا اللفظ هل هو مدرج من كلام الزهري فيكون مرسلاً وبه قال جماعة من العلماء ‏؟‏ أو هو من كلام سهل فهو مرفوع متصل ‏؟‏ ويؤيد كونه من كلام سهل ما وقع في حديث أبي داود من طريق عياض بن عبد اللَّه الفهري عن ابن شهاب عن سهل‏.‏ قال‏:‏ فطلقها ثلاث تطليقات عند رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فأنفذه رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، وكان ما صنع عند رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم سنة‏.‏

قال سهل‏:‏ حضرت هذا عند رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فمضت السنة بعد في المتلاعنين، أن يفرق بينهما، ثم لا يجتمعان أبدًا‏.‏

قال الشوكاني في ‏"‏نيل الأوطار‏"‏‏:‏ ورجاله رجال الصحيح‏.‏

قال مقيده عفا اللَّه عنه‏:‏ ومعلوم أن ما سكت عليه أبو داود فأقل درجاته عنده الحسن، وهذه الرواية ظاهرة في محل النزاع، وبها تعلم أن احتجاج البخاري لوقوع الثلاث دفعة بحديث سهل المذكور واقع موقعه؛ لأن المطلع على غوامض إشارات البخاري ـ رحمه اللَّه ـ يفهم أن هذا اللفظ الثابت في ‏"‏سنن أبي داود‏"‏، مطابق لترجمة البخاري، وأنه أشار بالترجمة إلى هذه الرواية ولم يخرجها؛ لأنها ليست على شرطه، فتصريح هذا الصحابي الجليل في هذه الرواية الثابتة‏:‏ ‏"‏بأن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنفذ طلاق الثلاث دفعة‏"‏ يبطل بإيضاح أنه لا عبرة بسكوته صلى الله عليه وسلم وتقريره له؛ بناء على أن الفرقة بنفس اللعان كما ترى‏.‏

وذهب عثمان البتي وأبو الشعثاء جابر بن زيد البصري، أحد أصحاب ابن عباس من فقهاء التابعين إلى أن الفرقة لا تقع حتى يوقعها الزوج، وذهب أبو عبيد إلى أنها تقع بنفس القذف وبهذا تعلم أن كون الفرقة بنفس اللعان ليس أمرًا قطعيًا، حتى ترد به دلالة تقرير النبيّ صلى الله عليه وسلم عويمر العجلاني، على إيقاع الثلاث دفعة، الثابت في الصحيح، لا سيما وقد عرفت أن بعض الروايات فيها التصريح بأنه صلى الله عليه وسلم أنفذ ذلك، فإن قيل قد وقع في حديث لأبي داود عن ابن عباس وقضى أن ليس عليه قوت ولا سكنى، من أجل أنهما يفترقان بغير طلاق ولا متوفى عنها‏.‏

فالجواب أن هذا التعليل لعدم إيجاب النفقة والسكنى؛ للملاعنة بعدم طلاق أو وفاة يحتمل كونه من ابن عباس، وليس مرفوعًا إليه صلى الله عليه وسلم‏.‏

وهذا هو الظاهر أن ابن عباس ذكر العلة لما قضى به رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم من عدم النفقة والسكنى، وأراه اجتهاده أن علة ذلك عدم الطلاق والوفاة‏.‏

والظاهر أن العلة الصحيحة لعدم النفقة والسكنى هي البينونة بمعناها الذي هو أعم من وقوعها بالطلاق أو بالفسخ، بدليل أن البائن بالطلاق لا تجب لها النفقة والسكنى على أصح الأقوال دليلاً‏.‏

فعلم أن عدم النفقة والسكنى لا يتوقف على عدم الطلاق‏.‏

وأوضح دليل في ذلك ما صح عنه صلى الله عليه وسلم من حديث فاطمة بنت قيس رضي اللَّه عنها‏:‏ ‏"‏ أنها طلقها زوجها آخر ثلاث تطليقات فلم يجعل لها رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم نفقة ولا سكنى ‏"‏ أخرجه مسلم في ‏"‏ صحيحه ‏"‏، والإمام أحمد وأصحاب السنن، وهو نص صريح صحيح في أن البائن بالطلاق لا نفقة لها ولا سكنى، وهذا الحديث أصح من حديث ابن عباس المتقدم‏.‏

وصرح الأئمة بأنه لم يثبت من السنة ما يخالف حديث فاطمة هذا، وما وقع في بعض الروايات عن عمر أنه قال‏:‏ سمعت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يقول لها‏:‏ ‏"‏ السكنى والنفقة ‏"‏‏.‏ فقال قال الإمام أحمد‏:‏ لا يصح ذلك عن عمر‏.‏

وقال الدارقطني‏:‏ السنة بيد فاطمة قطعًا، وأيضًا تلك الرواية عن عمر من طريق إبراهيم النخعي ومولده بعد موت عمر بسنتين‏.‏

قال ابن القيم‏:‏ ونحن نشهد باللَّه شهادة نسأل عنها إذا لقيناه، أنها كذب على عمر وكذب على رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، فإذا حققت أن السنة معها وأنها صاحبة القصة، فاعلم أنها لما سمعت قول عمر لا نترك كتاب اللَّه وسنة نبيّنا صلى الله عليه وسلم لقول امرأة، لا ندري لعلها حفظت أو نسيت، قالت‏:‏ بيني وبينكم كتاب اللَّه‏.‏ قال اللَّه‏:‏ ‏{‏فَطَلّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ‏}‏، حتى قال‏:‏ ‏{‏لا تَدْرِى لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً‏}‏‏.‏ فأي أمر يحدث بعد الثلاث، رواه أبو داود، والنسائي، وأحمد، ومسلم بمعناه‏.‏ فتحصل أن السنة بيدها، وكتاب اللَّه معها‏.‏

وهذا المذهب بحسب الدليل هو أوضح المذاهب وأصوبها‏.‏ وللعلماء في نفقة البائن وسكناها أقوال غير هذا‏.‏ فمنهم من أوجبهما معًا، ومنهم من أوجب السكنى دون النفقة، ومنهم من عكس‏.‏

فالحاصل أن حديث فاطمة هذا يرد تعليل ابن عباس المذكور، وأنه أصح من حديثه، وفيه التصريح بأن سقوط النفقة والسكنى لا يتوقف على عدم الطلاق، بل يكون مع الطلاق البائن‏.‏ وأيضًا فالتصريح بأنه صلى الله عليه وسلم أنفذ الثلاث دفعة في الرواية المذكورة أولى بالاعتبار من كلام ابن عباس المذكور؛ لأن من حفظ حجة على من لم يحفظ‏.‏ وهذا الصحابي حفظ إنفاذ الثلاث، والمثبت مقدم على النافي‏.‏

فإن قيل‏:‏ إنفاذه صلى الله عليه وسلم الثلاث دفعة من الملاعن على الرواية المذكورة لا يكون حجة في غير اللعان؛ لأن اللعان تجب فيه الفرقة الأبدية‏.‏ فإنفاذ الثلاث مؤكد لذلك الأمر الواجب بخلاف الواقع في غير اللعان‏.‏

ويدلّ لهذا أن النبيّ صلى الله عليه وسلم غضب من إيقاع الثلاث دفعة في غير اللعان، وقال‏:‏ ‏"‏أيُلعب بكتاب اللَّه وأنا بين أظهركم ‏؟‏ ‏"‏ كما أخرجه النسائي من حديث محمود بن لبيد فالجواب من أربعة أوجه‏:‏

الأول‏:‏ الكلام في حديث محمود بن لبيد، فإنه تكلم من جهتين‏:‏

الأولى‏:‏ أنه مرسل؛ لأن محمود بن لبيد لم يثبت له سماع من رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، وإن كانت ولادته في عهده صلى الله عليه وسلم، وذكره في الصحابة من أجل الرؤية، وقد ترجم له أحمد في مسنده، وأخرج له عدة أحاديث ليس فيها شىء صرّح فيه بالسماع‏.‏

الثانية‏:‏ أن النسائي قال بعد تخريجه لهذا الحديث لا أعلم أحدًا رواه غير مخرمة بن بكير‏.‏ يعني ابن الأشج عن أبيه، ورواية مخرمة عن أبيه، وجادة من كتابه، قاله أحمد وابن معين وغيرهما‏.‏

وقال ابن المديني‏:‏ سمع من أبيه قليلاً‏.‏ قال ابن حجر في ‏"‏ التقريب ‏"‏‏:‏ روايته عن أبيه وجادة من كتابه، قال أحمد وابن معين وغيرهما، وقال ابن المديني‏:‏ سمع من أبيه قليلاً‏.‏

قال مقيده عفا اللَّه عنه‏:‏ أما الإعلال الأول بأنه مرسل، فهو مردود بأنه مرسل صحابي ومراسيل الصحابة لها حكم الوصل‏.‏ ومحمود بن لبيد المذكور جلّ روايته عن الصحابة‏.‏ كما قاله ابن حجر في ‏"‏ التقريب ‏"‏ وغيره‏.‏

والإعلال الثاني بأن رواية مخرمة عن أبيه وجادة من كتابه فيه أن مسلمًا أخرج في ‏"‏ صحيحه ‏"‏ عدة أحاديث من رواية مخرمة عن أبيه، والمسلمون مجمعون على قبول أحاديث مسلم؛ إلا بموجب صريح يقتضي الرد، فالحق أن الحديث ثابت إلا أن الاستدلال به يرده‏.‏

الوجه الثاني‏:‏ وهو أن حديث محمود ليس فيه التصريح بأنه صلى الله عليه وسلم أنفذ الثلاث، ولا أنه لم ينفذها، وحديث سهل على الرواية المذكورة فيه التصريح بأنه أنفذها، والمبين مقدم على المجمل، كما تقرر في الأصول بل بعض العلماء احتجّ لإيقاع الثلاث دفعة، بحديث محمود هذا‏.‏

ووجه استدلاله به أنه طلق ثلاثًا يظن لزومها، فلو كانت غير لازمة لبيّن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنها غير لازمة؛ لأن البيان لا يجوز تأخيره عن وقت الحاجة‏.‏

الوجه الثالث‏:‏ أن إمام المحدّثين محمد بن إسماعيل البخاري رحمه اللَّه أخرج حديث سهل تحت الترجمة التي هي قوله‏:‏ ‏"‏ باب من جوز الطلاق الثلاث ‏"‏ وهو دليل على أنه يرى عدم الفرق بين اللعان وغيره، في الاحتجاج بإنفاذ الثلاث دفعة‏.‏

الوجه الرابع‏:‏ هو ما سيأتي من الأحاديث الدالّة على وقوع الثلاث دفعة، كحديث ابن عمر، وحديث الحسن بن علي، وإن كان الكل لا يخلو من كلام‏.‏ وممن قال بأن اللعان طلاق لا فسخ‏:‏ أبو حنيفة، ومحمد بن الحسن، وحماد، وصح عن سعيد بن المسيب، كما نقله الحافظ ابن حجر في ‏"‏ فتح الباري ‏"‏، وعن الضحاك والشعبي‏:‏ إذا أكذب نفسه ردت إليه امرأته‏.‏

وبهذا كله تعلم أن رد الاحتجاج بتقريره صلى الله عليه وسلم عويمر العجلاني، على إيقاع الثلاث دفعة، بأن الفرقة بنفس اللعان لا يخلو من نظر، ولو سلمنا أن الفرقة بنفس اللعان فإنا لا نسلم أن سكوته صلى الله عليه وسلم لا دليل فيه، بل نقول لو كانت لا تقع دفعة لبيّن أنها لا تقع دفعة، ولو كانت الفرقة بنفس اللعان، كما تقدم‏.‏

ومن أدلّتهم حديث عائشة الثابت في الصحيح في قصة رفاعة القرظي وامرأته،

فإن فيه‏:‏ ‏"‏ فقالت‏:‏ يا رسول اللَّه ‏!‏ إن رفاعة طلقني فبتّ طلاقي ‏"‏ الحديث‏.‏ وقد أخرجه البخاري تحت الترجمة المتقدمة، فإن قولها فبتّ طلاقي ظاهر في أنه قال لها‏:‏ أنت طالق البتّة‏.‏

قال مقيده عفا اللَّه عنه‏:‏ الاستدلال بهذا الحديث غير ناهض فيما يظهر؛ لأن مرادها بقولها‏:‏ فبتّ طلاقي أي‏:‏ بحصول الطلقة الثالثة‏.‏

ويبيّنه أن البخاري ذكر في كتاب الأدب من وجه آخر أنها قالت‏:‏ طلقني آخر ثلاث تطليقات، وهذه الرواية تبين المراد من قولها فبتّ طلاقي، وأنه لم يكن دفعة واحدة، ومن أدلتهم حديث عائشة الثابت في الصحيح‏.‏ وقد أخرجه البخاري تحت الترجمة المذكورة أيضًا‏:‏‏"‏ أن رجلاً طلق امرأته ثلاثًا، فتزوجت فطلق، فسئل النبيّ صلى الله عليه وسلم أتحل للأول ‏؟‏ قال‏:‏ ‏"‏لا، حتى يذوق عسيلتها كما ذاق الأول ‏"‏ فإن قوله ثلاثًا ظاهر في كونها مجموعة، واعترض الاستدلال بهذا الحديث بأنه مختصر من قصة رفاعة، وقد قدّمنا قريبًا أن بعض الروايات الصحيحة دلّ على أنها ثلاث مفرقة لا مجموعة، وردّ هذا الاعتراض بأن غير رفاعة قد وقع له مع امرأته نظير ما وقع لرفاعة، فلا مانع من التعدد، وكون الحديث الأخير في قصة أخرى كما ذكره الحافظ ابن حجر في الكلام على قصة رفاعة، فإنه قال فيها ما نصّه‏:‏ وهذا الحديث إن كان محفوظًا فالواضح من سياقه أنها قصة أخرى‏.‏ وأن كلاًّ من رفاعة القرظي ورفاعة النضري وقع له مع زوجة له طلاق، فتزوج كلاًّ منهما عبد الرحمان بن الزبير فلطقها قبل أن يمسها، فالحكم في قصتهما متحد مع تغاير الأشخاص‏.‏ وبهذا يتبيّن خطأ من وحد بينهما ظنًّا منه أن رفاعة بن سموءل هو رفاعة بن وهب‏.‏ ا هـ محل الحاجة منه بلفظه‏.‏ ومن أدلّتهم ما أخرجه النسائي عن محمود بن لبيد قال‏:‏ ‏"‏ أخبر النبيّ صلى الله عليه وسلم عن رجل طلق امرأته ثلاث تطليقات جميعًا، فقام مغضبًا، فقال‏:‏ ‏"‏أيلعب بكتاب اللَّه وأنا بين أظهركم ‏؟‏ ‏"‏ وقد قدّمنا أن وجه الاستدلال منه‏:‏ أن المطلق يظن الثلاث المجموعة واقعة، فلو كانت لا تقع لبيّن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنها لا تقع؛ لأنه لا يجوز في حقه تأخير البيان عن وقت الحاجة إليه‏.‏

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
الهدى

avatar

عدد المساهمات : 326
التميز : 1
تاريخ التسجيل : 14/10/2009

مُساهمةموضوع: تفسير اضواء البيان فى ايضاح القران بالقران   الإثنين يناير 11, 2010 4:24 am


وقد قال ابن كثير في حديث محمود هذا‏:‏ أن إسناده جيد، وقال الحافظ في ‏"‏ بلوغ المرام ‏"‏‏:‏ رواته موثقون، وقال في ‏"‏ الفتح ‏"‏‏:‏ رجاله ثقات، فإن قيل‏:‏ غضب النبيّ صلى الله عليه وسلم، وتصريحه بأن ذلك الجمع للطلقات لعب بكتاب اللَّه يدلّ على أنها لا تقع؛ لقوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردّ ‏"‏، وفي رواية‏:‏ ‏"‏ من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد‏"‏، فالجواب أن كونه ممنوعًا ابتداء لا ينافي وقوعه بعد الإيقاع، ويدلّ له ما سيأتي قريبًا عن ابن عمر من قوله لمن سأله‏:‏ وأن كنت طلقتها ثلاثًا فقد حرمت عليك حتى تنكح زوجًا غيرك، وعصيت اللَّه فيما أمرك به من طلاق امرأتك، ولا سيما على قول الحاكم‏:‏ إنه مرفوع، وهذا ثابت عن ابن عمر في الصحيح ويؤيده ما سيأتي إن شاء اللَّه قريبًا من حديثه المرفوع عند الدارقطني أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال له‏:‏ ‏"‏كانت تبين منك وتكون معصية‏"‏، ويؤيده أيضًا ما سيأتي إن شاء اللَّه عن ابن عباس بإسناد صحيح أنه قال لمن سأله عن ثلاث أوقعها دفعة‏:‏ ‏"‏إنك لم تتق اللَّه فيجعل لك مخرجًا، عصيت ربك، وبانت منك امرأتك‏"‏‏.‏


وبالجملة، فالمناسب لمرتكب المعصية التشديد لا التخفيف بعدم الإلزام، ومن أدلتهم ما أخرجه الدارقطني عن ابن عمر رضي اللَّه عنهما، أنه قال‏:‏ فقلت‏:‏ يا رسول اللَّه ‏!‏ أرأيت لو طلقتها ثلاثًا أكان يحل لي أن أراجعها ‏؟‏


قال‏:‏ ‏"‏لا، كانت تبين منك وتكون معصية ‏"‏، وفي إسناده عطاء الخراساني وهو مختلف فيه، وقد وثقه الترمذي، وقال النسائي وأبو حاتم‏:‏ لا بأس به، وكذبه سعيد بن المسيب، وضعفه غير واحد، وقال البخاري‏:‏ ليس فيمن روي عن مالك من يستحق الترك غيره، وقال شعبة‏:‏ كان نسيًّا، وقال ابن حبان‏:‏ كان من خبار عباد اللَّه، غير أنه كثير الوهم سَيِّىءَ الحفظ، يخطىء ولا يدري، فلما كثر ذلك في روايته بطل الاحتجاج به‏.‏ وأيضًا الزيادة التي هي محل الحجة من الحديث أعني قوله‏:‏ ‏"‏ أرأيت لو طلقتها ‏"‏ الخ مما تفرد به عطاء المذكور‏.‏ وقد شاركه الحفاظ في أصل الحديث، ولم يذكروا الزيادة المذكورة‏.‏ وفي إسنادها شعيب بن زريق الشامي وهو ضعيف، وأعلّ عبد الحق في أحكامه هذا الحديث، بأن في أسناده معلى بن منصور، وقال‏:‏ رماه أحمد بالكذب‏.‏


قال مقيده عفا اللَّه عنه‏:‏ أما عطاء الخراساني المذكور فهو من رجال مسلم في ‏"‏ صحيحه ‏"‏، وأما معلى بن منصور فقد قال فيه ابن حجر في ‏"‏ التقريب ‏"‏‏:‏ ثقة سني فقيه طلب للقضاء فامتنع، أخطأ من زعم أن أحمد رماه بالكذب، أخرج له الشيخان وباقي الجماعة‏.‏ وأما شعيب بن زريق أبو شيبة الشامي فقد قال فيه ابن حجر في ‏"‏ التقريب ‏"‏‏:‏ صدوق يخطىء، ومن كان كذلك فليس مردود الحديث، لا سيما وقد اعتضدت روايته بما تقدم في حديث سهل، وبما رواه البيهقي عن الحسن بن علي رضي اللَّه عنهما، فإنه قال في ‏(‏السنن الكبرى‏)‏، ما نصّه‏:‏ أخبرنا أبو الحسن علي بن أحمد بن عبدان‏:‏ أنا أحمد بن عبيد الصفار، أنا إبراهيم بن محمد الواسطي، أنا محمد بن حميد الرازي، أنا سلمة بن الفضل، عن عمرو بن أبي قيس، عن إبراهيم بن عبد الأعلى، عن سويد بن غفلة، قال‏:‏ كانت عائشة الخثعمية عند الحسن بن عليّ رضي اللَّه عنهما، فلما قتل عليّ رضي اللَّه عنه قالت‏:‏ لتهنك الخلافة، قال‏:‏ بقتل علي تظهرين الشماتة، إذهبي فأنت طالق، يعني ثلاثًا قال‏:‏ فتلفعت بثيابها وقعدت حتى قضت عدتها، فبعث إليها ببقية بقيت لها من صداقها وعشرة آلاف صدقة، فلما جاءها الرسول قالت‏:‏ متاع قليل من حبيب مفارق، فلما بلغه قولها بكى ثم قال‏:‏ لولا أني سمعت جدي أو حدثني أبي أنه سمع جدي يقول‏:‏ ‏"‏ أيما رجل طلق امرأته ثلاثًا عند الأقراء‏"‏، أو ‏"‏ثلاثًا مبهمة لم تحل له حتى تنكح زوجًا غيره‏"‏ لراجعتها‏.‏


وكذلك روي عن عمرو بن شمر، عن عمران بن مسلم، وإبراهيم بن عبد الأعلى، عن سويد بن غفلة‏.‏ اهـ منه بلفظه‏.‏ وضعف هذا الإسناد بأن فيه محمد بن حميد بن حيان الرازي، قال فيه ابن حجر في ‏(‏التقريب‏)‏‏:‏ حافظ ضعيف، وكان ابن معين حسن الرأي فيه، أن فيه أيضًا سلمة بن الفضل الأبرش، مولى الأنصار قاضي الري قال فيه في ‏(‏التقريب‏)‏‏:‏ صدوق كثير الخطأ وروي من غير هذا الوجه وروي نحوه الطبراني من حديث سويد بن غفلة، وضعف الحديث إسحاق بن راهويه، ويؤيد حديث ابن عمر المذكور أيضًا ما ثبت في الصحيح عن ابن عمر من أنه قال‏:‏ ‏"‏ وإن كنت طلقتها ثلاثًا فقد حرمت عليك حتى تنكح زوجًا غيرك، وعصيت اللَّه فيما أمرك به من طلاق امرأتك ‏"‏‏.‏ ولا سيّما على قول الحاكم‏:‏ إنه مرفوع، وعلى ثبوت حديث ابن عمر المذكور، فهو ظاهر في محل النزاع‏.‏ فما ذكره بعض أهل العلم من أنه لو صح لم يكن فيه حجة؛ بناء على حمله على كون الثلاث مفرقة لا مجتمعة، فهو بعيد‏.‏ والحديث ظاهر في كونها مجتمعة؛ لأن ابن عمر لا يسأل عن الثلاث المتفرقة إذ لا يخفى عليه أنها محرمة، وليس محل نزاع‏.‏ ومن أدلتهم ما أخرجه عبد الرزاق في ‏"‏ مصنفه ‏"‏، عن عبادة بن الصامت، قال‏:‏ ‏"‏ طلق جدي امرأة له ألف تطليقة، فانطلق إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فذكر له ذلك، فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ما اتقى اللَّه جدك، أما ثلاث فله‏.‏ وأما تسعمائة وسبع وتسعون فعدوان وظلم، إن شاء اللَّه عذبه وإن شاء غفر له ‏"‏‏.‏ وفي رواية‏:‏ ‏"‏إن أباك لم يتقّ اللَّه فيجعل له مخرجًا، بانت منه بثلاث على غير السنة، وتسعمائة وسبع وتسعون إثم في عنقه ‏"‏، وفي إسناده يحيى بن العلاء، وعبيد اللَّه بن الوليد، وإبراهيم بن عبيد اللَّه، ولا يحتجّ بواحد منهم‏.‏


وقد رواه بعضهم عن صدقة بن أبي عمران، عن إبراهيم بن عبيد اللَّه بن عبادة بن الصامت عن أبيه عن جده‏.‏ ومن أدلتهم ما رواه ابن ماجه عن الشعبي قال‏:‏ قلت لفاطمة بنت قيس‏:‏ حدّثيني عن طلاقك، قالت‏:‏ طلّقني زوجي ثلاثًا، وهو خارج إلى اليمن، فأجاز ذلك رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم‏.‏


وفي رواية أبي أُسامة عن هشام بن عروة عن أبيه، عن فاطمة بنت قيس قالت‏:‏ ‏"‏ يا رسول اللَّه، إن زوجي طلّقني ثلاثًا، فأخاف أن يقتحم عليّ فأمرها فتحولت ‏"‏‏.‏


وفي مسلم من رواية أبي سلمة، أن فاطمة بنت قيس أخبرته أن أبا حفص بن المغيرة المخزومي طلّقها ثلاثًا ثم انطلق إلى اليمن الخ‏.‏‏.‏‏.‏ وفيه عن أبي سلمة أيضًا أنها قالت‏:‏ ‏"‏ فطلّقني البتّة ‏"‏‏.‏


قالوا‏:‏ فهذه الروايات ظاهرة، في أن الطلاق كان بالثلاث المجتمعة، ولا سيّما حديث الشعبي؛ لقولها فيه‏:‏ فأجاز ذلك رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، إذ لا يحتاج إلى الإخبار بإجازته إلا الثلاث المجتمعة، وردّ الاستدلال بهذا الحديث بما ثبت في بعض الروايات الصحيحة، كما أخرجه مسلم من رواية أبي سلمة أيضًا‏:‏ أن فاطمة أخبرته أنها كانت تحت أبي عمرو بن حفص بن المغيرة فطلّقها آخر ثلاث تطليقات‏.‏


فهذه الرواية تفسر الروايات المتقدمة، وتظهر أن المقصود منها أن ذلك وقع مفرّقًا لا دفعة، وردّ بعضهم هذا الاعتراض بأن الروايات المذكورة تدلّ على عدم تفريق الصحابة والتابعين بين صيغ البينونة الثلاث، يعنون لفظ البتة والثلاث المجتمعة، والثلاث المتفرقة؛ لتعبيرها في بعض الروايات بلفظ طلّقني ثلاثًا، وفي بعضها بلفظ‏:‏ طلّقني البتّة، وفي بعضها بلفظ‏:‏ فطلّقني آخر ثلاث تطليقات‏.‏ فلم تخص لفظًا منها عن لفظ؛ لعلمها بتساوي الصيغ‏.‏


ولو علمت أن بعضها لا يحرم لاحترزت منه‏.‏


قالوا‏:‏ والشعبي قال لها‏:‏ حدّثيني عن طلاقك، أي‏:‏ عن كيفيته وحاله‏.‏ فكيف يسأل عن الكيفية ويقبل الجواب بما فيه عنده إجمال من غير أن يستفسر عنه، وأبو سلمة روى عنها الصيغ الثلاث، فلو كان بينه عنده تفاوت لاعترض عليها باختلاف ألفاظها‏.‏ وتثبت حتى يعلم منها بأي الصيغ وقعت بينونتها، فتركه لذلك دليل على تساوي الصيغ المذكورة عنده هكذا ذكره بعض الأجلاء‏.‏


والظاهر أن هذا الحديث لا دليل فيه؛ لأن الروايات التي فيها إجمال بينتها الرواية الصحيحة الأخرى كما هو ظاهر، والعلم عند اللَّه تعالى‏.‏


ومن أدلتهم ما رواه أبو داود والدارقطني وقال‏:‏ قال أبو داود‏:‏ هذا حديث حسن صحيح، والشافعي، والترمذي، وابن ماجه، وصححه ابن حبان والحاكم عن ركانة بن عبد اللَّه أنه طلق امرأته سهيمة البتة، فأخبر النبيّ صلى الله عليه وسلم بذلك‏.‏ فقال‏:‏ واللَّه ما أردت إلا واحدة، فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏واللَّه ما أردت إلا واحدة ‏"‏‏؟‏ فقال ركانة‏:‏ واللَّه ما أردت إلا واحدة، فردها إليه رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، وطلّقها الثانية في زمان عمر بن الخطاب، والثالثة في زمن عثمان، فهذا الحديث صححه أبو داود، وابن حبان، والحاكم‏.‏


وقال فيه ابن ماجه‏:‏ سمعت أبا الحسن علي بن محمد الطنافسي يقول‏:‏ ما أشرف هذا الحديث‏.‏


وقال الشوكاني في ‏"‏ نيل الأوطار ‏"‏‏:‏ قال ابن كثير‏:‏ قد رواه أبو داود من وجه آخر، وله طرق أُخر، فهو حسن إن شاء اللَّه‏.‏ وهو نصّ في محل النزاع؛ لأن تحليفه صلى الله عليه وسلم لركانة ما أراد بلفظ البتة إلا واحدة دليل على أنه لو أراد بها أكثر من الواحدة لوقع، والثلاث أصرح في ذلك في لفظ البتّة؛ لأن البتّة كناية والثلاث صريح، ولو كان لا يقع أكثر من واحدة، لما كان لتحليفه معنى مع اعتضاد هذا الحديث بما قدمنا من الأحاديث‏.‏ وبما سنذكره بعده إن شاء اللَّه تعالى، وإن كان الكل لا يخلو من كلام، مع أن هذا الحديث تكلم فيه‏:‏ بأن في إسناده الزبير بن سعيد بن سليمان بن سعيد بن نوفل بن الحارث بن عبد المطّلب الهاشمي‏.‏


قال فيه ابن حجر في ‏"‏ التقريب ‏"‏‏:‏ لين الحديث، وقد ضعفه غير واحد‏.‏ وقيل‏:‏ إنه متروك، والحق ما قاله فيه ابن حجر من أنه ليّن الحديث‏.‏


وذكر الترمذي عن البخاري أنه مضطرب فيه‏.‏ يقال ثلاثًا، وتارة قيل واحدة‏.‏ وأصحها أنه طلّقها البتّة، وأن الثلاث ذكرت فيه على المعنى‏.‏


وقال ابن عبد البرّ في ‏"‏ التمهيد ‏"‏‏:‏ تكلموا في هذا الحديث، وقد قدّمنا آنفًا تصحيح أبي داود، وابن حبان، والحاكم له، وأن ابن كثير قال‏:‏ إنه حسن وإنه معتضد بالأحاديث المذكورة قبله، كحديث ابن عمر عند الدارقطني، وحديث الحسن عند البيهقي، وحديث سهل بن سعد الساعدي في لعان عويمر وزوجه، ولا سيّما على رواية فأنفذه رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يعني الثلاث بلفظ واحد كما تقدم‏.‏


ويعتضد أيضًا بما رواه أبو داود، والترمذي، والنسائي، عن حماد بن زيد، قال‏:‏ قلت لأيوب‏:‏ هل علمت أحدًا قال في أمرك بيدك أنها ثلاث غير الحسن ‏؟‏ قال‏:‏ لا، ثم قال‏:‏ اللهمّ غفرًا إلاّ ما حدّثني قتادة عن كثير، مولى ابن سمرة، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة رضي اللَّه عنه، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏ثلاث‏"‏‏.‏ فلقيت كثيرًا فسألته فلم يعرفه فرجعت إلى قتادة فأخبرته فقال‏:‏ نسي‏.‏


وقال الترمذي‏:‏ لا نعرفه إلا من حديث سليمان بن حرب، عن حماد بن زيد، وتكلّم في هذا الحديث من ثلاث جهات‏:‏


الأولى‏:‏ أن البخاري لم يعرفه مرفوعًا، وقال إنه موقوف على أبي هريرة ويجاب عن هذا‏:‏ بأن الرفع زيادة، وزيادة العدل مقبولة، وقد رواه سليمان بن حرب، عن حماد بن زيد مرفوعًا وجلالتهما معروفة‏.‏


قال في ‏"‏ مراقي السعود ‏"‏‏:‏ والرفع والوصل وزيد اللفظ مقبولة عند إمام الحفظ




الثانية‏:‏ أن كُثيرًا نسيه، ويجاب عن هذا بأن نسيان الشيخ لا يبطل رواية من روى عنه؛ لأنه يقل راو يحفظ طول الزمان ما يرويه، وهذا قول الجمهور‏.‏


وقد روى سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة‏:‏ أن النبيّ صلى الله عليه وسلم، قضى بالشاهد واليمين ونسيه، فكان يقول‏:‏ حدّثني ربيعة عني ولم ينكر عليه أحد، وأشار إليه العراقي في ألفيته بقوله‏:‏ وإن يرده بلا أذكر أو ما يقتضي نسيانه فقد رأوا


الحكم للذاكر عند المعظم وحكي الإسقاط عن بعضهم


كقصة الشاهد واليمين إذ نسيه سهيل الذي أخذ عنه،


فكان بعد عن ربيعه عن نفسه يرويه لن يضيعه




الثالثة‏:‏


تضعيفه بكثير مولى ابن سمرة، كما قال ابن حزم إنه مجهول، ويجاب عنه بأن ابن حجر قال في ‏"‏ التقريب ‏"‏‏:‏ إنه مقبول، ومن أدلتهم ما رواه الدارقطني من حديث زاذان عن عليّ رضي اللَّه عنه قال‏:‏ سمع النبيّ صلى الله عليه وسلم رجلاً طلق البتّة فغضب، وقال‏:‏ ‏"‏أتتخذون آيات اللَّه هزوًا ‏؟‏ أو دين اللَّه هزوًا، أو لعبًا ‏؟‏ من طلق البتّة ألزمناه ثلاثًا لا تحل له حتى تنكح زوجًا غيره‏"‏، وفيه إسماعيل بن أُمية، قال فيه الدارقطني‏:‏ كوفي ضعيف‏.‏


ومن أدلتهم ما رواه الدارقطني من حديث حماد بن زيد، حدّثنا عبد العزيز بن صهيب عن أنس قال‏:‏ سمعت أنس بن مالك يقول‏:‏ سمعت معاذ بن جبل يقول‏:‏ سمعت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏"‏ يا معاذ من طلق للبدعة واحدة أو اثنتين أو ثلاثًا ألزمناه بدعته ‏"‏، وفي إسناده إسماعيل بن أمية الذارع وهو ضعيف أيضًا‏.‏ فهذه الأحاديث وإن كانت لا يخلو شىء منها من مقال فإن كثرتها واختلاف طرقها وتباين مخارجها يدل على أن لها أصلاً، والضعاف المعتبر بها إذا تباينت مخارجها شدّ بعضها بعضًا فصلح مجموعها للاحتجاج، ولا سيّما أن منها ما صححه بعض العلماء كحديث طلاق ركانة البتّة، وحسنه ابن كثير ومنها ما هو صحيح، وهو رواية إنفاذه صلى الله عليه وسلم طلاق عويمر ثلاثًا، مجموعة عند أبي داود‏.‏


وقد علمت معارضة تضعيف حديث ابن عمر عند الدارقطني من جهة عطاء الخراساني، ومعلى بن منصور، وشعيب بن زريق، إلى آخر ما تقدم‏:‏ لا تخاصم بواحد أهل بيت فضعيفان يغلبان قويًا




وقال النووي في ‏"‏ شرح مسلم ‏"‏، ما نصّه‏:‏ واحتجّ الجمهور بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لاَ * تَدْرِى لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً‏}‏‏.‏


قالوا‏:‏ معناه أن المطلق قد يحدث له ندم فلا يمكنه تداركه؛ لوقوع البينونة، فلو كانت الثلاث لا تقع لم يقع طلاقه هذا إلا رجعيًا، فلا يندم‏.‏ اهـ محل الغرض منه بلفظه‏.‏


قال مقيده عفا اللَّه عنه‏:‏ ومما يؤيد هذا الاستدلال القرءاني ما أخرجه أبو داود بسند صحيح من طريق مجاهد قال‏:‏ كنت عند ابن عباس فجاءه رجل فقال إنه طلق امرأته ثلاثًا، فسكت حتى ظننت أنه سيردها إليه، فقال‏:‏ ينطلق أحدكم فيركب الأحموقة، ثم يقول يا ابن عباس، إن اللَّه قال‏:‏ ‏{‏وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً‏}‏، وإنك لم تتق اللَّه، فلا أجد لك مخرجًا، عصيت ربك، وبانت منك امرأتك‏.‏ وأخرج له أبو داود متابعات عن ابن عباس بنحوه، وهذا تفسير من ابن عباس للآية بأنها يدخل في معناها ‏{‏وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ‏}‏، ولم يجمع الطلاق في لفظة واحدة يجعل له مخرجًا بالرجعة، ومن لم يتقه في ذلك بأن جمع الطلقات في لفظ واحد لم يجعل له مخرجًا بالرجعة؛ لوقوع البينونة بها مجتمعة، هذا هو معنى كلامه، الذي لا يحتمل غيره‏.‏ وهو قوي جدًا في محل النزاع؛ لأنه مفسر به قرءانًا، وهو ترجمان القرءَان وقد قال صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ اللهم علّمه التأويل ‏"‏‏.‏ وعلى هذا القول جلّ الصحابة، وأكثر العلماء، منهم الأئمة الأربعة‏.‏ وحكى غير واحد عليه الإجماع، واحتجّ المخالفون بأربعة أحاديث الأول‏:‏ حديث ابن إسحاق، عن داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس عند أحمد وأبي يعلىا، وصححه بعضهم قال‏:‏ طلّق ركانة بن عبد يزيد امرأته ثلاثًا في مجلس واحد، فحزن عليها حزنًا شديدًا فسأله النبيّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏كيف طلّقتها‏"‏ ‏؟‏ قال‏:‏ ثلاثًا في مجلس واحد، فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ إنما تلك واحدة، فارتجعها إن شئت ‏"‏ فارتجعها‏.‏


قال مقيده عفا اللَّه عنه‏:‏ الاستدلال بهذا الحديث مردود من ثلاثة أوجه‏:‏


الأول‏:‏ أنه لا دليل فيه البتّة على محل النزاع على فرض صحته، لا بدلالة المطابقة، ولا بدلالة التضمن، ولا بدلالة الالتزام؛ لأن لفظ المتن أن الطلقات الثلاث واقعة في مجلس واحد، ولا شك أن كونها في مجلس واحد لا يلزم منه كونها بلفظ واحد، فادعاء أنها لما كانت في مجلس واحد، لا بد أن تكون بلفظ واحد في غاية البطلان كما ترى؛ إذ لم يدل كونها في مجلس واحد، على كونها بلفظ واحد‏.‏ بنقل ولا عقل، ولا لغة كما لا يخفى على أحد‏.‏ بل الحديث أظهر في كونها ليست بلفظ واحد، إذ لو كانت بلفظ واحد، لقال بلفظ واحد وترك ذكر المجلس؛ إذ لا داعي لترك الأخص والتعبير بالأعم بلا موجب، كما ترى‏.‏


وبالجملة فهذا الدليل يقدح فيه بالقادح المعروف عند أهل الأصول بالقول بالموجب، فيقال‏:‏ سلمنا أنها في مجلس واحد، ولكن من أين لك أنها بلفظ واحد فافهم‏.‏ وسترى تمام هذا المبحث إن شاء اللَّه، في الكلام على حديث طاوس عند مسلم‏.‏


الثاني‏:‏ أن داود بن الحصين الذي هو راوي هذا الحديث عن عكرمة ليس بثقة في عكرمة‏.‏


قال ابن حجر في ‏"‏ التقريب ‏"‏‏:‏ داود بن الحصين الأموي مولاهم أبو سليمان المدني ثقة إلا في عكرمة، ورمى برأي الخوارج اهـ‏.‏ وإذا كان غير ثقة في عكرمة كان الحديث المذكور من رواية غير ثقة‏.‏ مع أنه قدمنا أنه لو كان صحيحًا لما كانت فيه حجة‏.‏


الثالث‏:‏ ما ذكره ابن حجر في ‏"‏ فتح الباري ‏"‏، فإنه قال فيه ما نصّه‏:‏ الثالث‏:‏ أن أبا داود رجح أن ركانة إنما طلق امرأته البتّة كما أخرجه هو من طريق آل بيت ركانة، وهو تعليل قوي؛ لجواز أن يكون بعض رواته حمل البتّة على الثلاث، فقال طلقها ثلاثًا، فبهذه النكتة يقف الاستدلال بحديث ابن عباس‏.‏ اهـ منه بلفظه‏.‏


يعني حديث ابن إسحاق عن داود بن الحصين المذكور عن عكرمة، عن ابن عباس، مع أنا قدمنا أن الحديث لا دليل فيه أصلاً على محل النزاع‏.‏ وبما ذكرنا يظهر سقوط الاستدلال بحديث ابن إسحاق المذكور‏.‏


الحديث الثاني من الأحاديث الأربعة التي استدلّ بها من جعل الثلاث واحدة‏:‏ هو ما جاء في بعض روايات حديث ابن عمر، من أنه طلق امرأته في الحيض ثلاثًا فاحتسب بواحدة، ولا يخفى سقوط هذا الاستدلال، وأن الصحيح أنه إنما طلقها واحدة، كما جاء في الروايات الصحيحة عند مسلم وغيره‏.‏


وقال النووي في ‏"‏ شرح مسلم ‏"‏، ما نصّه‏:‏ وأما حديث ابن عمر فالروايات الصحيحة التي ذكرها مسلم وغيره أنه طلقها واحدة‏.‏


وقال القرطبي في ‏"‏ تفسيره ‏"‏، ما نصه‏:‏ والمحفوظ أن ابن عمر طلّق امرأته واحدة في الحيض‏.‏


قال عبد اللَّه‏:‏ وكان تطليقه إياها في الحيض واحدة؛ غير أنه خالف السنّة‏.‏ وكذلك قال صالح بن كيسان، وموسىا بن عقبة، وإسماعيل بن أُمية‏.‏ وليث بن سعد، وابن أبي ذئب، وابن جريج، وجابر، وإسماعيل بن إبراهيم بن عقبة، عن نافع، أن ابن عمر طلق تطليقة واحدة‏.‏


وكذا قال الزهري عن سالم عن أبيه، ويونس بن جبير والشعبي والحسن‏.‏ اهـ منه بلفظه‏.‏ فسقوط الاستدلال بحديث ابن عمر في غاية الظهور‏.‏


الحديث الثالث من أدلتهم‏:‏ هو ما رواه أبو داود في ‏"‏ سننه ‏"‏، حدّثنا أحمد بن صالح، حدّثنا عبد الرزّاق، أخبرنا ابن جريج، قال‏:‏ أخبرني بعض بني أبي رافع، مولى النبيّ صلى الله عليه وسلم، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال‏:‏ طلق عبد يزيد ـ أبو ركانة وإخوته، أم ركانة، ونكح امرأة من مزينة، فجاءت إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم، فقالت‏:‏ ما يغني عني إلا كما تغني هذه الشعرة ـ لشعرة أخذتها من رأسها ـ ففرق بيني وبينه‏.‏ فأخذت النبيّ صلى الله عليه وسلم حمية، فدعا بركانة وإخوته، ثم قال لجلسائه‏:‏ ‏"‏أترون فلانًا يشبه منه كذا وكذا من عبد يزيد ‏؟‏ وفلانًا يشبه منه كذا وكذا‏"‏ ‏؟‏ قالوا‏:‏ نعم، فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ طلّقها ‏"‏، ففعل، فقال‏:‏ ‏"‏ راجع امرأتك أم ركانة ‏"‏، فقال‏:‏ إني طلقتها ثلاثًا يا رسول اللَّه، قال‏:‏ ‏"‏قد علمت، راجعها‏"‏، وتلا‏:‏ ‏{يأيُّهَا النَّبِىُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النّسَاء فَطَلّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُواْ الْعِدَّةَ‏}‏‏"‏‏.‏ قال مقيده عفا اللَّه عنه‏:‏ والاستدلال بهذا الحديث ظاهر السقوط؛ لأن ابن جريج قال‏:‏ أخبرني بعض بني أبي رافع، وهي رواية عن مجهول لا يدرى من هو ‏؟‏ فسقوطها كما ترى‏.‏ ولا شك أن حديث أبي داود المتقدم أولى بالقبول من هذا الذي لا خلاف في ضعفه‏.‏


وقد تقدم أن ذلك فيه أنه طلقها البتّة، وأن النبيّ صلى الله عليه وسلم أحلفه ما أراد إلا واحدة، وهو دليل واضح على نفوذ الطلقات المجتمعة كما تقدم‏.‏





الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
الهدى

avatar

عدد المساهمات : 326
التميز : 1
تاريخ التسجيل : 14/10/2009

مُساهمةموضوع: تفسير اضواء البيان فى ايضاح القران بالقران   الإثنين يناير 11, 2010 4:27 am

الحديث الرابع هو ما أخرجه مسلم في ‏"‏ صحيحه ‏"‏‏:‏ حدّثنا إسحاق بن إبراهيم ومحمد بن رافع واللفظ لابن رافع‏.‏

قال إساحق‏:‏ أخبرنا وقال ابن رافع‏:‏ حدّثنا عبد الرزّاق، أخبرنا معمر، عن ابن طاوس عن أبيه، عن ابن عباس، قال‏:‏ كان الطلاق على عهد رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر طلاق الثلاث واحدة، فقال عمر بن الخطاب‏:‏ إن الناس قد استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة، فلو أمضيناه عليهم فأمضاه عليهم، حدثنا إسحاق بن إبراهيم، أخبرنا روح بن عبادة، أخبرنا ابن جريج، وحدثنا ابن رافع واللفظ له، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا ابن جريج، أخبرني ابن طاوس عن أبيه، أن أبا الصهباء قال لابن عباس‏:‏ أتعلم إنما كانت الثلاث تجعل واحدة على عهد النبيّ صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وثلاثًا من إمارة عمر ‏؟‏ فقال ابن عباس‏:‏ نعم‏.‏

وحدّثنا إسحاق بن إبراهيم، أخبرنا سليمان بن حرب، عن حماد بن زيد، عن أيوب السختياني، عن إبراهيم بن ميسرة، عن طاوس، أن أبا الصهباء قال لابن عباس‏:‏ هات من هناتك، ألم يكن الطلاق الثلاث على عهد رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وأبي بكر واحدة ‏؟‏ فقال‏:‏ قد كان ذلك، فلما كان في عهد عمر تتايع الناس في الطلاق فأجازه عليهم، هذا لفظ مسلم في ‏"‏ صحيحه ‏"‏‏.‏

وهذه الطريق الأخيرة أخرجها أبو داود ولكن لم يسمّ إبراهيم بن ميسرة‏.‏

وقال بدله عن غيره واحد، ولفظ المتن أما علمت أن الرجل كان إذا طلق امرأته ثلاثًا قبل أن يدخل بها جعلوها واحدة على عهد رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وصدرًا من إمارة عمر ‏؟‏‏.‏

قال ابن عباس‏:‏ بلى، كان الرجل إذا طلق امرأته ثلاثًا قبل أن يدخل بها جعلوها واحدة على عهد رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وصدرًا من إمارة عمر، فلما رأى الناس يعني عمر، قد تتايعوا فيها، قال‏:‏ أجيزوهن عليهم، وللجمهور عن حديث ابن عباس هذا عدة أجوبة‏:‏

الأول‏:‏ أن الثلاث المذكورة فيه التي كانت تجعل واحدة، ليس في شىء من روايات الحديث التصريح بأنها واقعة بلفظ واحد، ولفظ طلاق الثلاث لا يلزم منه لغة ولا عقلاً ولا شرعًا أن تكون بلفظ واحد، فمن قال لزوجته‏:‏ أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق، ثلاث مرات، في وقت واحد، فطلاقه هذا طلاق الثلاث؛ لأنه صرح بالطلاق فيه ثلاث مرات، وإذا قيل لمن جزم بأن المراد في الحديث إيقاع الثلاث بكلمة واحدة، من أين أخذت كونها بكلمة واحدة ‏؟‏

فهل في لفظ من ألفاظ الحديث أنها بكلمة واحدة ‏؟‏ وهل يمنع إطلاق الطلاق الثلاث على الطلاق بكلمات متعددة ‏؟‏ فإن قال‏:‏ لا، يقال له طلاق الثلاث إلا إذا كان بكلمة واحدة، فلا شك في أن دعواه هذه غير صحيحة، وإن اعترف بالحق وقال‏:‏ يجوز إطلاقه على ما أوقع بكلمة واحدة، وعلى ما أوقع بكلمات متعددة، وهو أسّد بظاهر اللفظ، قيل له‏:‏ وإذن فجزمك بكونه بكلمة واحدة لا وجه له، وإذا لم يتعين في الحديث كون الثلاث بلفظ واحد سقط الاستدلال به من أصله في محل النزاع‏.‏ ومما يدلّ على أنه لا يلزم من لفظ طلاق الثلاث في هذا الحديث كونها بكلمة واحدة، أن الإمام أبا عبد الرحمان النسائي مع جلالته وعلمه وشدة فهمه، ما فهم من هذا الحديث إلا أن المراد بطلاق الثلاث فيه، أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق، بتفريق الطلقات؛ لأن لفظ الثلاث أظهر في إيقاع الطلاق ثلاث مرات‏.‏ ولذا ترجم في ‏"‏ سننه ‏"‏، لرواية أبي داود المذكورة في هذا الحديث‏.‏ فقال‏:‏ ‏"‏ باب طلاق الثلاث المتفرقة قبل الدخول بالزوجة ‏"‏ ثم قال‏:‏ أخبرنا أبو داود سليمان بن سيف قال‏:‏ حدّثنا أبو عاصم عن ابن جريج عن ابن طاوس عن أبيه‏:‏ أن أبا الصهباء جاء إلى ابن عباس رضي اللَّه عنهما فقال‏:‏ يا ابن عباس، ألم تعلم أن الثلاث كانت على عهد رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وصدرًا من خلافة عمر ترد إلى الواحدة ‏؟‏ قال‏:‏ نعم، فترى هذا الإمام الجليل صرح بأن طلاق الثلاث في هذا الحديث ليس بلفظ واحد بل بإلفاظ متفرقة، ويدل على صحة ما فهمه النسائي رحمه اللَّه من الحديث ما ذكره ابن القيم في ‏"‏ زاد المعاد ‏"‏، في الردّ على من استدل لوقوع الثلاث دفعة، بحديث عائشة‏:‏ أن رجلاً طلق امرأته ثلاثًا فتزوجت‏.‏ الحديث‏.‏ فإنه قال فيه ما نصّه‏:‏ ولكن أين في الحديث أنه طلق الثلاث بفم واحد ‏؟‏ بل الحديث حجّة لنا فإنه لا يقال فعل ذلك ثلاثًا وقال ثلاثًا، إلا من فعل وقال مرة بعد مرة، وهذا هو المعقول في لغات الأمم عربهم وعجمهم‏.‏ كما يقال قذفه ثلاثًا وشتمه ثلاثًا وسلم عليه ثلاثًا‏.‏ اهـ منه بلفظه‏.‏

وهو دليل واضح لصحة ما فهمه أبو عبد الرحمان النسائي رحمه اللَّه، من الحديث؛ لأن لفظ الثلاث في جميع رواياته أظهر في أنها طلقات ثلاث واقعة مرة بعد مرة، كما أوضحه ابن القيم في حديث عائشة المذكور آنفًا‏.‏

وممن قال‏:‏ بأن المراد بالثلاث في حديث طاوس المذكور، الثلاث المفرقة بألفاظ نحو أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق، ابن سريج فإنه قال‏:‏ يشبه أن يكون ورد في تكرير اللفظ، كأن يقول أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق‏.‏ وكانوا أولاً على سلامة صدورهم، يقبل منهم أنهم أرادوا التأكيد، فلما كثر الناس في زمن عمر وكثر فيهم الخداع ونحوه؛ مما يمنع قبول من ادعى التأكيد، حمل عمر اللفظ على ظاهر التكرار، فأمضاه عليهم‏.‏ قاله ابن حجر في ‏"‏ الفتح ‏"‏، وقال‏:‏ إن هذا الجواب ارتضاه القرطبي، وقواه بقول عمر‏:‏ إن الناس استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة‏.‏

وقال النووي في ‏"‏ شرح مسلم ‏"‏، ما نصّه‏:‏ وأما حديث ابن عباس فاختلف الناس في جوابه وتأويله، فالأصح أن معناه أنه كان في أول الأمر إذا قال لها‏:‏ أنت طالق، أن طالق، أنت طالق، ولم ينوِ تأكيدًا، ولا استئنافًا، يحكم بوقوع طلقة؛ لقلة إرادتهم الاستئناف بذلك، فحمل على الغالب الذي هو إرادة التأكيد‏.‏ فلما كان في زمن عمر رضي اللَّه عنه وكثر استعمال الناس لهذه الصيغة، وغلب منهم إرادة الاستئناف بها، حملت عند الإطلاق على الثلاث؛ عملاً بالغالب السابق إلى الفهم في ذلك العصر‏.‏

قال مقيده عفا اللَّه عنه‏:‏ وهذا الوجه لا إشكال فيه؛ لجواز تغير الحال عند تغير القصد؛ لأن ‏"‏ الأعمال بالنيات،

‏"‏ولكل امرىء ما نوى‏"‏، وظاهر اللفظ يدل لهذا كما قدمنا‏.‏

وعلى كل حال، فادعاء الجزم بأن معنى حديث طاوس المذكور أن الثلاث بلفظ واحد ادعاء خال من دليل كما رأيت، فليتّق اللَّه من تجرأ على عزو ذلك إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم، مع أنه ليس في شىء من روايات حديث طاوس كون الثلاث المذكورة بلفظ واحد، ولم يتعين ذلك من اللغة، ولا من الشرع، ولا من العقل كما ترى‏.‏

قال مقيده عفا اللَّه عنه‏:‏ ويدلّ لكون الثلاث المذكورة ليست بلفظ واحد ما تقدم في حديث ابن إسحاق عن داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن أحمد، وأبي يعلى، من قوله‏:‏ طلّق امرأته ثلاثًا في مجلس واحد وقوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏كيف طلقتها‏"‏ ‏؟‏ قال‏:‏ ثلاثًا في مجلس واحد؛ لأن التعبير بلفظ المجلس يفهم منه أنها ليست بلفظ واحد، إذ لو كان اللفظ واحدًا لقال بلفظ واحد ولم يحتج إلى ذكر المجلس، إذ لا داعي لذكر الوصف الأعم وترك الأخص بلا موجب، كما هو ظاهر الجواب الثاني، عن حديث ابن عباس هو‏:‏ أن معنى الحديث أن الطلاق الواقع في زمن عمر ثلاثًا كان يقع قبل ذلك واحدة؛ لأنهم كانوا لا يستعملون الثلاث أصلاً، أو يستعملونها نادرًا‏.‏ وأما في عهد عمر فكثر استعمالهم لها‏.‏

ومعنى قوله‏:‏ فأمضاه عليهم، على هذا القول، أنه صنع فيه من الحكم بإيقاع الطلاق ما كان يصنع قبله، ورجّح هذا التأويل ابن العربي ونسبه إلى أبي زرعة الرازي‏.‏ وكذا أورده البيهقي بإسناده الصحيح إلى أبي زرعة أنه قال‏:‏ معنى هذا الحديث عندي إنما تُطَلِّقون أنتم ثلاثًا، كانوا يُطَلِّقُون واحدة‏.‏ قال النووي‏:‏ وعلى هذا فيكون الخبر وقع عن اختلاف عادة الناس خاصة، لا عن تغيير الحكم في المسألة الواحدة، وهذا الجواب نقله القرطبي في تفسير قوله تعالى‏:‏ ‏{‏الطَّلَـاقُ مَرَّتَانِ‏}‏، عن المحقق القاضي أبي الوليد الباجي، والقاضي عبد الوهاب، والكيا الطبري‏.‏

قال مقيّده عفا اللَّه عنه‏:‏ ولا يخفى ما في هذا الجواب من التعسف، وإن قال به بعض أجلاء العلماء‏.‏

الجواب الثالث‏:‏ عن حديث ابن عباس رضي اللَّه عنهما، هو القول بأنه منسوخ، وأن بعض الصحابة لم يطلع على النسخ إلا في عهد عمر، فقد نقل البيهقي في ‏"‏ السنن الكبرى ‏"‏، في باب من جعل الثلاث واحدة عن الإمام الشافعي ما نصّه‏:‏ قال الشافعي‏:‏ فإن كان معنى قول ابن عباس أن الثلاث كانت تحسب على عهد رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم واحدة، يعني أنه بأمر النبي صلى الله عليه وسلم، فالذي يشبه واللَّه أعلم أن يكون ابن عباس علم أن كان شيئًا فنسخ، فإن قيل‏:‏ فما دل على ما وصفت ‏؟‏ قيل‏:‏ لا يشبه أن يكون ابن عباس يروي عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم شيئًا ثم يخالفه بشىء لم يعلمه كان من النبيّ صلى الله عليه وسلم فيه خلاف‏.‏ قال الشيخ‏:‏ ورواية عكرمة عن ابن عباس، قد مضت في النسخ وفيها تأكيد لصحة هذا التأويل‏.‏ قال الشافعي‏:‏ فإن قيل‏:‏ فلعل هذا شىء روي عن عمر، فقال فيه ابن عباس بقول عمر رضي اللَّه عنه، قيل‏:‏ قد علمنا أن ابن عباس رضي اللَّه عنهما يخالف عمر رضي اللَّه عنه في نكاح المتعة، وفي بيع الدينار بالدينارين، وفي بيع أُمهات الأولاد وغيره، فكيف يوافقه في شىء يروى عن النبيّ صلى الله عليه وسلم فيه خلافه ‏؟‏ اهـ محل الحاجة من البيهقي بلفظه‏.‏

وقال الحافظ ابن حجر في ‏"‏ فتح الباري ‏"‏، ما نصه‏:‏ الجواب الثالث دعوى النسخ، فنقل البيهقي عن الشافعي أنه قال‏:‏ يشبه أن يكون ابن عباس علم شيئًا نسخ ذلك، قال البيهقي‏:‏ ويقويه ما أخرجه أبو داود من طريق يزيد النحوي،

عن عكرمة، عن ابن عباس، قال‏:‏ كان الرجل إذا طلق امرأته فهو أحق برجعتها، وإن طلقها ثلاثًا، فنسخ ذلك‏.‏ والترجمة التي ذكر تحتها أبو داود الحديث المذكور هي قوله‏:‏ ‏"‏ باب نسخ المراجعة بعد التطليقات الثلاث ‏"‏‏.‏

وقال ابن كثير في تفسير قوله تعالى‏:‏ ‏{‏الطَّلَـاقُ مَرَّتَانِ‏}‏ الآية، بعد أن ساق حديث أبي داود المذكور آنفًا ما نصّه‏:‏ ورواه النسائي عن زكريا بن يحيى عن إسحاق بن إبراهيم، عن علي بن الحسين به، وقال ابن أبي حاتم‏:‏ حدّثنا هارون بن إسحاق، حدثنا عبدة يعني‏:‏ ابن سليمان، عن هشام بن عروة، عن أبيه، أن رجلاً قال لامرأته لا أطلقك أبدًا، ولا آويك أبدًا، قالت‏:‏ وكيف ذلك ‏؟‏ قال‏:‏ أطلق حتى إذا دنا أجلك راجعتك، فأتت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وذكرت له ذلك، فأنزل اللَّه عزّ وجلّ‏:‏ ‏{‏الطَّلَـاقُ مَرَّتَانِ‏}‏، قال‏:‏ فاستقبل الناس الطلاق من كان طلق ومن لم يكن طلق، وقد رواه أبو بكر بن مردويه من طريق محمد بن سليمان، عن يعلى بن شبيب، مولى الزبير، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة‏:‏ فذكره بنحو ما تقدم، ورواه الترمذي عن قتيبة عن يعلى بن شبيب به، ثم رواه عن أبي كريب، عن ابن إدريس، عن هشام، عن أبيه مرسلاً وقال‏:‏ هذا أصح‏.‏ ورواه

الحاكم في ‏"‏ مستدركه ‏"‏، من طريق يعقوب بن حميد بن كليب، عن يعلى بن شبيب به، وقال‏:‏ صحيح الإسناد‏.‏

ثم قال ابن مردويه‏:‏ حدّثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم، حدثنا إسماعيل بن عبد اللَّه، حدّثنا محمد بن حميد، حدّثنا سلمة بن الفضل، عن محمَّد بن إسحاق، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت‏:‏ لم يكن للطلاق وقت، يطلق الرجل امرأته ثم يراجعها، ما لم تنقض العدة، وكان بين رجل من الأنصار وبين أهله بعض ما يكون بين الناس، فقال‏:‏ واللَّه لأتركنك لا أيمًا، ولا ذات زوج، فجعل يطلقها حتى إذا كادت العدة أن تنقضي راجعها، ففعل ذلك مرارًا، فأنزل اللَّه عزّ وجلّ‏:‏ ‏{‏الطَّلَـاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَـانٍ‏}‏، فوقت الطلاق ثلاثًا لا رجعة فيه بعد الثالثة، حتى تنكح زوجًا غيره‏.‏ وهكذا روي عن قتادة مرسلاً، ذكره السدي وابن زيد، وابن جرير كذلك‏.‏ واختار أن هذا تفسير هذه الآية‏.‏ا هـ من ابن كثير بلفظه‏.‏

وفي هذه الروايات دلالة واضحة لنسخ المراجعة بعد الثلاث، وإنكار المازري ــ رحمه اللَّه ــ ادعاء النسخ مردود بما رده به الحافظ ابن حجر في ‏"‏ فتح الباري ‏"‏؛ فإنه لما نقل عن المازري إنكاره للنسخ من أوجه متعددة، قال بعده ما نصّه‏:‏ قلت‏:‏ نقل النووي هذا الفصل في ‏"‏ شرح مسلم ‏"‏ وأقره، وهو متعقب في مواضع‏:‏ أحدها‏:‏ أن الذي ادعى نسخ الحكم لم يقل‏:‏ إن عمر هو الذي نسخ حتى يلزم منه ما ذكر، وإنما قال ما تقدم‏:‏ يشبه أن يكون علم شيئًا من ذلك نسخ، أي اطلع على ناسخ للحكم الذي رواه مرفوعًا‏.‏ ولذلك أفتى بخلافه، وقد سلم المازري في أثناء كلامه أن إجماعهم يدل على ناسخ، وهذا هو مراد من ادعى النسخ‏.‏

الثاني‏:‏ إنكاره الخروج عن الظاهر عجيب؛ فإن الذي يحاول الجمع بالتأويل يرتكب خلاف الظاهر حتمًا‏.‏

الثالث‏:‏ أن تغليطه من قال المراد ظهور النسخ عجيب أيضًا؛ لأن المراد بظهوره انتشاره، وكلام ابن عباس أنه كان يفعل في زمن أبي بكر، محمول على أن الذي كان يفعله من لم يبلغه النسخ، فلا يلزم ما ذكر من إجماعهم على الخطأ‏.‏ اهـ محل الحاجة من ‏"‏ فتح الباري ‏"‏ بلفظه، ولا إشكال فيه؛ لأن كثيرًا من الصحابة اطلع على كثير من الأحكام لم يكن يعلمه، وقد وقع ذلك في خلافة أبي بكر، وعمر، وعثمان، فأبو بكر لم يكن عالمًا بقضاء رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم،

في ميراث الجدة حتى أخبره المغيرة بن شعبة، ومحمد بن مسلمة، وعمر لم يكن عنده علم بقضاء رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم في دية الجنين حتى أخبره المذكوران قبل، ولم يكن عنده علم من أخذ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم الجزية من مجوس هجر حتى أخبره عبد الرحمان بن عوف‏.‏ ولا من الاستئذان ثلاثًا، حتى أخبره أبو موسى الأشعري، وأبو سعيد الخدري، وعثمان لم يكن عنده علم بأن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أوجب السكنى للمتوفى عنها زمن العدة، حتى أخبرته فريعة بنت مالك‏.‏

والعباس بن عبد المطلب، وفاطمة الزهراء رضي اللَّه عنهما، لم يكن عندهما علم بأن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏ إنا معاشر الأنبياء لا نورث ‏"‏ الحديث، حتى طلبا ميراثهما من رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، وأمثال هذا كثيرة جدًا، وأوضح دليل يزيل الإشكال عن القول بالنسخ المذكور وقوع مثله، واعتراف المخالف به في نكاح المتعة، فإن مسلمًا روى عن جابر رضي اللَّه عنه‏:‏ ‏"‏ أن متعة النساء كانت تفعل في عهد النبيّ صلى الله عليه وسلم وأبي بكر، وصدرًا من خلافة عمر، قال‏:‏ ثم نهانا عمر عنها فانتهينا وهذا مثل ما وقع في طلاق الثلاث طبقًا ‏"‏ ما أشبه الليلة بالبارحة ‏"‏‏:‏

فإلاّ يكنها أو تكنه فإنه أخوها غذته أمه بلبانها

فمن الغريب أن يسلم منصف إمكان النسخ في إحداهما، ويدعي استحالته في الأخرى، مع أن كلاًّ منهما روى مسلم فيها عن صحابي جليل‏:‏ أن ذلك الأمر كان يفعل في زمن النبيّ صلى الله عليه وسلم، وأبي بكر، وصدرًا من خلافة عمر، في مسألة تتعلق بالفروج ثم غيره عمر‏.‏

ومن أجاز نسخ نكاح المتعة، وأحال نسخ جعل الثلاث واحدة، يقال له‏:‏ ما لبائك تجر وبائي لا تجر ‏؟‏ فإن قيل‏:‏ نكاح المتعة صح النصّ بنسخه‏.‏ قلنا‏:‏ قد رأيت الروايات المتقدمة بنسخ المراجعة بعد الثلاث‏.‏ وممن جزم بنسخ جعل الثلاث واحدة، الإمام أبو داود رحمه اللَّه تعالى ورأى أن جعلها واحدة إنما هو في الزمن الذي كان يرتجع فيه بعد ثلاث تطليقات وأكثر، قال في ‏"‏ سننه ‏"‏‏:‏ ‏"‏ باب نسخ المراجعة بعد التطليقات الثلاث ‏"‏، ثم ساق بسنده حديث ابن عباس قال‏:‏ ‏{‏وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوَءٍ وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُواْ إِصْلاَحًا وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكُيمٌ‏}‏‏.‏ وذلك أن الرجل كان إذا طلق امرأته فهو أحق برجعتها وإن طلقها ثلاثًا فنسخ ذلك، وقال‏:‏ ‏{‏الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ‏}‏ الآية‏.‏ وأخرج نحوه النسائي وفي إسناده علي بن الحسين بن واقد، قال فيه ابن حجر في ‏"‏التقريب‏"‏‏:‏ صدوق يهم، وروى مالك في ‏"‏الموطأ‏"‏، عن هشام بن عروة عن أبيه، أنه قال‏:‏ كان الرجل إذا طلق امرأته ثم ارتجعها قبل أن تنقضي عدتها كان ذلك له، وإن طلقها ألف مرة فعمد رجل إلى امرأته فطلقها حتى إذا أشرفت على انقضاء عدتها راجعها، ثم قال‏:‏ لا آويك ولا أطلقك، فأنزل اللَّه‏:‏ ‏{‏الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ‏}‏، فاستقبل الناس الطلاق جديدًا من يومئذ، من كان طلق منهم أو لم يطلق‏.‏

ويؤيد هذا أن عمر لم ينكر عليه أحد من أصحاب رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، إيقاع الثلاث دفعة مع كثرتهم، وعلمهم، وورعهم، ويؤيده‏:‏ أن كثيرًا جدًا من الصحابة الأجلاء العلماء صح عنهم القول بذلك، كابن عباس، وعمر، وابن عمر، وخلق لا يحصى‏.‏ والناسخ الذي نسخ المراجعة بعد الثلاث، قال بعض العلماء‏:‏ إنه قوله تعالى‏:‏ ‏{‏الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ‏}‏، كما جاء مبينًا في الروايات المتقدمة، ولا مانع عقلاً ولا عادة من أن يجهل مثل هذا الناسخ كثير من الناس إلى خلافة عمر، مع أنه صلى الله عليه وسلم صرّح بنسخها وتحريمها إلى يوم القيامة، في غزوة الفتح، وفي حجة الوداع أيضًا، كما جاء في رواية عند مسلم‏.‏

ومع أن القرءان دلّ على تحريم غير الزوجة والسرية، بقوله‏:‏ ‏{‏وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ‏}‏، ومعلوم أن المرأة المتمتع بها ليست بزوجة ولا سرية كما يأتي تحقيقه إن شاء اللَّه تعالى في سورة ‏"‏النساء‏"‏، في الكلام على قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ‏}‏‏.‏ والذين قالوا‏:‏ بالنسخ، قالوا‏:‏ في معنى قول عمر‏:‏ إن الناس استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة، أن المراد بالأناة، أنهم كانوا يتأنون في الطلاق فلا يوقعون الثلاث في وقت واحد‏.‏ ومعنى استعجالهم أنهم صاروا يوقعونها بلفظ واحد، على القول بأن ذلك هو معنى الحديث‏.‏ وقد قدمنا أنه لا يتعين كونه هو معناه، وإمضاؤه له عليهم إذن هو اللازم، ولا ينافيه قوله فلو أمضيناه عليهم، يعني ألزمناهم بمقتضى ما قالوا، ونظيره‏:‏ قول جابر عند مسلم في نكاح المتعة‏:‏ فنهانا عنها عمر‏.‏ فظاهر كل منهما أنه اجتهاد من عمر، والنسخ ثابت فيهما معًا كما رأيت، وليست الأناة في المنسوخ، وإنما هي في عدم الاستعجال بإيقاع الثلاث دفعة‏.‏ وعلى القول الأول‏:‏ إن المراد بالثلاث التي كانت تجعل واحدة، أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق‏.‏ فالظاهر في إمضائه لها عليهم أنه من حيث تغير قصدهم من التأكيد إلى التأسيس كما تقدم‏.‏ ولا إشكال في ذلك‏.‏

أما كون عمر كان يعلم أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، كان يجعل الثلاث بلفظ واحد واحدة، فتعمد مخالفة رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وجعلها ثلاثًا، ولم ينكر عليه أحد من الصحابة، فلا يخفى بعده، والعلم عند اللَّه تعالى‏.‏

الجواب الرابع‏:‏ عن حديث ابن عباس رضي اللَّه تعالى عنهما، أن رواية طاوس عن ابن عباس مخالفة لما رواه عنه الحفاظ من أصحابه، فقد روى عنه لزوم الثلاث دفعة سعيد بن جبير، وعطاء بن أبي رباح، ومجاهد، وعكرمة، وعمرو بن دينار، ومالك بن الحارث، ومحمد بن إياس بن البكير، ومعاوية بن أبي عياش الأنصاري، كما نقله البيهقي في ‏"‏السنن الكبرى‏"‏، والقرطبي وغيرهما‏.‏ وقال البيهقي في ‏"‏السنن الكبرى‏"‏‏:‏ إن البخاري لم يخرج هذا الحديث؛ لمخالفة هؤلاء لرواية طاوس عن ابن عباس‏.‏

وقال الأثرم‏:‏ سألت أبا عبد اللَّه عن حديث ابن عباس‏:‏ كان الطلاق الثلاث على عهد رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، وأبي بكر، وعمر رضي اللَّه عنهما، طلاق الثلاث واحدة، بأي شىء تدفعه ‏؟‏ قال برواية الناس عن ابن عباس من وجوه خلافه، وكذلك نقل عنه ابن منصور قاله ابن القيم‏.‏ قال مقيده عفا اللَّه عنه‏:‏ فهذا إمام المحدثين وسيد المسلمين في عصره الذي تدارك اللَّه به الإسلام بعد ما كاد تتزلزل قواعده، وتُغير عقائده، أبو عبد اللَّه أحمد بن حنبل رحمه اللَّه تعالى قال للأثرم وابن منصور‏:‏ إنه رفض حديث ابن عباس قصدًا؛ لأنه يرى عدم الاحتجاج به في لزوم الثلاث بلفظ واحد؛ لرواية الحفاظ عن ابن عباس ما يخالف ذلك، وهذا الإمام محمد بن إسماعيل البخاري، وهو هو، ذكر عنه الحافظ البيهقي أنه ترك هذا الحديث عمدًا؛ لذلك الموجب الذي تركه من أجله الإمام أحمد‏.‏ ولا شك أنهما ما تركاه إلا لموجب يقتضي ذلك، فإن قيل‏:‏ رواية طاوس في حكم المرفوع، ورواية الجماعة المذكورين موقوفة على ابن عباس، والمرفوع لا يعارض بالموقوف‏.‏

فالجواب أن الصحابي إذا خالف ما روي ففيه للعلماء قولان‏:‏ وهما روايتان عن أحمد رحمه اللَّه‏:‏

الأولى‏:‏ أنه لا يحتج بالحديث؛ لأن أعلم الناس به راويه وقد ترك العمل به، وهو عدل، عارف، وعلى هذه رواية فلا إشكال‏.‏

وعلى الرواية الأخرى التي هي المشهورة عند العلماء أن العبرة بروايته لا بقوله‏.‏ فإنه لا تقدم روايته إلا إذا كانت صريحة المعنى، أو ظاهرة فيه ظهورًا يضعف معه احتمال مقابله، أما إذا كانت محتملة لغير ذلك المعنى احتمالاً قويًا فإن مخالفة الراوي لما روى تدل على أن ذلك المحتمل الذي ترك ليس هو معنى ما روىا، وقد قدمنا أن لفظ طلاق الثلاث في حديث طاوس المذكور محتمل احتمالاً قويًا لأن تكون الطلقات مفرقة، كما جزم به النسائي وصححه النووي، والقرطبي، وابن سريج فالحاصل أن ترك ابن عباس لجعل الثلاث بفم واحد واحدة يدلّ على أن معنى الحديث الذي روي ليس كونها بلفظ واحد كما سترى بيانه في كلام القرطبي في المفهم في الجواب الذي بعد هذا‏.‏
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
الهدى

avatar

عدد المساهمات : 326
التميز : 1
تاريخ التسجيل : 14/10/2009

مُساهمةموضوع: تفسير اضواء البيان فى ايضاح القران بالقران   الإثنين يناير 11, 2010 4:29 am

واعلم أن ابن عباس لم يثبت عنه أنه أفتى في الثلاث بفم واحد أنها واحدة، وما روى عنه أبو داود من طريق حماد بن زيد، عن أيوب، عن عكرمة، أن ابن عباس قال‏:‏ إذا قال أنت طالق ثلاثًا بفم واحد فهي واحدة فهو معارض بما رواه أبو داود نفسه من طريق إسماعيل بن إبراهيم، عن أيوب، عن عكرمة، أن ذلك من قول عكرمة لا من قول ابن عباس، وترجح رواية إسماعيل بن إبراهيم على رواية حماد بموافقة الحفاظ لإسماعيل، في أن ابن عباس يجعلها ثلاثًا لا واحدة‏.‏

الجواب الخامس‏:‏ هو ادعاء ضعفه وممن حاول تضعيفه ابن العربي المالكي، وابن عبد البر، والقرطبي‏.‏

قال ابن العربي المالكي‏:‏ زلّ قوم في آخر الزمان فقالوا‏:‏ إن الطلاق الثلاث في كلمة لا يلزم، وجعلوه واحدة ونسبوه إلى السلف الأول فحكوه عن عليّ، والزبير، وعبد الرحمان بن عوف، وابن مسعود، وابن عباس، وعزوه إلى الحجاج بن أرطاة الضعيف المنزلة، المغمور المرتبة، ورووا في ذلك حديثًا ليس له أصل، وغوى قوم من أهل المسائل فتتبعوا الأهواء المبتدعة فيه وقالوا‏:‏ إن قوله أنت طالق ثلاثًا كذب؛ لأنه لم يطلق ثلاثًا، كما لو قال‏:‏ طلقت ثلاثًا ولم يطلق إلا واحدة، وكما لو قال‏:‏ أحلف ثلاثًا كانت يمينًا واحدة‏.‏

ولقد طوّفت في الآفاق، ولقيت من علماء الإسلام، وأرباب المذاهب كل صادق، فما سمعت لهذه المسألة بخبر، ولا أحسست لها بأثر، إلا الشيعة الذين يرون نكاح المتعة جائزًا، ولا يرون الطلاق واقعًا، ولذلك قال فيهم ابن سكرة الهاشمي‏:‏ يا من يرى المتعة في دينه حلاً وإن كانت بلا مهر

ولا يرى تسعين تطليقة تبين منه ربة الخدر

من هاهنا طابت مواليدكم فاغتنموها يا بني الفطر


وقد اتفق علماء الإسلام، وأرباب الحل والعقد في الأحكام، على أن الطلاق الثلاث في كلمة، وإن كان حرامًا في قول بعضهم، وبدعة في قول الآخرين، لازم‏.‏ وأين هؤلاء البؤساء من عالم الدين، وعلم الإسلام، محمد بن إسماعيل البخاري، وقد قال في ‏"‏صحيحه‏"‏‏:‏ ‏"‏باب جواز الطلاق الثلاث‏"‏، لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ‏}‏‏.‏

وذكر حديث اللعان‏:‏ فطلقها ثلاثًا قبل أن يأمره رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، ولم يغير عليه النبيّ صلى الله عليه وسلم،

ولا يقر على الباطل؛ ولأنه جمع ما فسح له في تفريقه، فألزمته الشريعة حكمه وما نسبوه إلى الصحابة كذب بحت، لا أصل له في كتاب ولا رواية له عن أحد‏.‏

وقد أدخل مالك في ‏"‏موطئه‏"‏ عن عليّ أن الحرام ثلاث لازمة في كلمة، فهذا في معناها، فكيف إذا صرح بها‏.‏ وأما حديث الحجاج بن أرطاة فغير مقبول في الملّة، ولا عند أحد من الأئمة‏.‏ فإن قيل‏:‏ ففي ‏"‏صحيح مسلم‏"‏ عن ابن عباس وذكر حديث أبي الصهباء المذكور، قلنا‏:‏ هذا لا متعلق فيه من خمسة أوجه‏:‏

الأول‏:‏ أنه حديث مختلف في صحته فكيف يقدم على إجماع الأمة‏؟‏ ولم يعرف لها في هذه المسألة خلاف إلا عن قوم انحطوا عن رتبة التابعين‏.‏ وقد سبق العصران الكريمان والاتفاق على لزوم الثلاث، فإن رووا ذلك عن أحد منهم فلا تقبلوا منهم إلا ما يقبلون منكم‏:‏ نقل العدل عن العدل‏.‏ ولا تجد هذه المسألة منسوبة إلى أحد من السلف أبدًا‏.‏

الثاني‏:‏ أن هذا الحديث لم يرو إلا عن ابن عباس ولم يرو عنه إلا من طريق طاوس، فكيف يقبل ما لم يروه من الصحابة إلا واحد وما لم يروه عن ذلك الصحابي إلا واحد‏؟‏ وكيف خفي على جميع الصحابة وسكتوا عنه إلا ابن عباس‏؟‏ وكيف خفيَ على أصحاب ابن عباس إلا طاوس‏؟‏ اهـ محل الغرض من كلام ابن العربي، وقال ابن عبد البر‏:‏ ورواية طاوس وهم وغلط لم يعرج عليها أحد من فقهاء الأمصار بالحجاز، والشام، والعراق، والمشرق، والمغرب‏.‏ وقد قيل‏:‏ إن أبا الصهباء لا يعرف في موالي ابن عباس‏.‏

قال مقيده ــ عفا اللَّه عنه ــ إن مثل هذا لا يثبت به تضعيف هذا الحديث؛ لأن الأئمة كمعمر وابن جريج وغيرهما رووه عن ابن طاوس وهو إمام، عن طاوس، عن ابن عباس، ورواه عن طاوس أيضًا إبراهيم بن ميسرة، وهو ثقة حافظ‏.‏ وانفراد الصحابي لا يضر ولو لم يرو عنه أصلاً إلا واحد، كما أشار إليه العراقي في ‏"‏ألفيته‏"‏ بقوله‏:‏ في الصحيح أخرجا المسيبا وأخرج الجعفي لابن تغلبا


يعني‏:‏ أن الشيخين أخرجا حديث المسيب بن حزن، ولم يرو عنه أحد غير ابنه سعيد‏.‏

وأخرج البخاري حديث عمرو بن تغلب النمري، ويقال العبدي ولم يرو عنه غير الحسن البصري هذا مراده‏.‏ وقد ذكر ابن أبي حاتم أن عمرو بن تغلب روى عنه أيضًا الحكم بن الأعرج، قاله ابن حجر، وابن عبد البر وغيرهما‏.‏

والحاصل أن حديث طاوس ثابت في ‏"‏صحيح مسلم‏"‏ بسند صحيح، وما كان كذلك لا يمكن تضعيفه إلا بأمر واضح، نعم لقائل أن يقول‏:‏ إن خبر الآحاد إذا كانت الدواعي متوفرة إلى نقله ولم ينقله إلا واحد ونحوه، أن ذلك يدل على عدم صحته‏.‏ ووجهه أن توفر الدواعي يلزم منه أن النقل تواترًا والاشتهار، فإن لم يشتهر دلّ على أنه لم يقع؛ لأن انتفاء اللازم يقتضي انتفاء الملزوم، وهذه قاعدة مقررة في الأصول، أشار إليها في ‏"‏مراقي السعود‏"‏ بقوله عاطفًا على ما يحكم فيه بعدم صحة الخبر‏:‏ وخبر الآحاد في السني † حيث دواعي نقله تواترا ** نرى لها لو قاله تقررا


وجزم بها غير واحد من الأصوليين، وقال صاحب ‏"‏ جمع الجوامع ‏"‏ عاطفًا على ما يجزم فيه بعدم صحة الخبر‏.‏ والمنقول آحادًا فيما تتوفر الدواعي إلى نقله خلافًا للرافضة‏.‏ اهـ منه بلفظه‏.‏

ومراده أن مما يجزم بعدم صحته، الخبر المنقول آحادًا مع توفر الدواعي إلى نقله‏.‏

وقال ابن الحاجب في ‏"‏مختصره الأصولي‏"‏ مسألة‏:‏ إذا انفرد واحد فيما يتوفر الدواعي إلى نقله، وقد شاركه خلق كثير‏.‏ كما لو انفرد واحد بقتل خطيب على المنبر في مدينة فهو كاذب قطعًا خلافًا للشيعة‏.‏

اهـ محل الغرض منه بلفظه‏.‏ وفي المسألة مناقشات وأجوبة عنها معروفة في الأصول‏.‏

قال مقيده عفا اللَّه عنه‏:‏ ولا شك أنه على القول بأن معنى حديث طاوس المذكور أن الثلاث بلفظ واحد كانت تجعل واحدة على عهد النبيّ صلى الله عليه وسلم، وأبي بكر، وصدرًا من خلافة عمر، ثم إن عمر غير ما كان عليه رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم والمسلمون في زمن أبي بكر، وعامة الصحابة أو جلهم يعلمون ذلك‏.‏ فالدواعي إلى نقل ما كان عليه رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم والمسلمون من بعده، متوفرة توفرًا لا يمكن إنكاره، لأن يرد بذلك التغيير الذي أحدثه عمر فسكوت جميع الصحابة عنه وكون ذلك لم ينقل منه حرف عن غير ابن عباس، يدلّ دلالة واضحة على أحد أمرين‏:‏

أحدهما‏:‏ أن حديث طاوس الذي رواه عن ابن عباس ليس معناه أنها بلفظ واحد، بل بثلاثة ألفاظ في وقت واحد كما قدمنا، وكما جزم به النسائي وصححه النووي والقرطبي وابن سريج‏.‏ وعليه فلا إشكال لأن تغيير عمر للحكم مبني على تغيير قصدهم والنبيّ صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرىء ما نوى‏"‏ فمن قال أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق‏.‏ ونوى التأكيد فواحدة، وأن نوىا الاستئناف بكل واحدة فثلاث‏.‏ واختلاف محامل اللفظ الواحد لاختلاف نيات اللافظين به لا إشكال فيه؛ لقوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ وإنما لكل امرىء ما نوى ‏"‏‏.‏

والثاني‏:‏ أن يكون الحديث غير محكوم بصحته لنقله آحادًا مع توفر الدواعي إلى نقله، والأول أولى وأخف من الثاني، وقال القرطبي في المفهم في الكلام على حديث طاوس المذكور‏:‏ وظاهر سياقه يقتضي عن جميعهم أن معظمهم كانوا يرون ذلك، والعادة في مثل هذا أن يفشو الحكم وينتشر فكيف ينفرد به واحد عن واحد ‏؟‏ قال‏:‏ فهذا الوجه يقتضي التوقف عن العمل بظاهره، إن لم يقتض القطع ببطلانه‏.‏ اهـ منه بواسطة نقل ابن حجر في ‏"‏فتح الباري‏"‏ عنه، وهو قوي جدًا بحسب المقرر في الأصول كما ترى‏.‏

الجواب السادس‏:‏ عن حديث ابن عباس رضي اللَّه عنهما هو حمل لفظ الثلاث في الحديث على أن المراد بها البتّة كما قدمنا في حديث ركانة، وهو من رواية ابن عباس أيضًا، قال الحافظ ابن حجر في ‏"‏ فتح الباري ‏"‏ بعد أن ذكر هذا الجواب ما نصه‏:‏ وهو قوي ويؤيده إدخال البخاري في هذا الباب، الآثار التي فيها البتّة، والأحاديث التي فيها التصريح بالثلاث، كأنه يشير إلى عدم الفرق بينهما، وأن البتّة إذا أطلقت حمل على الثلاث إلا أن أراد المطلق واحدة فيقبل، فكأن بعض رواته حمل لفظ البتّة على الثلاث؛ لاشتهار التسوية بينهما، فرواها بلفظ الثلاث‏.‏ وإنما المراد لفظة البتّة، وكانوا في العصر الأوّل يقبلون ممن قال أردت بالبتّة واحدة، فلما كان عهد عمر أمضى الثلاث في ظاهر الحكم‏.‏ اهـ من ‏"‏ فتح الباري ‏"‏ بلفظه، وله وجه من النظر كما لا يخفى، وما يذكره كل ممن قال بلزوم الثلاث دفعة، ومن قال بعدم لزومها من الأمور النظرية ليصحح به كل مذهبه، لم نطل به الكلام؛ لأن الظاهر سقوط ذلك كله، وأن هذه المسألة إن لم يمكن تحقيقها من جهة النقل فإنه لا يمكن من جهة العقل، وقياس أنت طالق ثلاثًا على أيمان اللعان في أنه لو حلفها بلفظ واحد لم تجز، قياس مع وجود الفارق؛ لأن من اقتصر على واحدة من الشهادات الأربع المذكورة في آية اللعان أجمع العلماء على أن ذلك كما لو لم يأت بشىء منها أصلاً، بخلاف الطلقات الثلاث فمن اقتصر على واحدة منها اعتبرت إجماعًا، وحصلت بها البينونة بانقضاء العدة إجماعًا‏.‏

الجواب السابع‏:‏ هو ما ذكره بعضهم من أن حديث طاوس المذكور ليس فيه أن النبيّ صلى الله عليه وسلم علم بذلك فأقره،

والدليل إنما هو فيما علم به وأقره، لا فيما لم يعلم فيه‏.‏

قال مقيده ــ عفا الله عنه ــ ولا يخفى ضعف هذا الجواب؛ لأن جماهير المحدثين والأصوليين على أن ما أسنده الصحابي إلى عهد النبيّ صلى الله عليه وسلم له حكم المرفوع، وإن لم يصرح بأنه بلغه صلى الله عليه وسلم وأقره‏.‏

الجواب الثامن‏:‏ أن حديث ابن عباس المذكور في غير المدخول بها خاصة؛ لأنه إن قال لها أنت طالق بانت بمجرد اللفظ، فلو قال ثلاثًا لم يصادف لفظ الثلاث محلاً؛ لوقوع البينونة قبلها‏.‏ وحجة هذا القول أن بعض الروايات كرواية أبي داود جاء فيها التقييد بغير المدخول بها، والمقرر في الأصول هو حمل المطلق على المقيد، ولا سيّما إذا اتحدّ الحكم والسبب كما هنا قال في ‏"‏ مراقي السعود ‏"‏‏:‏ وحمل مطلق على ذاك وجب إن فيهما اتحد حكم والسبب وما ذكره الأبي رحمه اللَّه من أن الإطلاق والتقييد إنما هو في حديثين، أما في حديث واحد من طريقين فمن زيادة العدل فمردود؛ بأنه لا دليل عليه‏.‏ وأنه مخالف لظاهر كلام عامة العلماء، ولا وجه للفرق بينهما‏.‏ وما ذكره الشوكاني ـ رحمه اللَّه ـ في ‏"‏نيل الأوطار‏"‏

من أن رواية أبي داود التي فيها التقييد بعدم الدخول فرد من أفراد الروايات العامة، وذكر بعض أفراد العام بحكم العام لا يخصصه، لا يظهر؛ لأن هذه المسألة من مسائل المطلق والمقيد، لا من مسائل ذكر بعض أفراد العام، فالروايات التي أخرجها مسلم مطلقة عن قيد عدم الدخول، والرواية التي أخرجها أبو داود مقيدة بعدم الدخول كما ترى، والمقرر في الأصول حمل المطلق على المقيد، ولا سيّما إن اتحد الحكم والسبب كما هنا‏.‏ نعم لقائل أن يقول إن كلام ابن عباس في رواية أبي داود المذكور وارد على سؤال إبي الصهباء، وأبو الصهباء لم يسأل إلا عن غير المدخول بها، فجواب ابن عباس لا مفهوم مخالفة له؛ لأنه إنما خص غير المدخول بها لمطابقة الجواب للسؤال‏.‏

وقد تقرر في الأصول أن من موانع اعتبار دليل الخطاب أعني مفهوم المخالفة، كون الكلام واردًا جوابًا لسؤال؛ لأن تخصيص المنطوق بالذكر لمطابقة السؤال فلا يتعين كونه لإخراج حكم المفهوم عن المنطوق‏.‏ وأشار إليه في ‏"‏ مراقي السعود‏"‏ في ذكر موانع اعتبار مفهوم المخالفة بقوله‏:‏

أو جهل الحكم أو النطق انجلب للسؤل أو جرى على الذي غلب

ومحل الشاهد منه قوله‏:‏ أو النطق انجلب للسؤل‏.‏

وقد قدمنا أن رواية أبي داود المذكورة عن أيوب السختياني عن غير واحد عن طاوس وهو صريح في أن من روى عنهم أيوب مجهولون، ومن لم يعرف من هو، لا يصح الحكم بروايته‏.‏ ولذا قال النووي في ‏"‏شرح مسلم‏"‏ ما نصه‏:‏ وأما هذه الرواية التي لأبي داود فضعيفة، رواها أيوب عن قوم مجهولين، عن طاوس، عن ابن عباس، فلا يحتجّ بها واللَّه أعلم، انتهى منه بلفظه‏.‏ وقال المنذري في ‏"‏مختصر سنن أبي داود‏"‏ بعد أن ساق الحديث المذكور ما نصه‏:‏ الرواة عن طاوس مجاهيل، انتهى منه بلفظه، وضعف رواية أبي داود هذه ظاهر كما ترى للجهل بمن روى عن طاوس فيها، وقال ابن القيم في ‏"‏زاد المعاد‏"‏ بعد أن ساق لفظ هذه الرواية ما نصّه‏:‏ وهذا لفظ الحديث وهو بأصح إسناد، انتهى محل الغرض منه بلفظه فانظره مع ما تقدم‏.‏ هذا ملخص كلام العلماء في هذه المسألة مع ما فيها من النصوص الشرعية‏.‏

قال مقيده ــ عفا اللَّه عنه ــ الذي يظهر لنا صوابه في هذه المسألة هو ما ذهب إليه الإمام الشافعي رحمه اللَّه تعالى،

وهو أن الحق فيها دائر بين أمرين‏:‏

أحدهما‏:‏ أن يكون المراد بحديث طاوس المذكور كون الثلاث المذكورة ليست بلفظ واحد‏.‏

الثاني‏:‏ أنه إن كان معناه أنها بلفظ واحد فإن ذلك منسوخ ولم يشتهر العلم بنسخه بين الصحابة إلا في زمان عمر، كما وقع نظيره في نكاح المتعة‏.‏

أما الشافعي فقد نقل عنه البيهقي في ‏"‏السنن الكبرى‏"‏ ما نصه‏:‏ فإن كان معنى قول ابن عباس إن الثلاث كانت تحسب على عهد النبيّ صلى الله عليه وسلم واحدة، يعني أنه بأمر رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، فالذي يشبه، واللَّه أعلم، أن يكون ابن عباس قد علم أن كان شىء فنسخ، فإن قيل‏:‏ فما دل على ما وصفت ‏؟‏ قيل‏:‏ لا يشبه أن يكون ابن عباس يروي عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم شيئًا ثم يخالفه بشىء لم يعلمه، كان من النبيُّ صلى الله عليه وسلم فيه خلاف‏.‏

قال الشيخ‏:‏ رواية عكرمة، عن ابن عباس قد مضت في النسخ وفيه تأكيد لصحة هذا التأويل، قال الشافعي‏:‏ فإن قيل فلعل هذا شىء روي عن عمر فقال فيه ابن عباس بقول عمر رضي اللَّه عنهم قيل‏:‏ قد علمنا أن ابن عباس يخالف عمر رضي اللَّه عنه في نكاح المتعة، وفي بيع الدينار بالدينارين، وفي بيع أمهات الأولاد وغيره، فكيف يوافقه في شىء يروى عن النبيّ صلى الله عليه وسلم فيه خلاف ما قال ‏؟‏ اهـ محل الغرض منه بلفظه‏.‏

ومعناه واضح في أن الحق دائر بين الأمرين المذكورين؛ لأن قوله فإن كان معنى قول ابن عباس‏.‏‏.‏‏.‏ الخ يدل على أن غير ذلك محتمل، وعلى أن المعنى أنها ثلاث بفم واحد، وقد أقر النبيّ صلى الله عليه وسلم على جعلها واحدة، فالذي يشبه عنده أن يكون منسوخًا، ونحن نقول‏:‏ إن الظاهر لنا دوران الحق بين الأمرين كما قال الشافعي رحمه اللَّه تعالى، إما أن يكون معنى حديث طاوس المذكور أن الثلاث ليست بلفظ واحد، بل بألفاظ متفرقة بنسق واحد كأنت طالق، أنت طالق، أنت طالق‏.‏ وهذه الصورة تدخل لغة في معنى طلاق الثلاث دخولاً لا يمكن نفيه، ولا سيّما على الرواية التي أخرجها أبو داود التي جزم ابن القيم بأن إسنادها أصح أسناد، فإن لفظها‏:‏ أن أبا الصهباء قال لابن عباس‏:‏ أما علمت أن الرجل كان إذا طلق امرأته ثلاثًا قبل أن يدخل بها جعلوها واحدة على عهد رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، وأبي بكر، وصدرًا من إمارة عمر ‏؟‏ قال ابن عباس‏:‏ بلى ‏!‏ كان الرجل إذا طلق امرأته ثلاثًا قبل أن يدخل بها جعلوها واحدة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وصدرًا من إمارة عمر، فلما رأى الناس قد تتايعوا فيها قال‏:‏ أجيزوهن عليهم، فإن هذه الرواية بلفظ طلقها ثلاثًا وهو أظهر في كونها متفرقة بثلاثة ألفاظ، كما جزم به ابن القيم في رده الاستدلال بحديث عائشة الثابت في الصحيح‏.‏ فقد قال في ‏"‏زاد المعاد‏"‏ ما نصه‏:‏ وأما استدلالكم بحديث عائشة أن رجلاً طلق ثلاثًا فتزوجت، فسئل النبيّ صلى الله عليه وسلم هل تحلّ للأول‏؟‏ قال‏:‏ ‏"‏لا، حتى تذوق العسيلة‏"‏ فهذا مما لا ننازعكم فيه، نعم هو حجة على من اكتفى بمجرد عقد الثاني‏.‏ ولكن أين في الحديث أنه طلق الثلاث بفم واحد‏؟‏ بل الحديث حجة لنا، فإنه لا يقال فعل ذلك ثلاثًا، وقال ثلاثًا، إلا من فعل وقال مرة بعد مرة، وهذا هو المعقول في لغات الأمم عربهم وعجمهم‏.‏ كما يقال قذفه ثلاثًا، وشتمه ثلاثًا، وسلم عليه ثلاثًا، انتهى منه بلفظه‏.‏

وقد عرفت أن لفظ رواية أبي داود موافق للفظ عائشة الثابت في الصحيح الذي جزم فيه ابن القيم، بأنه لا يدل على أن الثلاث بفم واحد، بل دلالته على أنها بألفاظ متفرقة متعينة في جميع لغات الأمم، ويؤيّده أن البيهقي في ‏"‏ السنن الكبرى ‏"‏ قال ما نصّه‏:‏ وذهب أبو يحيىا الساجي إلى أن معناه إذا قال للبكر‏:‏ أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق‏.‏ كانت واحدة فغلظ عليهم عمر رضي الله عنه فجعلها ثلاثًا، قال الشيخ ورواية أيوب السختياني تدلّ على صحة هذا التأويل، اهـ منه بلفظه‏.‏


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
الهدى

avatar

عدد المساهمات : 326
التميز : 1
تاريخ التسجيل : 14/10/2009

مُساهمةموضوع: تفسير اضواء البيان فى ايضاح القران بالقران   الإثنين يناير 11, 2010 4:31 am


ورواية أيوب المذكورة هي التي أخرجها أبو داود وهي المطابق لفظها حديث عائشة الذي جزم فيه ابن القيم، بأنه لا يدل إلا على أن الطلقات المذكورة ليست بفم واحد، بل واقعة مرة بعد مرة وهي واضحة جدًا فيما ذكرنا، ويؤيّده أيضًا أن البيهقي نقل عن ابن عباس ما يدلّ على أنها إن كانت بألفاظ متتابعة فهي واحدة، وإن كانت بلفظ واحد فهي ثلاث، وهو صريح في محل النزاع، مبين أن الثلاث التي تكون واحدة هي المسرودة بألفاظ متعددة؛ لأنها تأكيد للصيغة الأولى‏.‏

ففي ‏"‏ السنن الكبرى ‏"‏ للبيهقي ما نصه‏:‏ قال الشيخ‏:‏ ويشبه أن يكون أراد إذا طلقها ثلاثًا تترى، روى جابر بن يزيد عن الشعبي عن ابن عباس رضي الله عنهما في رجل طلق امرأته ثلاثًا قبل أن يدخل بها، قال عقدة كانت بيده أرسلها جميعًا‏.‏ وإذا كانت تترى فليس بشىء‏.‏ قال سفيان الثوري تترى يعني أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق‏.‏ فإنها تبين بالأولى، والثنتان ليستا بشىء، وروي عن عكرمة عن ابن عباس ما دلّ على ذلك، انتهى منه بلفظه‏.‏ فهذه أدلة واضحة على أن الثلاث في حديث طاوس ليست بلفظ واحد، بل مسرودة بألفاظ متفرقة كما جزم به الإمام النسائي رحمه الله وصححه النووي والقرطبي وابن سريج وأبو يحيى الساجي، وذكره البيهقي عن الشعبي عن ابن عباس، وعن عكرمة عن ابن عباس، وتؤيده رواية أيوب التي صححها ابن القيم كما ذكره البيهقي وأوضحناه آنفًا مع أنه لا يوجد دليل يعين كون الثلاث المذكورة في حديث طاوس المذكور بلفظ واحد، لا من وضع اللغة، ولا من العرف، ولا من الشرع، ولا من العقل؛ لأن روايات حديث طاوس ليس في شىء منها التصريح بأن الثلاث المذكورة واقعة بلفظ واحد، ومجرد لفظ الثلاث، أو طلاق الثلاث، أو الطلاق الثلاث، لا يدل على أنها بلفظ واحد لصدق كل تلك العبارات على الثلاث الواقعة بألفاظ متفرّقة كما رأيت، ونحن لا نفرق في هذا بين البر والفاجر، ولا بين زمن وزمن، وإنما نفرق بين من نوى التأكيد، ومن نوى التأسيس،

والفرق بينهما لا يمكن إنكاره، ونقول الذي يظهر أن ما فعله عمر إنما هو لما علم من كثرة قصد التأسيس في زمنه، بعد أن كان في الزمن الذي قبله قصد التأكيد هو الأغلب كما قدمنا، وتغيير معنى اللفظ لتغير قصد اللافظين به لا إشكال فيه، فقوة هذا الوجه واتجاهه وجريانه على اللغة، مع عدم إشكال فيه كما ترى‏.‏ وبالجملة بلفظ رواية أيوب التي أخرجها أبو داود‏.‏

وقال ابن القيم‏:‏ إنها بأصح إسناد مطابق للفظ حديث عائشة الثابت في ‏"‏ الصحيحين ‏"‏، الذي فيه التصريح من النبيّ صلى الله عليه وسلم بأنها لا تحل للأول حتى يذوق عسيلتها الثاني كما ذاقها الأول‏.‏ وبه تعرف أن جعل الثلاث في حديث عائشة متفرقة في أوقات متباينة، وجعلها في حديث طاوس بلفظ واحد تفريق لا وجه له مع اتحاد لفظ المتن في رواية أبي داود، ومع أن القائلين برد الثلاث المجتمعة إلى واحدة لا يجدون فرقًا في المعنى بين رواية أيوب وغيرها من روايات حديث طاوس‏.‏

ونحن نقول للقائلين برد الثلاث إلى واحدة إما أن يكون معنى الثلاث في حديث عائشة وحديث طاوس أنها مجتمعة أو مفرقة، فإن كانت مجتمعة فحديث عائشة متفق عليه فهو أولى بالتقديم، وفيه التصريح بأن تلك الثلاث تحرمها ولا تحل إلا بعد زوج، وإن كانت متفرقة فلا حجة لكم أصلاً في حديث طاوس على محل النزاع؛ لأن النزاع في خصوص الثلاث بلفظ واحد‏.‏

أما جعلكم الثلاث في حديث عائشة مفرقة، وفي حديث طاوس مجتمعة فلا وجه له ولا دليل عليه، ولا سيما أن بعض رواياته مطابق لفظه للفظ حديث عائشة، وأنتم لا ترون فرقًا بين معاني ألفاظ رواياته من جهة كون الثلاث مجتمعة لا متفرقة‏.‏

وأما على كون معنى حديث طاوس أن الثلاث التي كانت تجعل واحدة على عهد رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وأبي بكر، هي المجموعة بلفظ واحد فإنه على هذا يتعين النسخ كما جزم به أبو داود رحمه اللَّه، وجزم به ابن حجر في ‏"‏ فتح الباري ‏"‏، وهو قول الشافعي كما قدمنا عنه، وقال به غير واحد من العلماء‏.‏

وقد رأيت النصوص الدالة على النسخ التي تفيد أن المراد بجعل الثلاث واحدة، أنه في الزمن الذي كان لا فرق فيه بين واحدة وثلاث، ولو متفرقة؛ لجواز الرجعة ولو بعد مائة تطليقة، متفرقة كانت أو لا‏.‏ وأن المراد بمن كان يفعله في زمن أبي بكر هو من لم يبلغه النسخ، وفي زمن عمر اشتهر النسخ بين الجميع‏.‏ وادعاء أن مثل هذا لا يصح يرده بإيضاح وقوع مثله في نكاح المتعة، فإنا قد قدمنا أن مسلمًا روى عن جابر أنها كانت تفعل على عهد النبيّ صلى الله عليه وسلم، وأبي بكر، وفي بعض من زمن عمر قال‏:‏ فنهانا عنها عمر‏.‏ وهذه الصورة هي التي وقعت في جعل الثلاث واحدة، والنسخ ثابت في كل واحدة منهما، فادعاء إمكان إحداهما واستحالة الأخرى في غاية السقوط كما ترى؛ لأن كل واحدة منهما، روى فيها مسلم في ‏"‏ صحيحه ‏"‏ عن صحابي جليل، أن مسألة تتعلق بالفروج كانت تفعل في زمن النبيّ صلى الله عليه وسلم، وأبي بكر، وصدرًا من إمارة عمر، ثم غير حكمها عمر، والنسخ ثابت في كل واحدة منهما‏.‏ وأما غير هذين الأمرين فلا ينبغي أن يقال؛ لأن نسبة عمر بن الخطاب ـ رضي اللَّه عنه ـ وعبد اللَّه بن عباس ـ رضي اللَّه عنهما ـ وخلق من أصحاب رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم إلى أنهم تركوا ما جاء به النبيّ صلى الله عليه وسلم، وجاءوا بما يخالفه من تلقاء أنفسهم عمدًا غير لائق، ومعلوم أنه باطل بلا شك‏.‏

وقد حكى غير واحد من العلماء أن الصحابة أجمعوا في زمن عمر على نفوذ الطلاق الثلاث دفعة واحدة‏.‏

والظاهر أن مراد المدعي لهذا الإجماع هو الإجماع السكوتي، مع أن بعض العلماء ذكر الخلاف في ذلك عن جماعة من الصحابة والتابعين‏.‏ وقد قدمنا كلام أبي بكر بن العربي القائل‏:‏ بأن نسبة ذلك إلى بعض الصحابة كذب بحت، وأنه لم يثبت عن أحد منهم جعل الثلاث بلفظ واحد واحدة، وما ذكره بعض أجلاء العلماء من أن عمر إنما أوقع عليهم الثلاث مجتمعة عقوبة لهم، مع أنه يعلم أن ذلك خلاف ما كان عليه رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم والمسلمون في زمن أبي بكر رضي اللَّه عنه فالظاهر عدم نهوضه؛ لأن عمر لا يسوغ له أن يحرم فرجًا أحلّه رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، فلا يصح منه أن يعلم أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يبيح ذلك الفرج بجواز الرجعة ويتجرأ هو على منعه بالبينونة الكبرى، واللَّه تعالى يقول‏:‏ ‏{‏وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ‏}‏ الآية ‏(‏ 95/7 ‏)‏، ويقول‏:‏ ‏{‏آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ‏}‏ ‏(‏ 01/95 ‏)‏، ويقول‏:‏ ‏{‏أَمْ لَهُمْ شُرَكَاء شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ وَلَوْلا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ‏}‏ ‏(‏ 24/12 ‏)‏‏.‏

والمروي عن عمر في عقوبة من فعل ما لا يجوز من الطلاق هو التعزير الشرعي المعروف، كالضرب‏.‏ أما تحريم المباح من الفروج فليس من أنواع التعزيزات؛ لأنه يفضي إلى حرمته على من أحله اللَّه له وإباحته لمن حرمه عليه؛ لأنه إن أكره على إبانتها وهي غير بائن في نفس الأمر لا تحل لغيره؛ لأن زوجها لم يبنها عن طيب نفس وحكم الحاكم وفتواه لا يحل الحرام في نفس الأمر،

ويدل له حديث أم سلمة المتفق عليه فإن فيه‏:‏ ‏"‏فمن قضيت له فلا يأخذ من حق أخيه شيئًا، فكأنما أقطع له قطعة من نار‏"‏ ويشير له قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولاً‏}‏ ‏(‏ 33/73 ‏)‏؛ لأنه يفهم منه أنه لو لم يتركها اختيارًا لقضائه وطره منها ما حلت لغيره‏.‏

وقد قال الحافظ ابن حجر في ‏"‏ فتح الباري ‏"‏ ما نصه‏:‏ وفي الجملة فالذي وقع في هذه المسألة نظير ما وقع في مسألة المتعة سواء، أعني قول جابر، إنها كانت تفعل في عهد رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وصدرًا من خلافة عمر، قال‏:‏ ثم نهانا عمر عنها فانتهينا، فالراجح في الموضعين تحريم المتعة وإيقاع الثلاث للإجماع الذي انعقد في عهد عمر على ذلك‏.‏

ولا يحفظ أن أحدًا في عهد عمر خالفه في واحدة منهما، وقد دلّ إجماعهم على وجود ناسخ وإن كان خفي عن بعضهم قبل ذلك حتى ظهر لجميعهم في عهد عمر، فالمخالف بعد هذا الإجماع منا بذلة، والجمهور على عدم اعتبار من أحدث الاختلاف بعد الاتفاق، واللَّه أعلم‏.‏ اهـ منه بلفظه‏.‏

وحاصل خلاصة هذه المسألة أن البحث فيها من ثلاث جهات‏:‏

الأولى‏:‏ من جهة دلالة النص القولي أو الفعلي الصريح‏.‏

الثانية‏:‏ من جهة صناعة علم الحديث والأصول‏.‏

الثالثة‏:‏ من جهة أقوال أهل العلم فيها أما أقوال أهل العلم فيها فلا يخفى أن الأئمة الأربعة وأتباعهم وجلّ الصحابة وأكثر العلماء على نفوذ الثلاث دفعة بلفظ واحد، وادعى غير واحد على ذلك إجماع الصحابة وغيرهم‏.‏

وأما من جهة نص صريح من قول النبيّ صلى الله عليه وسلم أو فعله فلم يثبت من لفظ النبيّ صلى الله عليه وسلم ولا من فعله ما يدلّ على جعل الثلاث واحدة، وقد مر لك أن أثبت ما روي في قصة طلاق ركانة أنه بلفظ البتّة، وأن النبيّ حلّفه ما أراد إلا واحدة، ولو كان لا يلزم أكثر من واحدة بلفظ واحد لما كان لتحليفه معنى‏.‏ وقد جاء في حديث ابن عمر عند الدارقطني أنه قال‏:‏ يا رسول اللَّه، أرأيت لو طلقتها ثلاثًا أكان يحلّ لي أن أراجعها ‏؟‏ قال‏:‏ ‏"‏لا، كانت تبين منك، وتكون معصية‏"‏‏.‏

وقد قدمنا أن في إسناده عطاء الخراساني، وشعيب بن زريق الشامي، وقد قدمنا أن عطاء المذذكور من رجال مسلم، وأن شعيبًا المذكور قال فيه ابن حجر في ‏"‏التقريب‏"‏‏:‏ صدوق يخطىء، وأن حديث ابن عمر هذا يعتضد بما ثبت عن ابن عمر في ‏"‏الصحيح‏"‏ من أنه قال‏:‏ وإن كنت طلقتها ثلاثًا فقد حرمت عليك حتى تنكح زوجًا غيرك، وعصيت ربك فيما أمرك به من طلاق امرأتك‏.‏

ولا سيما على قول الحاكم‏:‏ إنه مرفوع ويعتضد بالحديث المذكور قبله؛ لتحليفه ركانة وبحديث الحسن بن علي المتقدم عند البيهقي والطبراني، وبحديث سهل بن سعد الساعدي الثابت في الصحيح، في لعان عويمر وزوجه، ولا سيّما رواية فأنفذها رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، يعني الثلاث المجتمعة وببقية الأحاديث المتقدمة‏.‏

وقد قدمنا أن كثرة طرقها واختلاف منازعها يدل على أن لها أصلاً وأن بعضها يشد بعضًا فيصلح المجموع للاحتجاج‏.‏ ولا سيّما أن بعضها صححه بعض العلماء وحسنه بعضهم، كحديث ركانة المتقدم‏.‏ وقد عرفت أن حديث داود بن الحصين لا دليل فيه على تقدير ثبوته، فإذا حققت أن المروى باللفظ الصريح عن النبيّ صلى الله عليه وسلم ليس يدلّ إلا على وقوع الثلاث مجتمعة، فاعلم أن كتاب اللَّه ليس فيه شىء يدلّ على عدم وقوع الثلاث دفعة واحدة؛ لأنه ليس فيه آية ذكر الثلاث المجتمعة، وأحرى آية تصرح بعدم لزومها‏.‏

وقد قدمنا عن النووي وغيره أن العلماء استدلوا على وقوع الثلاث دفعة بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا‏}‏ ‏(‏ 56/1 ‏)‏، قالوا معناه‏:‏ أن المطلق قد يحدث له ندم فلا يمكنه تداركه؛ لوقوع البينونة فلو كانت الثلاث لا تقع، لم يقع طلاقه إلا رجعيًا، فلا يندم‏.‏

وقد قدمنا ما ثبت عن ابن عباس من أنها تلزم مجتمعة، وأن ذلك داخل في معنى الآية وهو واضح جدًا، فاتضح أنه ليس في كتاب اللَّه ولا في صريح قول النبيّ صلى الله عليه وسلم أو فعله ما يدل على عدم وقوع الثلاث‏.‏

أما من جهة صناعة علم الحديث، والأصول، فما أخرجه مسلم من حديث ابن عباس المتقدم له حكم الرفع؛ لأن قول الصحابي كان يفعل كذا على عهد النبيّ صلى الله عليه وسلم، له حكم الرفع عند جمهور المحدثين والأصوليين‏.‏

وقد علمت أوجه الجواب عنه بإيضاح‏.‏ ورأيت الروايات المصرحة بنسخ المراجعة بعد ‏"‏لثلاث‏"‏، وقد قدمنا أن جميع روايات حديث طاوس عن ابن عباس المذكور عند مسلم ليس في شىء منها التصريح بأن الطلقات الثلاث بلفظ واحد، وقد قدمنا أيضًا أن بعض رواياته موافقة للفظ حديث عائشة الثابت في الصحيح‏.‏ وأنه لا وجه للفرق بينهما، فإن حمل على أن الثلاث مجموعة فحديث عائشة أصح، وفيه التصريح بأن تلك المطلقة لا تحل إلا بعد زوج‏.‏ وإن حمل على أنها بألفاظ متفرقة، فلا دليل إذن في حديث طاوس عن ابن عباس على محل النزاع، فإن قيل‏:‏ أنتم تارة تقولون‏:‏ إن حديث ابن عباس منسوخ، وتارة تقولون‏:‏ ليس معناه أنها بلفظ واحد، بل بألفاظ متفرقة، فالجواب أن معنى كلامنا‏:‏ أن الطلقات في حديث طاوس لا يتعين كونها بلفظ واحد، ولو فرضنا أنها بلفظ واحد، فجعلها واحدة منسوخ هذا هو ما ظهر لنا في هذه المسألة‏.‏ واللَّه تعالى أعلم ونسبة العلم إليه أسلم‏.‏

‏{‏فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ‏}‏، لم يبين في هذه الآية ولا في غيرها من آيات الطلاق حكمة كون الطلاق بيد الرجل دون إذن المرأة، ولكنه بيّن في موضع آخر أن حكمة ذلك أن المرأة حقل تزرع فيه النطفة كما يزرع البذر في الأرض، ومن رأى أن حقله غير صالح للزراعة فالحكمة تقتضي أن لا يرغم على الازدراع فيه، وأن يترك وشأنه؛ ليختار حقلاً صالحًا لزراعته وذلك في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ‏}‏، كما تقدم إيضاحه‏.‏

‏{‏وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُواْ مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلاَّ أَن يَخَافَا أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ‏}‏‏.‏ صرح في هذه الآية الكريمة بأن الزوج لا يحل له الرجوع في شىء مما أعطى زوجته، إلا على سبيل الخلع، إذا خافا إلا يقيما حدود اللَّه، فيما بينهما، فلا جناح عليهما إذن في الخلع‏.‏ أي‏:‏ لا جناح عليها هي في الدفع، ولا عليه هو في الأخذ‏.‏

وصرح في موضع آخر بالنهي عن الرجوع في شىء مما أعطى الأزواج زوجاتهم، ولو كان المعطى قنطارًا وبين أن أخذه بهتان وإثم مبين، وبيّن أن السبب المانع من أخذ شىء منه هو أنه أفضى إليها بالجماع‏.‏ وذلك في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَإِنْ أَرَدتُّمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا فَلاَ تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً‏}‏‏.‏

وبيّن في موضع آخر أن محل النهي عن ذلك إذا لم يكن عن طيب النفس من المرأة؛ وذلك في قوله‏:‏ ‏{‏فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَّرِيئًا‏}‏‏.‏ وأشار إلى ذلك بقوله‏:‏ ‏{‏وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُم بِهِ مِن بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا‏}‏‏.‏

تنبيــه

أخذ ابن عباس من هذه الآية الكريمة أن الخلع فسخ ولا يعد طلاقًا؛ لأن اللَّه تعالى قال‏:‏ ‏{‏الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ‏}‏، ثم ذكر الخلع بقوله‏:‏ ‏{‏فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ‏}‏؛ لم يعتبره طلاقًا ثالثًا ثم ذكر الطلقة الثالثة بقوله‏:‏ ‏{‏فَإِن طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ‏}‏‏.‏

وبهذا قال عكرمة وطاوس وهو رواية عن عثمان بن عفان وابن عمر، وهو قول إسحاق بن راهويه، وأبي ثور وداود بن علي الظاهري كما نقله عنهم ابن كثير وغيره، وهو قول الشافعي في القديم وإحدى الروايتين عن أحمد‏.‏

قال مقيده عفا اللَّه عنه الاستدلال بهذه الآية على أن الخلع لا يعد طلاقًا ليس بظاهر عندي؛ لما تقدم مرفوعًا إليه صلى الله عليه وسلم من أن الطلقة الثالثة هي المذكورة في قوله‏:‏ ‏{‏أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ‏}‏، وهو مرسل حسن‏.‏

قال في ‏"‏فتح الباري‏"‏‏:‏ والأخذ بهذا الحديث أولى، فإنه مرسل حسن يعتضد بما أخرجه الطبري من حديث ابن عباس بسند صحيح، قال‏:‏ ‏"‏إذا طلَّق الرجل امرأته تطليقتين فلْيتق اللَّه في الثالثة، فإما أن يمسكها فيحسن صحبتها، أو يسرحها فلا يظلمها من حقها شيئًا‏"‏‏.‏

وعليه ففراق الخلع المذكور لم يرد منه إلا بيان مشروعية الخلع عند خوفهما ألاَّ يُقيما حدودَ اللَّه؛ لأنه ذكر بعد الطلقة الثالثة‏.‏ وقوله‏:‏ ‏{‏فَإِن طَلَّقَهَا‏}‏ إنما كرره؛ ليرتب عليه ما يلزم بعد الثالثة، الذي هو قوله‏:‏ ‏{‏فلا تحل له من بعد‏}‏‏.‏ ولو فرعنا على أن قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ‏}‏، يراد به عدم الرجعة، وأن الطلقة الثالثة هي المذكورة في قوله‏:‏ ‏{‏فإن طلقها فلا تحل له من بعد‏}‏، لم يلزم من ذلك أيضًا عدم عدّ الخلع طلاقًا؛ لأن اللَّه تعالى ذكر الخلع في معرض منع الرجوع فيما يعطاه الأزواج‏.‏ فاستثنى منه صورة جائزة، ولا يلزم من ذلك عدم اعتبارها طلاقًا، كما هو ظاهر من سياق الآية‏.‏

وممن قال بأن الخلع يعد طلاقًا بائنًا مالك، وأبو حنيفة، والشافعي في الجديد، وقد روي نحوه عن عمر، وعلي، وابن مسعود، وابن عمر، وبه قال سعيد بن المسيّب، والحسن، وعطعاء، وشريح، والشعبي، وإبراهيم، وجابر بن زيد، والثوري، والأوزاعي، وأبو عثمان البتي، كما نقله عنهم ابن كثير وغيره‏.‏

غير أن الحنفية عندهم أنه متى نوى المخالع بخلعه تطليقة أو اثنتين، أو أطلق فهو واحدة بائنة‏.‏ وإن نوى ثلاثًا فثلاث، وللشافعي قول آخر في الخلع وهو‏:‏ أنه متى لم يكن بلفظ الطلاق وعري عن النيّة فليس هو بشىء بالكلية، قاله ابن كثير‏.‏

وممّا احتجّ به أهل القول بأن الخلع طلاق ما رواه مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن جهمان مولى الأسلميين، عن أم بكر الأسلمية أنها اختلعت من زوجها عبد اللَّه خالد بن أسيد، فأتيا عثمان بن عفان في ذلك فقال تطليقة، إلا أن تكون سميت شيئًا فهو ما سمّيت‏.‏

قال الشافعي‏:‏ ولا أعرف جهمان، وكذا ضعف أحمد بن حنبل هذا الأثر، قاله ابن كثير والعلم عند اللَّه تعالى‏.‏

وروى ابن أبي شيبة عن ابن مسعود مثله وتكلّم فيه بأن في سنده ابن أبي ليلى، وأنه سَيِّىء الحفظ وروي مثله عن علي وضعفه ابن حزم، واللَّه تعالى أَعلم‏.‏

فروع الأول‏:‏ ظاهر هذه الآية الكريمة أن الخلع يجوز بأكثر من الصداق؛ وذلك لأنه تعالى عبّر بما الموصولة في قوله‏:‏ ‏{‏فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ‏}‏، وقد تقرر في الأصول أن الموصولات من صيغ العموم؛ لأنها تعم كل ما تشمله صلاتها كما عقده في ‏"‏ مراقي السعود ‏"‏ بقوله‏:‏ صيغه كل أو2‏(‏212‏)‏ الجميع وقد تلا الذي التي الفروع


وهذا هو مذهب الجمهور، قال ابن كثير في تفسير هذه الآية ما نصه‏:‏ وقد اختلف العلماء رحمهم اللَّه في أنه هل يجوز للرجل أن يفاديها بأكثر مما أعطاها‏.‏

فذهب الجمهور إلى جواز ذلك؛ لعموم قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ‏}‏‏.‏

وقال ابن جرير‏:‏ حدّثنا يعقوب بن إيراهيم، حدثنا ابن علية، أخبرنا أيوب عن كثير مولى ابن سمرة‏:‏ أن عمر أتى بامرأة ناشز فأمر بها إلى بيت كثير الزبل، ثم دعاها فقال‏:‏ كيف وجدت‏؟‏ فقالت‏:‏ ما وجدت راحة منذ كنت عنده إلا هذه الليلة التي كنت حبستني‏.‏ فقال لزوجها‏:‏ اخلعها ولو من قرطها، ورواه عبد الرزّاق عن معمر، عن أيوب، عن كثير مولى ابن سمرة فذكر مثله، وزاد فحبسها فيه ثلاثة أيام‏.‏

وقال سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن حميد بن عبد الرحمان، أن امرأة أتت عمر بن الخطاب فشكت زوجها فأباتها في بيت الزبل، فلما أصبحت قال لها‏:‏ كيف وجدت مكانك ‏؟‏ قالت‏:‏ ما كنت عنده ليلة أقر لعيني من هذه الليلة‏.‏ فقال‏:‏ خذ ولو عقاصها‏.‏ وقال البخاري‏:‏ وأجاز عثمان الخلع دون عقاص رأسها‏.‏

وقال عبد الرزّاق‏:‏ أخبرنا معمر عن عبد اللَّه بن محمد بن عقيل‏:‏ أن الربيع بنت معوذ بن عفراء حدثته قالت‏:‏ كان لي زوج يقل على الخير إذا حضرني، ويحرمني إذا غاب‏.‏ قالت‏:‏ فكانت مني زلة يومًا، فقلت له‏:‏ أختلع منك بكل شىء أملكه، قال‏:‏ نعم، قالت‏:‏ ففعلت، قالت‏:‏ فخاصم عمي معاذ بن عفراء إلى عثمان بن عفان فأجاز الخلع، وأمره أن يأخذ عقاص رأسي، فما دونه، أو قالت ما دون عقاص الرأس‏.‏

ومعنى هذا أنه يجوز أن يأخذ منها كل ما بيدها من قليل وكثير، ولا يترك لها سوى عقاص شعرها، وبه يقول ابن عمر وابن عباس وعكرمة ومجاهد وإبراهيم النخعي وقبيصة بن ذؤيب والحسن بن صالح وعثمان البتي‏.‏

وهذا مذهب مالك، والليث، والشافعي، وأبي ثور، واختاره ابن جرير‏.‏ وقال أصحاب أبي حنيفة إن كان الإضرار من قبلها جاز أن يأخذ منها ما أعطاها، ولا يجوز الزيادة عليه‏.‏ فإن ازداد جاز في القضاء، وإن كان الإضرار من جهته لم يجز أن يأخذ منها شيئًا، فإن أخذ جاز في القضاء‏.‏ وقال الإمام أحمد وأبو عبيد وإسحاق بن راهويه‏:‏ لا يجوز أن يأخذ أكثر مما أعطاها، وهذا قول سعيد بن المسيِّب وعطاء، وعمرو بن شعيب، والزهري، وطاوس، والحسن، والشعبي، وحماد بن أبي سليمان، والربيع بن أنس‏.‏

وقال معمر والحكم‏:‏ كان علي يقول‏:‏ لا يأخذ من المختلعة فوق ما أعطاها‏.‏ وقال الأوزاعي‏:‏ القضاة لا يجيزون أن يأخذ منها أكثر مما ساق إليها، قلت‏:‏ ويستدل لهذا القول بما تقدم من رواية قتادة عن عكرمة عن ابن عباس في قصة ثابت بن قيس، فأمره رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أن يأخذ منها الحديقة ولا يزداد، وبما روى عبد بن حميد حيث قال‏:‏ أخبرنا قبيصة، عن سفيان، عن ابن جريج، عن عطاء، أن النبيّ صلى الله عليه وسلم كره أن يأخذ منها أكثر مما أعطاها، يعني‏:‏ المختلعة، وحملوا معنى الآية على معنى‏:‏ ‏{‏فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ‏}‏، أي‏:‏ من الذي أعطاها؛ لتقدم قوله‏:‏ ‏{‏وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُواْ مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلاَّ أَن يَخَافَا أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ‏}‏،

أي‏:‏ من ذلك وهكذا كان يقرؤها الربيع بن أنس ‏{‏فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِه‏}‏ منه، رواه ابن جرير، ولهذا قال بعده‏:‏ ‏{‏تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ‏}‏‏.‏ اهـ من ابن كثير بلفظه‏.‏

الفرع الثاني‏:‏ اختلف العلماء في عدة المختلعة‏:‏ فذهب أكثر أهل العلم إلى أنها تعتد بثلاثة قروء إن كانت ممن تحيض، كعدة المطلقة منهم‏:‏ مالك، وأبو حنيفة، والشافعي، وأحمد، وإسحاق بن راهويه في الرواية المشهورة عنهما، وروي ذلك عن عمر، وعلي، وابن عمر، وبه يقول سعيد بن المسيِّب، وسليمان بن يسار، وعروة، وسالم، وأبو سلمة، وعمر بن عبد العزيز، وابن شهاب، والحسن، والشعبي، وإبراهيم النخعي، وأبو عياض، وخلاس بن عمرو، وقتادة، وسفيان الثوري، والأوزاعي، والليث بن سعد، وأبو العبيد‏.‏

قال الترمذي‏:‏ وهو قول أكثر أهل العلم من الصحابة وغيرهم، ومأخذهم في هذا‏:‏ أن الخلع طلاق فتعتد كسائر المطلقات، قاله ابن كثير‏.‏

قال مقيده عفا اللَّه عنه وكون الخلع طلاقًا ظاهر من جهة المعنى، لأن العوض المبذول للزوج من جهتها إنما بذلته في مقابلة ما يملكه الزوج، وهو الطلاق؛ لأنه لا يملك لها فراقًا شرعًا إلا بالطلاق، فالعوض في مقابلته‏.‏ ويدلّ له ما أخرجه البخاري في قصة مخالعة ثابت بن قيس زوجه من حديث ابن عباس‏:‏ ‏"‏أن امرأة ثابت بن قيس، أتت النبيّ صلى الله عليه وسلم فقالت‏:‏ يا رسول اللَّه، ثابت بن قيس ما أعتب عليه من خلق ولا دين، ولكني أكره الكفر في الإسلام، فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏أتردين عليه حديقته‏؟‏‏"‏ قالت‏:‏ نعم، قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏اقبل الحديقة وطلقها تطليقة‏"‏ فإن قوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏اقبل الحديقة وطلقها تطليقة‏"‏، فيه دليل على أن العوض مبذول في الطلاق الذي هو من حق الزوج، وقول البخاري عقب سوقه للحديث المذكور‏.‏

قال أبو عبد اللَّه‏:‏ لا يتابع فيه عن ابن عباس لا يسقط الاحتجاج به؛ لأن مراده أن أزهر بن جميل لا يتابعه غيره في ذكر ابن عباس في هذا الحديث، بل أرسله غيره ومراده بذلك‏:‏ خصوص طريق خالد الحذاء، عن عكرمة، ولهذا عقبه برواية خالد وهو ابن عبد اللَّه الطحان عن خالد، وهو الحذاء عن عكرمة مرسلاً، ثم برواية إبراهيم بن طهمان، عن خالد الحذاء مرسلاً، وعن أيوب موصولاً‏.‏ ورواية إبراهيم بن طهمان عن أيوب الموصولة، وصلها الإسماعيلي، قاله الحافظ في ‏"‏ الفتح ‏"‏، فظهر اعتضاد الطرق المرسلة بعضها ببضع، وبالطرق الموصولة‏.‏

وقوله في رواية إبراهيم بن طهمان عن أيوب الموصولة وأمره ففارقها يظهر فيها أن مراده بالفراق الطلاق في مقابلة العوض؛ بدليل التصريح في الرواية الأخرى بذكر التطليقة، والروايات بعضها يفسر بعضًا، كما هو معلوم في علوم الحديث‏.‏

وما ذكره بعض العلماء من أن المخالع إذا صرح بلفظ الطلاق لا يكون طلاقًا، وإنما يكون فسخًا فهو بعيد ولا دليل عليه‏.‏ والكتاب والسنّةُ يدلان على أن المفارقة بلفظ الطلاق طلاق لا فسخ‏.‏ والاستدلال على أنه فسخ بإيجاب حيضة واحدة في عدة المختلعة فيه أمران‏:‏

أحدهما‏:‏ ما ذكرنا آنفًا من أن أكثر أهل العلم على أن المختلعة تعتد عدة المطلقة ثلاثة قروء‏.‏

الثاني‏:‏ أنه لا ملازمة بين الفسخ والاعتداد بحيضة، ومما يوضح ذلك أن الإمام أحمد وهو، رحمه اللَّه تعالى ــ يقول في أشهر الروايتين عنه‏:‏ إن الخلع فسخ لا طلاق، ويقول في أشهر الروايتين عنه أيضًا‏:‏ إن عدة المختلعة ثلاثة قروء كالمطلقة، فظهر عدم الملازمة عنده فإن قيل هذا الذي ذكرتم يدلّ على أن المخالع إذا صرح بلفظ الطلاق كان طلاقًا، ولكن إذا لم يصرح بالطلاق في الخلع فلا يكون الخلع طلاقًا، فالجواب‏:‏ أن مرادنا بالاستدلال بقوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏اقبل الحديقة وطلقها تطليقة‏"‏‏:‏ أن الطلاق المأمور به من قبله صلى الله عليه وسلم هو عوض المال إذ لا يملك الزوج من الفراق غير الطلاق‏.‏ فالعوض مدفوع له عما يملكه كما يدلّ له الحديث المذكور دلالة واضحة‏.‏

وقال بعض العلماء‏:‏ تعتدّ المختلعة بحيضة ويروى هذا القول عن أمير المؤمنين عثمان بن عفان، وعبد اللَّه بن عمر، والربيع بنت معوذ، وعمها، وهو صحابي وأخرجه أصحاب السنن، والطبراني مرفوعًا والظاهر أن بعض أسانيده أقل درجاتها القبول، وعلى تقدير صحة الحديث بذلك فلا كلام‏.‏ ولو خالف أكثر أهل العلم وقد قدمنا عدم الملازمة بين كونه فسخًا، وبين الاعتداد بحيضة فالاستدلال به عليه لا يخلو من نظر، وما وجهه به بعض أهل العلم من أن العدة إنما جعلت ثلاث حيض ليطول زمن الرجعة ويتروى الزوج ويتمكن من الرجعة في مدة العدة، فإذا لم تكن عليها رجعة فالمقصود مجرد براءة رحمها من الحمل‏.‏ وذلك يكفي فيه حيضة كالاستبراء لا يخلو من نظر أيضًا؛ لأن حكمة جعل العدة ثلاثة قروء ليست محصورة في تطويل زمن الرجعة،بل الغرض الأعظم منها‏:‏ الاحتياط لماء المطلق حتى يغلب على الظن بتكرر الحيض ثلاث مرات، أن الرحم لم يشتمل على حمل منه‏.‏ ودلالة ثلاث حيض على ذلك أبلغ من دلالة حيضة واحدة، ويوضح ذلك أن الطلقة الثالثة لا رجعة بعدها إجماعًا‏.‏

فلو كانت الحكمة ما ذكر لكانت العدة من الطلقة الثالثة حيضة واحدة، وما قاله بعض العلماء من أن باب الطلاق جعل حكمه واحدًا، فجوابه أنه لم يجعل واحدًا إلا لأن الحكمة فيه واحدة‏.‏ ومما يوضح ذلك أن المطلق قبل الدخول لا عدة له على مطلقته إجماعًا، بنصّ قوله تعالى‏:‏ ‏{‏مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا‏}‏، مع أنه قد يندم على الطلاق كما يندم المطلق بعد الدخول، فلو كانت الحكمة في الاعتداد بالأقراء مجرد تمكين الزوج من الرجعة، لكانت العدة في الطلاق قبل الدخول‏.‏

ولما كانت الحكمة الكبرى في الاعتداد بالأقراء هي أن يغلب على الظن براءة الرحم من ماء المطلق؛ صيانة للأنساب، كان الطلاق قبل الدخول لا عدة فيه أصلاً؛ لأن الرحم لم يعلق بها شىء من ماء المطلق حتى تطلب براءتها منه بالعدة، كما هو واضح‏.‏ فإن قيل فما وجه اعتداد المختلعة بحيضة‏؟‏ قلنا‏:‏ إن كان ثابتًا عن النبيّ صلى الله عليه وسلم كما أخرجه عنه أصحاب السنن والطبراني فهو تفريق من الشارع بين الفراق المبذول فيه عوض، وبين غيره في قدر العدة، ولا إشكال في ذلك‏.‏ كما فرق بين الموت قبل الدخول فأوجب فيه عدة الوفاة‏.‏ وبين الطلاق قبل الدخول فلم يوجب فيه عدة أصلاً‏.‏ مع أن الكل فراق قبل الدخول‏.‏ والفرق بين الفراق بعوض، والفراق بغير عوض ظاهر في الجملة، فلا رجعة في الأول بخلاف الثاني‏.‏

الفرع الثالث‏:‏ اختلف العلماء في المخالعة هل يلحقها طلاق من خالعها بعد الخلع على ثلاثة أقوال‏:‏

الأول‏:‏ لا يلحقها طلاقه، لأنها قد ملكت نفسها وبانت منه بمجرد الخلع، وبهذا قول ابن عباس، وابن الزبير، وعكرمة، وجابر بن زيد، والحسن البصري، والشافعي، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وأبو ثور كما نقله عنهم ابن كثير‏.‏

الثاني‏:‏ أنه إن أتبع الخلع طلاقًا من غير سكوت بينهما وقع، وإن سكت بينهما لم يقع، وهذا مذهب مالك‏.‏

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
الهدى

avatar

عدد المساهمات : 326
التميز : 1
تاريخ التسجيل : 14/10/2009

مُساهمةموضوع: تفسير اضواء البيان فى ايضاح القران بالقران   الإثنين يناير 11, 2010 4:32 am


قال ابن عبد البر‏:‏ وهذا يشبه ما روي عن عثمان رضي اللَّه عنه‏.‏

الثالث‏:‏ أنه يلحقها طلاقه ما دامت في العدة مطلقًا، وهو قول أبي حنيفة، وأصحابه، والثوري، والأوزاعي، وبه يقول سعيد بن المسيِّب، وشريح، وطاوس، وإبراهيم، والزهري، والحاكم، والحكم، وحماد بن أبي سليمان، كما نقله عنهم ابن كثير‏.‏ وروي ذلك عن ابن مسعود، وأبي الدرداء‏.‏

قال ابن عبد البر‏:‏ وليس ذلك بثابت عنهما‏.‏

قال مقيده عفا اللَّه عنه وهذا القول الثالث بحسب النظر أبعد الأقوال؛ لأن المخالعة بمجرد انقضاء صيغة الخلع تبين منه، والبائن أجنبية لا يقع عليها طلاق؛ لأنه لا طلاق لأحد فيما لا يملكه كما هو ظاهر، والعلم عند اللَّه تعالى‏.‏

الفرع الرابع‏:‏ ليس للمخالع أن يراجع المختلعة في العدة بغير رضاها عند الأئمة الأربعة وجمهور العلماء؛ لأنها قد ملكت نفسها بما بذلت له من العطاء، وروي عن عبد اللَّه بن أبي أوفى، وماهان الحنفي، وسعيد بن المسيِّب، والزهري أنهم قالوا‏:‏ إن رد إليها الذي أعطته جاز له رجعتها في العدة بغير رضاها، وهو اختيار أبي ثور‏.‏

وقال سفيان الثوري‏:‏ إن كان الخلع بغير لفظ الطلاق فهو فرقة، ولا سبيل له عليها، وإن كان سمى طلاقًا فهو أملك لرجعتها ما دامت في العدة، وبه يقول داود بن علي الظاهري‏.‏ ا هـ من ابن كثير‏.‏

الفرع الخامس‏:‏ أجمع العلماء على أن للمختلع أن يتزوجها برضاها في العدة، وما حكاه ابن عبد البر عن جماعة من أنهم منعوا تزويجها لمن خالعها، كما يمنع لغيره فهو قول باطل مردود ولا وجه له بحال‏.‏ كما هو ظاهر والعلم عند اللَّه تعالى‏.‏

‏{‏وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النَّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لَّتَعْتَدُواْ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلاَ تَتَّخِذُوَاْ آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مِّنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُم بِهِ وَاتَّقُواْ اللَّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْاْ بَيْنَهُم بِالْمَعْرُوفِ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ‏}‏

وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَآءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ ظاهر قوله تعالى في هذه الآية الكريمة‏:‏ ‏{‏فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ‏}‏، انقضاء عدتهن بالفعل، ولكنه بيّن في موضع آخر أنه لا رجعة إلا في زمن العدة خاصة، وذلك في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ‏}‏؛ لأن الإشارة في قوله‏:‏ ‏{‏ذَلِكَ‏}‏ راجعة إلى زمن العدة المعبر عنه بثلاثة قروء في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ‏}‏‏.‏ فاتضح من تلك الآية أن معنى ‏{‏فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ‏}‏‏.‏ أي‏:‏ قاربن انقضاء العدة، وأشرفن على بلوغ أجلها‏.‏

‏{‏وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لَّتَعْتَدُواْ‏}‏‏.‏ صرح تعالى في هذه الآية الكريمة بالنهي عن إمساك المرأة مضارة لها؛ لأجل الإعتداء عليها بأخذه ما أعطاها؛ لأنها إذا طال عليها الإضرار افتدت منه؛ ابتغاء السلامة من ضرره‏.‏ وصرح في موضع آخر بأنها إذا أتت بفاحشة مبينة جاز له عضلها، حتى تفتدي منه وذلك في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا‏}‏، واختلف العلماء في المراد بالفاحشة المبينة‏.‏

فقال جماعة منهم هي‏:‏ الزنا، وقال قوم هي‏:‏ النشوز والعصيان وبذاء اللسان‏.‏ والظاهر شمول الآية للكل كما اختاره ابن جرير‏.‏

وقال ابن كثير‏:‏ إنه جيد، فإذا زنت أو أساءت بلسانها، أو نشزت جازت مضاجرتها؛ لتفتدي منه بما أعطاها على ما ذكرنا من عموم الآية‏.‏

‏{‏وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لاَ تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَهَا لاَ تُضَآرَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلاَ مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً عَن تَرَاضٍ مِّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدتُّمْ أَن تَسْتَرْضِعُواْ أَوْلاَدَكُمْ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُم مَّآ آتَيْتُم بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُواْ اللَّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ‏}‏‏.‏

وَإِنْ أَرَدتُّمْ أَن تَسْتَرْضِعُوااْ أَوْلَـادَكُمْ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ ذكر في هذه الآية الكريمة أن الرجل إذا أراد أن يطلب لولده مرضعة غير أمه لا جناح عليه في ذلك، إذا سلم الأجرة المعينة في العقد، ولم يبيّن هنا الوجه الموجب لذلك، ولكنّه بيّنه في سورة ‏{‏الطلاق‏}‏ بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَإِن تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى‏}‏، والمراد بتعاسرهم‏:‏ امتناع الرجل من دفع ما تطلبه المرأة، وامتناع المرأة من قبول الإرضاع بما يبذله الرجل ويرضى به‏.‏

‏{‏وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُم بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاء أَوْ أَكْنَنتُمْ فِي أَنفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِن لاَّ تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلاَّ أَن تَقُولُواْ قَوْلاً مَّعْرُوفًا وَلاَ تَعْزِمُواْ عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّىَ يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنُّ أَوْ تَفْرِضُواْ لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدْرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إَلاَّ أَن يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَن تَعْفُواْ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلاَ تَنسَوُاْ الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلاَةِ الْوُسْطَى وَقُومُواْ لِلّهِ قَانِتِينَ فَإنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنتُمْ فَاذْكُرُواْ اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِّأَزْوَاجِهِم مَّتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِيَ أَنفُسِهِنَّ مِن مَّعْرُوفٍ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُواْ ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلإِ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ مِن بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُواْ لِنَبِيٍّ لَّهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلاَّ تُقَاتِلُواْ قَالُواْ وَمَا لَنَا أَلاَّ نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَارِنَا وَأَبْنَآئِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْاْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوَاْ أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَاء وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ وَقَالَ لَهُمْ نِبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَن يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِّمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلآئِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلاَّ مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُواْ مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ قَالُواْ لاَ طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُوا اللَّهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ وَلَمَّا بَرَزُواْ لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُواْ رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاء وَلَوْلاَ دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِن بَعْدِهِم مِّن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُواْ فَمِنْهُم مَّنْ آمَنَ وَمِنْهُم مَّن كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُواْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَنفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خُلَّةٌ وَلاَ شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاء وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْلِيَآؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَآجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رِبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّىَ يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَل لَّبِثْتَ مِئَةَ عَامٍ فَانظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِّلنَّاسِ وَانظُرْ إِلَى العِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ‏}‏

‏.‏ وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا ظاهر هذه الآية الكريمة أن كل متوفى عنها تعتد بأربعة أشهر وعشر، ولكنه بيّن في موضع آخر أن محل ذلك ما لم تكن حاملاً، فإن كانت حاملاً كانت عدتها وضع حملها، وذلك في قوله‏:‏ ‏{‏وأولات الأحمال أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ‏}‏، ويزيده إيضاحًا ما ثبت في الحديث المتفق عليه من إذن النبيّ صلى الله عليه وسلم لسبيعة الأسلمية في الزواج بوضع حملها بعد وفاة زوجها بأيام، وكون عدة الحامل المتوفى عنها بوضع حملها هو الحق، كما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم خلافًا لمن قال‏:‏ تعتد بأقصى الأجلين‏.‏ ويروى عن علي وابن عباس، والعلم عند اللَّه تعالى‏.‏

تنبيهـــان

الأول‏:‏ هاتان الآيتان، أعني قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏وأولات الأحمال أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا‏}‏، من باب تعارض الأعمين من وجه، والمقرر في الأصول الترجيح بينهما، والراجح منهما يخصص به عموم المرجوح كما عقده في ‏"‏المراقي‏"‏ بقوله‏:‏ وإن يك العموم من وجه ظهر فالحكم بالترجيح حتمًا معتبر


وقد بيّنت السنّة الصحيحة أن عموم‏:‏

‏{‏وأولات الأحمال‏}‏، مخصص لعموم‏:‏ ‏{‏وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا‏}‏ الآية‏.‏ مع أن جماعة من الأصوليين ذكروا أن الجموع المنكرة لا عموم لها، وعليه فلا عموم في آية البقرة؛ لأن قوله‏:‏ ‏{‏وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا‏}‏، جمع منكر فلا يعم بخلاف قوله‏:‏ ‏{‏وأولات الأحمال‏}‏، فإنه مضاف إلى معرف بأل، والمضاف إلى المعرف بها من صيغ العموم، كما عقده في ‏"‏مراقي السعود‏"‏ بقوله عاطفًا على صيغ العموم‏:‏ وما معرفًا بأل قد وجدا † أو بإضافة إلى معرف إذا تحقق الخصوص قد نفى


الثاني‏:‏ الضمير الرابط للجملة بالموصول محذوف؛ لدلالة المقام عليه أي‏:‏ والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجًا يتربصن بعدهم أربعة أشهر وعشرًا كقول العرب‏:‏ السمن منوان بدرهم، أي‏:‏ منوان منه بدرهم‏.‏

‏{‏وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ‏}‏

، وَلِلْمُطَلَّقَـاتِ مَتَـاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ ظاهر هذه الآية الكريمة أن المتعة حق لكل مطلقة على مطلقها المتقي، سواء أطلقت قبل الدخول أم لا ‏؟‏ فرض لها صداق أم لا ‏؟‏ ويدل لهذا العموم قوله تعالى‏:‏ ‏{‏يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلاً‏}‏، مع قوله‏:‏ ‏{‏لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا‏}‏، وقد تقرر في الأصول أن الخطاب الخاص به صلى الله عليه وسلم يعم حكمه جميع الأمة إلا بدليل على الخصوص كما عقده في ‏"‏مراقي السعود‏"‏ بقوله‏:‏ وما به قد خوطب النبي تعميمه في المذهب السني


وهو مذهب الأئمة الثلاثة، خلافًا للشافعي القائل بخصوصه به صلى الله عليه وسلم إلا بدليل على العموم، كما بينّاه في غير هذا الموضع‏.‏

وإذا عرفت ذلك فاعلم‏:‏ أن أزواج النبيّ مفروض لهن ومدخول بهن، وقد يفهم من موضع آخر أن المتعة لخصوص المطلقة قبل الدخول، وفرض الصداق معًا؛ لأن المطلقة بعد الدخول تستحق الصداق، والمطلقة قبل الدخول وبعد فرض الصداق تستحق نصف الصداق‏.‏ والمطلقة قبلهما لا تستحق شيئًا، فالمتعة لها خاصة لجبر كسرها وذلك في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنُّ أَوْ تَفْرِضُواْ لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدْرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ‏}‏، ثم قال‏:‏ ‏{‏وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ‏}‏، فهذه الآية ظاهرة في هذا التفصيل، ووجهه ظاهر معقول‏.‏

وقد ذكر تعالى في موضع آخر ما يدل على الأمر بالمتعة للمطلقة قبل الدخول وإن كان مفروضًا لها، وذلك في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلاً‏}‏؛ لأن ظاهر عمومها يشمل المفروض لها الصداق وغيرها، وبكل واحدة من الآيات الثلاث أخذ جماعة من العلماء، والأحوط الأخذ بالعموم، وقد تقرر في الأصول أن النصّ الدال على الأمر مقدم على الدال على الإباحة، وعقده في ‏"‏مراقي السعود‏"‏ بقوله‏:‏ وناقل ومثبت والآمر بعد النواهي ثم هذا الآخر


على إباحة الخ‏.‏‏.‏‏.‏

فقوله ثم هذا الآخر على إباحة، يعني‏:‏ أن النصّ الدال على أمر مقدم على النص الدال على إباحة، للاحتياط في الخروج من عهدة الطلب‏.‏

والتحقيق أن قدر المتعة لا تحديد فيه شرعًا لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدْرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ‏}‏، فإن توافقا على قدر معين فالأمر واضح، وإن اختلفا فالحاكم يجتهد في تحقيق المناط، فيعين القدر على ضوء قوله تعالى‏:‏ ‏{‏عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ‏}‏، هذا هو الظاهر، وظاهر قوله‏:‏ ‏{‏وَمَتِّعُوهُنَّ‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ‏}‏، يقتضي وجوب المتعة في الجملة خلافًا لمالك ومن وافقه في عدم وجوب المتعة أصلاً، واستدل بعض المالكية على عدم وجوب المتعة بأن اللَّه تعالى قال‏:‏ ‏{‏حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ‏}‏، وقال‏:‏ ‏{‏حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ‏}‏، قالوا‏:‏ فلو كانت واجبة لكانت حقًا على كل أحد، وبأنها لو كانت واجبة لعيّن فيها القدر الواجب‏.‏

قال مقيده عفا اللَّه عنه هذا الاستدلال على عدم وجوبها لا ينهض فيما يظهر؛ لأن قوله‏:‏ ‏{‏عَلَى الْمُحْسِنِينَ‏}‏ و ‏{‏عَلَى الْمُتَّقِينَ‏}‏ تأكيد للوجوب وليس لأحد أن يقول لست متقيًا مثلاً؛ لوجوب التقوى على جميع الناس‏.‏

قال القرطبي في تفسير قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَتِّعُوهُنَّ‏}‏ الآية ما نصّه‏:‏ وقوله ‏{‏على‏}‏ تأكيد لإيجابها؛ لأن كل واحد يجب عليه أن يتقي اللَّه في الإشراك به ومعاصيه وقد قال تعالى في القرءَان‏:‏ ‏{‏فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ‏}‏، وقولهم لو كانت واجبة لعيّن القدر الواجب فيها، ظاهر السقوط‏.‏ فنفقة الأزواج والأقارب واجبة ولم يعيّن فيها القدر اللازم، وذلك النوع من تحقيق المناط مجمع عليه في جميع الشرائع كما هو معلوم‏.‏ قوله تعالى‏:‏

‏{‏وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُواْ ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ‏}‏

، أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَـارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُواْ ثُمَّ المقصود من هذه الآية الكريمة، تشجيع المؤمنين على القتال بإعلامهم بأن الفرار من الموت لا ينجي، فإذا علم الإنسان أن فراره من الموت أو القتل لا ينجيه، هانت عليه مبارزة الأقران؛ والتقدم في الميدان‏.‏ وقد أشار تعالى أن هذا هو مراده بالآية حيث أتبعها بقوله‏:‏ ‏{‏وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ‏}‏، وصرح بما أشار إليه هنا في قوله‏:‏ ‏{‏قُل لَّن يَنفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِن فَرَرْتُم مِّنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لاَّ تُمَتَّعُونَ إِلاَّ قَلِيلاً‏}‏، وهذه أعظم آية في التشجيع على القتال؛ لأنها تبين أن الفرار من القتل لا ينجي منه، ولو فرض نجاته منه فهو ميت عن قريب، كما قال قعنب ابن أم صاحب‏:‏ إذا أنت لاقيت في نجدة فلا تتهيّبك أن تقدما

فإن المنية من يخشها ** فسوف تصادفه أينما

وإن تتخطّك أسبابها ** فإن قصاراك أن تهرما


وقال زهير‏:‏

رأيت المنايا خبط عشواء من تصب تُمِتْهُ ومن تُخطىء يُعمرَّ فيهرم


وقال أبو الطيب‏:‏

وإذا لم يكن من الموت بد ** فمن العجز أن تكون جبانا

ولقد أجاد من قال‏:‏ في الجبن عارٌ وفي الإقدام مكرمة والمرء في الجبن لا ينجو من القدر


وهذا هو المراد بالآيات المذكورة، ويؤخذ من هذه الآية عدم جواز الفرار من الطاعون إذا وقع بأرض وأنت فيها، وقد ثبت عن النبيّ صلى الله عليه وسلم النهي عن الفرار من الطاعون وعن القدوم على الأرض التي هو فيها إذا كنت خارجًا عنها‏.‏ تنبيــه

لم تأت لفظة ‏{‏أَلَمْ تَرَ‏}‏ ونحوها في القرءان مما تقدمه لفظ ‏{‏الم‏}‏، معداة إلا بالحرف الذي هو ‏{‏إِلَىا‏}‏‏.‏ وقد ظن بعض العلماء أن ذلك لازم، والتحقيق عدم لزومه وجواز تعديته بنفسه دون حرف الجر، كما يشهد له قول امرئ القيس‏:‏

ألم ترياني كلما جئت طارقًا ** وجدت بها طيبًا وإن لم تطيب

‏{‏مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلإِ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ مِن بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُواْ لِنَبِيٍّ لَّهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلاَّ تُقَاتِلُواْ قَالُواْ وَمَا لَنَا أَلاَّ نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَارِنَا وَأَبْنَآئِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْاْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوَاْ أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَاء وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ وَقَالَ لَهُمْ نِبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَن يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِّمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلآئِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلاَّ مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُواْ مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ قَالُواْ لاَ طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُوا اللَّهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ وَلَمَّا بَرَزُواْ لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُواْ رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ‏}‏

، مَّن ذَا الَّذِى يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً لم يبيّن هنا قدر هذه الأضعاف الكثيرة، ولكنه بيّن في موضع آخر أنها تبلغ سبعمائة ضعف وتزيد عن ذلك‏.‏ وذلك في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاء وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ‏}‏‏.‏

‏{‏فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاء وَلَوْلاَ دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ‏}‏

، وَآتَـاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَآءُ لم يبيّن هنا شيئًا مما علمه، وقد بيّن في مواضع أُخر أن مما علمه صنعة الدروع كقوله‏:‏ ‏{‏وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَّكُمْ لِتُحْصِنَكُم مِّن بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنتُمْ شَاكِرُونَ‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ‏}‏‏.‏

‏{‏وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ‏}‏

، وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ يفهم من تأكيده هنا بان واللام أن الكفار ينكرون رسالته كما تقرر في فن المعاني، وقد صرح بهذا المفهوم في قوله‏:‏ ‏{‏وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَسْتَ مُرْسَلاً قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ‏}‏‏.‏

‏{‏تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِن بَعْدِهِم مِّن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُواْ فَمِنْهُم مَّنْ آمَنَ وَمِنْهُم مَّن كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُواْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَنفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خُلَّةٌ وَلاَ شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاء وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْلِيَآؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَآجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رِبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّىَ يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَل لَّبِثْتَ مِئَةَ عَامٍ فَانظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِّلنَّاسِ وَانظُرْ إِلَى العِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاء وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لاَ يُتْبِعُونَ مَا أَنفَقُواُ مَنًّا وَلاَ أَذًى لَّهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَآ أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ‏}‏

، لاَّ يَأْتِيهِ الْبَـاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ لم يبيّن هنا هذا الذي كلمه اللَّه منهم وقد بيّن أن منهم موسى عليه وعلى نبيّنا الصلاة والسلام بقوله‏:‏ ‏{‏وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاَتِي وَبِكَلاَمِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُن مِّنَ الشَّاكِرِينَ‏}‏‏.‏

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
الهدى

avatar

عدد المساهمات : 326
التميز : 1
تاريخ التسجيل : 14/10/2009

مُساهمةموضوع: تفسير اضواء البيان فى ايضاح القران بالقران   الإثنين يناير 11, 2010 4:37 am


قال ابن كثير‏:‏ ‏{‏مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ اللَّهُ‏}‏، يعني موسى ومحمّدًا صلّى اللَّه عليهما وسلم، وكذلك ءَادم كما ورد في الحديث المروي في ‏"‏صحيح ابن حبان‏"‏، عن أبي ذرّ رضي اللَّه عنه‏.‏

قال مقيده عفا اللَّه عنه تكليم ءَادم الوارد في ‏"‏صحيح ابن حبان‏"‏ يبيّنه قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَقُلْنَا يَاءادَمُ ءادَمَ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ‏}‏، وأمثالها من الآيات فإنه ظاهر في أنه بغير واسطة الملك، ويظهر من هذه الآية نهي حواء عن الشجرة على لسانه، فهو رسول إليها ــ بذلك‏.‏

قال القرطبي في تفسير قوله تعالى‏:‏ ‏{‏مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ اللَّهُ‏}‏، ما نصه‏:‏ وقد سئل رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم عن ءَادم أنبي مرسل هو ‏؟‏ فقال‏:‏ ‏"‏نعم نبي مكلم‏"‏، قال ابن عطية‏:‏ وقد تأول بعض الناس أن تكليم ءَادم كان في الجنة، فعلى هذا تبقى خاصية موسى اهـ‏.‏

وقال ابن جرير في تفسير قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى‏}‏، في سورة ‏"‏البقرة‏"‏ ما نصّه‏:‏ لأن ءَادم كان هو النبيّ صلى الله عليه وسلم أيام حياته، بعد أن أهبط إلى الأرض، والرسول من اللَّه جلّ ثناؤه إلى ولده، فغير جائز أن يكون معنيًا وهو، الرسول صلى الله عليه وسلم، بقوله‏:‏ ‏{‏فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى‏}‏، أي‏:‏ رسل اهـ محل الحجة منه بلفظه

وفيه وفي كلام ابن كثير المتقدم عن ‏"‏صحيح ابن حبان‏"‏ التصريح بأن ءَادم رسول وهو مشكل مع ما ثبت في حديث الشفاعة المتفق عليه من أن نوحًا عليه وعلى نبيّنا الصلاة والسلام أول الرسل ويشهد له قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ‏}‏، والظاهر أنه لا طريق للجمع إلا من وجهين‏:‏

الأول‏:‏ أن ءَادم أرسل لزوجه وذرّيته في الجنة، ونوح أول رسول أرسل في الأرض، ويدلّ لهذا الجمع ما ثبت في ‏"‏الصحيحين‏"‏ وغيرهما، ويقول‏:‏ ‏"‏ولكن ائتوا نوحًا فإنه أول رسول بعثه اللَّه إلى أهل الأرض‏"‏، الحديث‏.‏ فقوله‏:‏ ‏"‏إلى أهل‏"‏ الأرض، لو لم يرد به الاحتراز عن رسول بعث لغير أهل الأرض، لكان ذلك الكلام حشوًا، بل يفهم من مفهوم مخالفته ما ذكرنا‏.‏ ويتأنس له بكلام ابن عطية الذي قدمنا نقل القرطبي له‏.‏

الوجه الثاني‏:‏ أن ءَادم أرسل إلى ذريته وهم على الفطرة لم يصدر منهم كفر فأطاعوه، ونوح هو أول رسول أرسل لقوم كافرين ينهاهم عن الإشراك باللَّه تعالى، ويأمرهم بإخلاص العبادة له وحده، ويدل لهذا الوجه قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلاَّ أُمَّةً وَاحِدَةً‏}‏‏.‏ أي‏:‏ على الدين الحنيف، أي حتى كفر قوم نوح، وقوله‏:‏ ‏{‏كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ‏}‏‏.‏ واللَّه تعالى أَعلم‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ‏}‏، أشار في مواضع أُخر إلى أن منهم محمّدًا صلى الله عليه وسلم كقوله‏:‏ ‏{‏عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا‏}‏، أو قوله‏:‏ ‏{‏وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا‏}‏،

وأشار في مواضع أُخر إلى أن منهم إبراهيم كقوله‏:‏ ‏{‏وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا‏}‏، إلى غير ذلك من الآيات‏.‏

وأشار في موضع آخر إلى أن منهم داود وهو قوله‏:‏ ‏{‏وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا‏}‏، وأشار في موضع آخر إلى أن منهم إدريس وهو قوله‏:‏ ‏{‏وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا‏}‏، وأشار هنا إلى أن منهم عيسىا بقوله‏:‏ ‏{‏وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِن بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ‏}‏‏.‏

تنبيــه

في هذه الآية الكريمة، أعني قوله تعالى‏:‏ ‏{‏تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ‏}‏، إشكال قوي معروف‏.‏ ووجهه‏:‏ أنه ثبت في حديث أبي هريرة المتفق عليه أنه صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏لا تخيروني على موسى، فإن الناس يصعقون يوم القيامة فأكون أول من يفيق، فإذا موسى باطش بجانب العرش، فلا أدري أفاق قبلي أم كان ممن استثنى اللَّه‏"‏، وثبت أيضًا في حديث أبي سعيد المتفق عليه‏:‏ ‏"‏لا تخيروا بين الأنبياء، فإن الناس يصعقون يوم القيامة‏"‏ الحديث، وفي رواية‏:‏ ‏"‏لا تفضلوا بين أنبياء اللَّه‏"‏، وفي رواية‏:‏ ‏"‏لا تخيروني من بين الأنبياء‏"‏‏.‏

وقال القرطبي في تفسير هذه الآية ما نصّه‏:‏ وهذه الآية مشكلة، والأحاديث ثابتة بأن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏ لا تخيروا بين الأنبياء ولا تفضلوا بين أنبياء اللَّه ‏"‏، رواها الأئمة الثقات، أي‏:‏ لا تقولوا فلان خير من فلان، ولا فلان أفضل من فلان، اهـ‏.‏

قال ابن كثير في الجواب عن هذا الإشكال ما نصّه‏:‏ والجواب من وجوه‏:‏

أحدها‏:‏ أن هذا كان قبل أن يعلم بالتفضيل، وفي هذا نظر‏.‏

الثاني‏:‏ أن هذا قاله من باب الهضم والتواضع‏.‏

الثالث‏:‏ أن هذا نهي عن التفضيل في مثل هذا الحال التي تحاكموا فيها عند التخاصم والتشاجر‏.‏

الرابع‏:‏ لا تفضلوا بمجرد الآراء والعصبية‏.‏

الخامس‏:‏ ليس مقام التفضيل إليكم، وإنما هو إلى اللَّه عزّ وجلّ، وعليكم الانقياد والتسليم له والإيمان به،اهـ منه بلفظه‏.‏

وذكر القرطبي في ‏"‏تفسيره‏"‏ أجوبة كثيرة عن هذا الإشكال، واختار أن منع التفضيل في خصوص النبوة، وجوازه في غيرها من زيادة الأحوال والخصوص والكرامات فقد قال ما نصه‏:‏ قلت‏:‏ وأحسن من هذا قول من قال‏:‏ إن المنع من التفضيل إنما هو من جهة النبوة هو التي هي خصلة واحدة لا تفاضل فيها، وإنما التفضيل في زيادة الأحوال والخصوص والكرامات والألطاف والمعجزات المتباينات‏.‏

وأما النبوة في نفسها فلا تتفاضل، وإنما تتفاضل بأمور أُخر زائدة عليها، ولذلك منهم رسل وأولو عزم، ومنهم من اتخذ خليلاً، ومنهم من كلّم اللَّه ورفع بعضهم درجات‏.‏ قال اللَّه تعالى‏:‏ ‏{‏وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا‏}‏، قلت‏:‏ وهذا قول حسن، فإنه جمع بين الآي والأحاديث من غير نسخ، والقول بتفضيل بعضهم على بعض، إنما هو بما منح من الفضائل وأعطى من الوسائل، وقد أشار ابن عباس إلى هذا فقال‏:‏ إن اللَّه فضل محمّدًا صلى الله عليه وسلم على الأنبياء وعلى أهل السماء، فقالوا‏:‏ بم يا ابن عباس فضله على أهل السماء ‏؟‏ فقال‏:‏ إن اللَّه تعالى قال‏:‏ ‏{‏وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِّن دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ‏}‏، وقال لمحمّد صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏{‏إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا‏}‏،

قالوا‏:‏ فما فضله على الأنبياء ‏؟‏ قال‏:‏ قال اللَّه تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشَاء وَيَهْدِي مَن يَشَاء وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ‏}‏، وقال اللَّه عزّ وجلّ لمحمّد صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏{‏وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا‏}‏، فأرسله إلى الجن والإنس، ذكره أبو محمد الدارمي في ‏"‏مسنده‏"‏، وقال أبو هريرة‏:‏ خير بني ءَادم نوح وإبراهطيم وموسىا ومحمّد صلى الله عليه وسلم وهم أولو العزم من الرسل، وهذا نصّ من ابن عباس وأبي هريرة في التعيين، ومعلوم أن من أرسل أفضل ممن لم يرسل؛ فإن من أرسل فضل على غيره بالرسالة، واستووا في النبوة إلى ما يلقاه الرسل من تكذيب أممهم وقتلهم إياهم، وهذا مما لا خفاء به‏.‏ اهـ محل الغرض منه بلفظه‏.‏

واختار ابن عطية كما نقله عنه القرطبي أن وجه الجمع جواز التفضيل إجمالاً كقوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏أنا سيد ولد ءَادم ولا فخر‏"‏، ولم يعين ومنع التفضيل على طريق الخصوص كقوله‏:‏ ‏"‏لا تفضلوني على موسى‏"‏، وقوله‏:‏ ‏"‏لا ينبغي لأحد أن يقول أنا خير من يونس بن متَّى‏"‏، ونحو ذلك والعلم عند اللَّه تعالى‏.‏

الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لاَ يُتْبِعُونَ مَآ أَنْفَقُواْ مَنًّا وَلاَ أَذًى لَّهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ يفهم من هذه الآية أن من أتبع إنفاقه المنّ والأذى لم يحصل له هذا الثواب المذكور هنا في قوله‏:‏ ‏{‏لَّهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ‏}‏‏.‏ وقد صرح تعالى بهذا المفهوم في قوله‏:‏ ‏{‏قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَآ أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأذَى‏}‏‏.‏

‏{‏اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ‏}‏، صرح في هذه الآية الكريمة بأن اللَّه ولي المؤمنين، وصرح في آية أخرى بأنه وليهم وأن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وليّهم، وأن بعضهم أولياء بعض، وذلك في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ‏}‏، وقال‏:‏ ‏{‏وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ‏}‏، وصرح في موضع آخر بخصوص هذه الولاية للمسلمين دون الكافرين وهو قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لا مَوْلَى لَهُمْ‏}‏، وصرح في موضع آخر بأن نبيّه صلى الله عليه وسلم أولى بالمؤمنين من أنفسهم، وهو قوله تعالى‏:‏ ‏{‏النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ‏}‏، وبيّن في آية ‏"‏البقرة‏"‏ هذه، ثمرة ولايته تعالى للمؤمنين، وهي إخراجه لهم من الظلمات إلى النور بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ‏}‏، وبيّن في موضع آخر أن من ثمرة ولايته إذهاب الخوف والحزن عن أوليائه، وبيّن أن ولايتهم له تعالى بإيمانهن وتقواهم، وذلك في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللَّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ‏}‏، وصرّح في موضع آخر أنه تعالى وليّ نبيّه صلى الله عليه وسلم، وأنه أيضًا يتولّى الصالحين، وهو قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ‏}‏‏.‏

يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَـاتِ إِلَى النُّورِ المراد بالظلمات الضلالة، وبالنور الهدى، وهذه الآية يفهم منها أن طرق الضلال متعددة؛ لجمعه الظلمات وأن طريق الحق واحدة؛ لإفراده النور، وهذا المعنى المشار إليه هنا بيّنه تعالى في مواضع أُخر كقوله‏:‏ ‏{‏وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ‏}‏‏.‏

قال ابن كثير في تفسير هذه الآية، ما نصّه‏:‏ ولهذا وحد تعالى لفظ النور وجمع الظلمات؛ لأن الحق واحد والكفر أجناس كثيرة وكلها باطلة كما قال‏:‏ ‏{‏وَأَنَّ هَـاذَا صِراطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذالِكُمْ وَصَّـاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ‏}‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَجَعَلَ الظُّلُمَـاتِ وَالنُّورَ‏}‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشّمَالِ عِزِينَ‏}‏، إلى غير ذلك من الآيات التي في لفظها إشعار بتفرد الحق وانتشار الباطل وتعدده وتشعبه منه بلفظه‏.‏

‏{‏اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْلِيَآؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ‏}‏، قال بعض العلماء‏:‏ ‏{‏الطَّاغُوتُ‏}‏ الشيطان ويدل لهذا قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءهُ فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ‏}‏، أي يخوفكم من أوليائه‏.‏ وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏الَّذِينَ آمَنُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُواْ أَوْلِيَاء الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاء مِن دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاء مِن دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ‏}‏، والتحقيق أن كل ما عبد من دون اللَّه فهو طاغوت والحظ الأكبر من ذلك للشيطان، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لاَّ تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ‏}‏، وقال‏:‏ ‏{‏إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ إِنَاثًا وَإِن يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطَانًا مَّرِيدًا‏}‏، وقال عن خليله إبراهيم‏:‏ ‏{‏يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا يَا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا‏}‏، وقال‏:‏ ‏{‏وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ‏}‏‏.‏ إلى غير ذلك من الآيات‏.‏

‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأذَى كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلاَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لاَّ يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِّمَّا كَسَبُواْ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَن تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاء فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَنفِقُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَلاَ تَيَمَّمُواْ الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُم بِآخِذِيهِ إِلاَّ أَن تُغْمِضُواْ فِيهِ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاء وَاللَّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلاً وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ يُؤتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاء وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ وَمَا أَنفَقْتُم مِّن نَّفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُم مِّن نَّذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ إِن تُبْدُواْ الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لُّكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاء وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلأنفُسِكُمْ وَمَا تُنفِقُونَ إِلاَّ ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ لِلْفُقَرَاء الَّذِينَ أُحصِرُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاء مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ لاَ يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلاَنِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَن جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَىَ فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ يَمْحَقُ اللَّهُ الْرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ‏}‏

، كَالَّذِى يُنفِقُ مَالَهُ رِئَآءَ النَّاسِ بيّن أن المراد بـ ‏{‏الَّذِى‏}‏ الذين بقوله‏:‏ ‏{‏لاَّ يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِّمَّا كَسَبُواْ‏}‏‏.‏

‏{‏لِلْفُقَرَاء الَّذِينَ أُحصِرُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ‏}‏‏.‏ لم يبيّن هنا سبب فقرهم؛ ولكنه بيّن في سورة ‏"‏الحشر‏"‏ أن سبب فقرهم هو إخراج الكفار لهم من ديارهم وأموالهم بقوله‏:‏ ‏{‏لِلْفُقَرَاء الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ‏}‏‏.‏

‏{‏الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَن جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَىَ فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ‏}‏

، فَمَن جَآءَهُ مَوْعِظَةٌ مِّنْ رَّبِّهِ فَانتَهَىا فَلَهُ مَا سَلَفَ معنى هذه الآية الكريمة أن من جاءه موعظة من ربه يزجره بها عن أكل الربا فانتهى أي‏:‏ ترك المعاملة بالربا؛ خوفًا من اللَّه تعالى وامتثالاً لأمره ‏{‏فَلَهُ مَا سَلَفَ‏}‏ أي‏:‏ ما مضى قبل نزول التحريم من أموال الربا، ويؤخذ من هذه الآية الكريمة أن اللَّه لا يؤاخذ الإنسان بفعل أمر إلا بعد أن يحرمه عليه، وقد أوضح هذا المعنى في آيات كثيرة، فقد قال في الذين كانوا يشربون الخمر، ويأكلون مال الميسر قبل نزول التحريم‏:‏ ‏{‏لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُواْ‏}‏‏.‏

وقال في الذين كانوا يتزوجون أزواج آبائهم قبل التحريم‏:‏ ‏{‏وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم مِّنَ النِّسَاء إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ‏}‏، أي‏:‏ لكن ما سلف قبل التحريم فلا جناح عليكم فيه ونظيره قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إَلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ‏}‏‏.‏

وقال في الصيد قبل التحريم‏:‏ ‏{‏عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَف‏}‏‏.‏

وقال في الصلاة إلى بيت المقدس قبل نسخ استقباله‏:‏ ‏{‏وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ‏}‏، أي‏:‏ صلاتكم إلى بيت المقدس قبل النسخ‏.‏

ومن أصرح الأدلة في هذا المعنى أن النبيّ صلى الله عليه وسلم والمسلمين لما استغفروا لقربائهم الموتى من المشركين وأنزل اللَّه تعالى‏:‏ ‏{‏مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُواْ أُوْلِي قُرْبَى مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ‏}‏، وندموا على استغفارهم للمشركين أنزل اللَّه في ذلك‏:‏ ‏{‏وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ‏}‏، فصرح بأنه لا يضلهم بفعل أمر إلا بعد بيان اتقائه‏.‏

‏{‏يَمْحَقُ اللَّهُ الْرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَن تَصَدَّقُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ وَاتَّقُواْ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ‏}‏

، يَمْحَقُ اللَّهُ الْرِّبَوااْ صرح في هذه الآية الكريمة بأنه يمحق الربا أي‏:‏ يذهبه بالكلية من يد صاحبه أو يحرمه بركة ماله فلا ينتفع به كما قاله ابن كثير وغيره، وما ذكر هنا من محق الربا، أشار إليه في مواضع أُخر كقوله‏:‏ ‏{‏وَمَا آتَيْتُم مِّن رِّبًا لِّيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُو عِندَ اللَّهِ‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏قُل لاَّ يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُواْ اللَّهَ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَىَ بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعاً فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ‏}‏، كما أشار إلى ذلك ابن كثير في تفسير هذه الآية‏.‏

واعلم أن اللَّه صرح بتحريم الربا بقوله‏:‏ ‏{‏وَحَرَّمَ الرِّبَا‏}‏، وصرّح بأن المتعامل بالربا محارب اللَّه بقوله‏:‏ ‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ‏}‏‏.‏

وصرح بأن آكل الربا لا يقوم أي‏:‏ من قبره يوم القيامة إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس بقوله‏:‏ ‏{‏الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَن جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَىَ فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ‏}‏، والأحاديث في ذلك كثيرة جدًا‏.‏

واعلم أن الربا منه ما أجمع المسلمون على منعه ولم يخالف فيه أحد وذلك كربا الجاهلية، وهو أن يزيده في الأجل على أن يزيده الآخر في قدر الدَّيْن، وربا النَّساء بين الذهب والذهب، والفضة والفضة، وبين الذهب والفضة، وبين البّر والبّر، وبين الشعير والشعير، وبين التمر والتمر، وبين الملح والملح، وكذلك بين هذه الأربعة بعضها مع بعض‏.‏

وكذلك حكى غير واحد الإجماع على تحريم ربا الفضل، بين كل واحد من الستة المذكورة فلا يجوز الفضل بين الذهب والذهب، ولا بين الفضة والفضة، ولا بين البر والبر، ولا بين الشعير والشعير، ولا بين التمر والتمر، ولا بين الملح والملح، ولو يدًا بيد‏.‏

والحق الذي لا شك فيه منع ربا الفضل في النوع الواحد من الأصناف الستة المذكورة، فإن قيل‏:‏ ثبت في ‏"‏الصحيح‏"‏ عن ابن عباس، عن أسامة بن زيد، أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏لا ربا إلا في النسيئة‏"‏ وثبت في ‏"‏الصحيح‏"‏ عن أبي المنهال أنه قال‏:‏ سألت البراء بن عازب، وزيد بن أَرقم عن الصرف فقالا‏:‏ كنا تاجرين على عهد رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، فسألنا رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم عن الصرف، فقال‏:‏ ‏"‏ما كان منه يدًا بيد فلا بأس، وما كان منه نسيئة فلا‏"‏؛ فالجواب من أوجه‏:‏ الأول‏:‏ أن مراد النبيّ صلى الله عليه وسلم بجواز الفضل ومنع النسيئة فيما رواه عنه أسامة، والبراء، وزيد، إنما هو في جنسين مختلفين، بدليل الروايات الصحيحة المصرحة بأن ذلك هو محل جواز التفاضل، وأنه في الجنس الواحد ممنوع‏.‏

واختار هذا الوجه البيهقي في ‏"‏السنن الكبرى‏"‏، فإنه قال بعد أن ساق الحديث الذي ذكرنا آنفًا عن البراء بن عازب، وزيد بن أَرقم، ما نصه‏:‏ رواه البخاري في الصحيح عن أبي عاصم، دون ذكر عامر بن مصعب، وأخرجه من حديث حجاج بن محمد، عن ابن جريج، مع ذكر عامر بن مصعب، وأخرجه مسلم بن الحجاج، عن محمد بن حاتم بن ميمون، عن سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن أبي المنهال، قال‏:‏ باع شريك لي ورقًا بنسيئة إلى الموسم أو إلى الحج، فذكره وبمعناه رواه البخاري عن عليّ ابن المديني، عن سفيان، وكذلك رواه أحمد بن روح، عن سفيان وروي عن الحميدي عن سفيان عن عمرو بن دينار، عن أبي المنهال، قال‏:‏ باع شريك لي بالكوفة دراهم بدراهم بينهما فضل‏.‏

عندي أن هذا خطأ، والصحيح ما رواه علي ابن المديني، ومحمد بن حاتم، وهو المراد بما أطلق في رواية ابن جريج، فيكون الخبر واردًا في بيع الجنسين، أحدهما بالآخر، فقال‏:‏ ‏"‏ما كان منه يدًا بيد فلا بأس، وما كان منه نسيئة فلا‏"‏، وهو المراد بحديث أسامة، واللَّه أعلم‏.‏

والذي يدل على ذلك أيضًا ما أخبرنا به أبو الحسين بن الفضل القطان ببغداد‏:‏ أنا أبو سهل بن زياد القطان، حدثنا أحمد بن محمد بن عيسى البرتي، حدثنا أبو عمر، حدثنا شعبة، أخبرني حبيب هو ابن أبي ثابت، قال‏:‏ سمعت أبا المنهال قال‏:‏ سألت البراء وزيد بن أرقم عن الصرف فكلاهما يقول‏:‏ نهى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم عن بيع الورق بالذهب دينًا، رواه البخاري في ‏"‏الصحيح‏"‏ عن أبي عمر حفص بن عمر وأخرجه مسلم من وجه آخر عن شعبة اهـ من البيهقي بلفظه، وهو واضح جدًا فيما ذكرنا‏.‏ من أن المراد بجواز الفضل المذكور كونه في جنسين لا جنس واحد‏.‏

وفي تكملة ‏"‏المجموع‏"‏ بعد أن ساق الكلام الذي ذكرنا عن البيهقي ما نصه‏:‏ ولا حجة لمتعلق فيهما؛ لأنه يمكن حمل ذلك على أحد أمرين، إما أن يكون المراد بيع دراهم بشىء ليس ربويًا، ويكون الفساد لأجل التأجيل بالموسم أو الحج، فإنه غير محرر ولا سيّما على ما كانت العرب تفعل‏.‏ والثاني‏:‏ أن يحمل ذلك على اختلاف الجنس ويدل له رواية أخرى عن أبي المنهال، قال‏:‏ سألت البراء بن عازب وزيد بن أرقم عن الصرف فكلاهما يقول‏:‏ نهى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم عن بيع الذهب بالورق دينًا، رواه البخاري ومسلم، وهذا لفظ البخاري ومسلم بمعناه‏.‏ وفي لفظ مسلم عن بيع الورق بالذهب دينًا، فهو يبيّن أن المراد صرف الجنس بجنس آخر‏.‏

وهذه الرواية ثابتة من حديث شعبة عن حبيب بن أبي ثابت عن أبي المنهال، والروايات الثلاث الأول رواية الحميدي، واللتان في ‏"‏الصحيح‏"‏ وكلها أسانيدها في غاية الجودة‏.‏

ولكن حصل الاختلاف في سفيان فخالف الحميدي على ابن المديني، ومحمد بن حاتم، ومحمد بن منصور، وكل من الحميدي وعلي ابن المديني في غاية الثبت‏.‏ ويترجح ابن المديني هنا بمتابعة محمد بن حاتم، ومحمد بن منصور له، وشهادة ابن جريح لروايته، وشهادة رواية حبيب بن أبي ثابت لرواية شيخه،

ولأجل ذلك قال البيهقي رحمه اللَّه‏:‏ إن رواية من قال إنه باع دراهم بدراهم خطأ عنده‏.‏ اهـ منه بلفظه‏.‏

وقال ابن حجر في ‏"‏فتح الباري‏"‏ ما نصّه‏:‏ وقال الطبري معنى حديث أُسامة‏:‏‏"‏لا ربا إلا في النسيئة‏"‏ إذا اختلفت أنواع البيع‏.‏ اهـ محل الغرض منه بلفظه، وهو موافق لما ذكر‏.‏ وقال في ‏"‏فتح الباري‏"‏ أيضًا ما نصّه‏:‏

تنبيـه

وقع في نسخة الصغاني هنا قال أبو عبد اللَّه‏:‏ يعني البخاري، سمعت سليمان بن حرب يقول‏:‏ لا ربا إلا في النسيئة، هذا عندنا في الذهب بالورق، والحنطة بالشعير، متفاضلاً ولا بأس به يدًا بيد، ولا خير فيه نسيئة‏.‏ قلت‏:‏ وهذا موافق‏.‏ا هـ منه بلفظه‏.‏

وعلى هامش النسخة أن بعد قوله‏:‏ وهذا موافق بياضًا بالأصل، وبهذا الجواب الذي ذكرنا تعلم أن حديث البراء وزيد لا يحتاج بعد هذا الجواب إلى شىء؛ لأنه قد ثبت في ‏"‏الصحيح‏"‏ عنهما تصريحهما باختلاف الجنس فارتفع الإشكال، والروايات يفسر بعضها بعضًا، فإن قيل‏:‏ هذا لا يكفي في الحكم على الرواية الثابتة في الصحيح بجواز التفاضل بين الدراهم والدراهم أنها خطأ؛ إذ لقائل أن يقول لا منافاة بين الروايات المذكورة، فإن منها ما أطلق فيه الصرف ومنها ما بين أنها دراهم بدراهم، فيحمل المطلق على المقيد، جمعًا بين الروايتين، فإن إحداهما بينت ما أبهمته الأخرى، ويكون حديث حبيب بن أبي ثابت حديثًا آخر واردًا في الجنسين، وتحريم النَّساء فيهما، ولا تنافي في ذلك ولا تعارض‏.‏

فالجواب على تسليم هذا بأمرين‏:‏

أحدهما‏:‏ أن إباحة ربا الفضل منسوخة‏.‏

والثاني‏:‏ أن أحاديث تحريم ربا الفضل أرجح وأولى بالاعتبار على تقدير عدم النسخ من أحاديث إباحته‏.‏

ومما يدلّ على النسخ ما ثبت في ‏"‏الصحيح‏"‏ عن أبي المنهال قال‏:‏ باع شريك لي ورقًا بنسيئة إلى الموسم أو إلى الحج، فجاء إليّ فأخبرني فقلت‏:‏ هذا أمر لا يصح، قال‏:‏ قد بعته في السوق فلم ينكر ذلك على أحد، فأتيت البراء بن عازب فسألته فقال‏:‏ قدم النبيّ صلى الله عليه وسلم المدينة ونحن نبيع هذا البيع، فقال‏:‏ ‏"‏ما كان يدًا بيد فلا بأس به، وما كان نسيئة فهو ربا‏"‏، وأتيت زيد بن أرقم فإنه أعظم تجارة مني، فأتيته فسألته فقال مثل ذلك‏.‏ هذا لفظ مسلم في ‏"‏صحيحه‏"‏‏.‏ وفيه التصريح بأن إباحة ربا الفضل المذكورة في حديث البراء بن عازب وزيد بن أرقم كانت مقارنة لقدومه صلى الله عليه وسلم المدينة مهاجرًا‏.‏

وفي بعض الروايات الصحيحة في تحريم ربا الفضل أنه صلى الله عليه وسلم صرح بتحريمه في يوم خيبر، وفي بعض الروايات الصحيحة تحريم ربا الفضل بعد فتح خيبر أيضًا، فقد ثبت في ‏"‏الصحيح‏"‏ من حديث فضالة بن عبيد الأنصاري رضي اللَّه عنه قال‏:‏ أُتي رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وهو بخيبر بقلادة فيها خرز وذهب، وهي من المغانم تباع، فأمر رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بالذهب الذي في القلادة فنزع وحده، ثم قال لهم رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏الذهب بالذهب وزنًا بوزن‏"‏ هذا لفظ مسلم في ‏"‏صحيحه‏"‏، وفي لفظ له في ‏"‏صحيحه‏"‏ أيضًا عن فضالة بن عبيد قال‏:‏ اشتريت يوم خيبر قلادة باثني عشر دينارًا فيها ذهب وخرز ففصلتها فوجدت فيها أكثر من اثني عشر دينارًا، فذكرت ذلك للنبيّ صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ ‏"‏لا تباع حتى تفصل‏"‏، وفي لفظ له في ‏"‏صحيحه‏"‏ أيضًا عن فضالة رضي اللَّه عنه قال‏:‏ كنا مع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يوم خيبر نبايع اليهود الوقية الذهب بالدينارين والثلاثة، فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏لا تبيعوا الذهب بالذهب، إلا وزنًا بوزن‏"‏‏.‏ وقد ثبت في ‏"‏الصحيحين‏"‏ من حديث أبي هريرة وأبي سعيد أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بعث أخا بني عدي الأنصاري فاستعمله على خيبر، فقدم بتمر جنيب، فقال له رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏أكل تمر خيبر هكذا‏؟‏‏"‏ قال‏:‏ لا واللَّه يا رسول اللَّه، صلى الله عليه وسلم، إنا لنشتري الصاع بالصاعين من الجمع، فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏لا تفعلوا، ولكن مثلاً بمثل، أو بيعوا هذا واشتروا بثمنه من هذا، وكذلك الميزان‏"‏ هذا لفظ مسلم في صحيحه، وفي لفظ لهما عن أبي هريرة وأبي سعيد أيضًا أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم استعمل رجلاً على خيبر فجاء بتمر جنيب فقال له رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏أكل تمر خيبر هكذا‏؟‏‏"‏ قال‏:‏ لا واللَّه يا رسول اللَّه، إنا لنأخذ الصاع من هذا بالصاعين، والصاعين بالثلاثة، فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏فلا تفعل بع الجمع بالدراهم ثم ابتع بالدراهم جنيبًا‏"‏ والأحاديث بمثله كثيرة، وهي نص صريح في تصريحه صلى الله عليه وسلم بتحريم ربا الفضل بعد فتح خيبر، فقد اتضح لك من هذه الروايات الثابتة في ‏"‏الصحيح‏"‏‏:‏ أن إباحة ربا الفضل كانت زمن قدومه صلى الله عليه وسلم المدينة مهاجرًا،، وأن الروايات المصرحة بالمنع صرحت به في يوم خيبر وبعده، فتصريح النبيّ صلى الله عليه وسلم بتحريم ربا الفضل بعد قدومه المدينة بنحو ست سنين وأكثر منها، يدلّ دلالة لا لبس فيها على النسخ، وعلى كل حال فالعبرة بالمتأخر، وقد كانوا يأخذون بالأحدث فالأحدث‏.‏

وأيضًا فالبراء وزيد رضي اللَّه عنهما كانا غير بالغين في وقت تحملهما الحديث المذكور عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، بخلاف الجماعة من الصحابة الذين رووا عنه تحريم ربا الفضل، فإنهم بالغون وقت التحمل، ورواية البالغ وقت التحمل أرجح من رواية من تحمل وهو صبي؛ للخلاف فيها دون رواية المتحمل بالغًا وسن البراء وزيد وقت قدومه صلى الله عليه وسلم المدينة، نحو عشر سنين؛ لما ذكره ابن عبد البر عن منصور بن سلمة الخزاعي‏:‏ أنه روى بإسناده إلى زيد بن جارية أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم استصغره يوم أحد، والبراء بن عازب، وزيد بن أَرقم، وأبا سعيد الخدري، وسعد بن حبته، وعبد اللَّه بن عمر، وعن الواقدي أن أول غزوة شهداها يوم الخندق‏.‏

وممن قال‏:‏ بأن حديث البراء وزيد منسوخ، راويه الحميدي‏.‏ وناهيك به علمًا واطلاعًا‏.‏ وقول راوي الحديث‏:‏ إنه منسوخ، في كونه يكفي في النسخ‏.‏ خلاف معروف عند أهل الأصول، وأكثر المالكية والشافعية لا يكفي عندهم‏.‏ فإن قيل‏:‏ ما قدمتم من كون تحريم ربا الفضل واقعًا بعد إباحته، يدلّ على النسخ في حديث البراء وزيد، لعلم التاريخ فيهما، وأن حديث التحريم هو المتأخر، ولكن أين لكم معرفة ذلك في حديث أُسامة ‏؟‏ ومولد أُاسامة مقارب لمولد البراء وزيد؛ لأن سن أسامة وقت وفاته صلى الله عليه وسلم عشرون سنة، وقيل‏:‏ ثمان عشرة، وسن البراء وزيد وقت وفاته صلى الله عليه وسلم نحو العشرين، كما قدّمنا ما يدلّ عليه‏.‏

فالجواب‏:‏ أنه يكفي في النسخ معرفة أن إباحة ربا الفضل وقعت قبل تحريمه، والمتأخر يقضي على المتقدم‏.‏

الجواب الثاني‏:‏ عن حديث أسامة أنه رواية صحابي واحد، وروايات منع ربا الفضل عن جماعة من أصحاب رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، رووها صريحة عنه صلى الله عليه وسلم، ناطقة بمنع ربا الفضل، منهم‏:‏ أبو سعيد، وأبو بكر،

وعمر، وعثمان، وأبو هريرة، وهشام بن عامر، وفضالة بن عبيد، وأبو بكرة، وابن عمر، وأبو الدرداء، وبلال، وعبادة بن الصامت، ومعمر بن عبد اللَّه وغيرهم وروايات جلّ من ذكرنا ثابتة في ‏"‏الصحيح‏"‏، كرواية‏:‏ أبي هريرة، وأبي سعيد، وفضالة بن عبيد، وعمر بن الخطاب، وأبي بكرة، وعبادة بن الصامت، ومعمر بن عبد اللَّه، وغيرهم‏.‏ وإذا عرفت ذلك فرواية الجماعة من العدول أقوى وأثبت وأبعد من الخطأ، من رواية الواحد‏.‏

وقد تقرر في الأصول أن كثرة الرواة من المرجحات، وكذلك كثرة الأدلة كما عقده في ‏"‏مراقي السعود‏"‏، في مبحث الترجيح، باعتبار حال المروي بقوله‏:‏ وكثرة الدليل والرواية مرجح لدى ذوي الدرايةْ


والقول بعدم الترجيح بالكثرة ضعيف، وقد ذكر سليم الداري أن الشافعي أومأ إليه، وقد ذهب إليه بعض الشافعية والحنفية‏.‏

الجواب الثالث‏:‏ عن حديث أسامة أنه دل على إباحة ربا الفضل، وأحاديث الجماعة المذكورة دلت على منعه في الجنس الواحد من المذكورات، وقد تقرر في الأصول أن النص الدال على المنع مقدم على الدال على الإباحة؛ لأن ترك مباح أهون من ارتكاب حرام، وقد قدمناه عن صاحب ‏"‏المراقي‏"‏، وهو الحق خلافًا للغزالي، وعيسى بن أبان وأبي هاشم وجماعة من المتكلمين حيث قالوا‏:‏ هما سواء‏.‏

الجواب الرابع‏:‏ عن حديث أسامة أنه عام بظاهره في الجنس والجنسين، وأحاديث الجماعة أخص منه؛ لأنها مصرحة بالمنع مع اتحاد الجنس، وبالجواز مع اختلاف الجنس، والأخص مقدم على الأعم؛ لأنه بيان له ولا يتعارض عام وخاص، كما تقرر في الأصول‏.‏ ومن مرجحات أحاديث منع ربا الفضل على حديث أسامة الحفظ؛ فإن في رواته أبا هريرة، وأبا سعيد، وغيرهما، ممن هو مشهور بالحفظ، ومنها غير ذلك‏.‏

وقال ابن حجر في ‏"‏فتح الباري‏"‏ ما نصّه؛ واتفق العلماء على صحة حديث أسامة، واختلفوا في الجمع بينه وبين حديث أبي سعيد، فقيل‏:‏ منسوخ لكن النسخ لا يثبت بالاحتمال، وقيل‏:‏ المعنى في قوله‏:‏‏"‏لا ربا‏"‏، الربا الأغلظ الشديد التحريم، المتوعد عليه بالعقاب الشديد، كما تقول العرب‏:‏ لا عالم في البلد إلا زيد، مع أن فيها علماء غيره وإنما القصد نفي الأكمل لا نفي الأصل، وأيضًا فنفي تحريم ربا الفضل من حديث أسامة إنما هو بالمفهوم‏.‏ فيقدم عليه حديث أبي سعيد؛ لأن دلالته بالمنطوق‏.‏ ويحمل حديث أسامة على الربا الأكبر كما تقدم، واللَّه أعلم‏.‏ اهـ منه‏.‏

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
الهدى

avatar

عدد المساهمات : 326
التميز : 1
تاريخ التسجيل : 14/10/2009

مُساهمةموضوع: تفسير اضواء البيان فى ايضاح القران بالقران   الإثنين يناير 11, 2010 4:42 am

وقوله‏:‏ النسخ لا يثبت بالاحتمال مردود

بما قدمنا من الروايات المصرحة بأن التحريم بعد الإباحة ومعرفة المتأخر كافية في الدلالة على النسخ، وقد روي عن ابن عباس وابن عمر أنهما رجعا عن القول بإباحة ربا الفضل، قال البيهقي في ‏"‏السنن الكبرى‏"‏ ما نصّه‏:‏ ‏"‏باب ما يستدل به على رجوع من قال من الصدر الأول لا ربا إلا في النسيئة عن قوله ونزوعه عنه‏"‏ أخبرنا أبو عبد اللَّه الحافظ‏:‏ أنا أبو الفضل بن إبراهيم، حدّثنا أحمد بن سلمة، حدّثنا إسحاق بن إبراهيم، أنا عبد الأعلى، حدّثنا داود بن أبي هند، عن أبي نضرة، قال‏:‏ سألت ابن عمر وابن عباس عن الصرف فلم يريا به بأسًا، وإني لقاعد عند أبي سعيد الخدري فسألته عن الصرف، فقال‏:‏ ما زاد فهو ربا، فأنكرت ذلك، لقولهما، فقال‏:‏ لا أحدثكم إلا ما سمعت من رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم‏:‏ جاءه صاحب نخلة‏:‏ بصاع من تمر طيب، وكان تمر النبيّ صلى الله عليه وسلم هو الدون، فقال له النبيّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏أنى لك هذا ‏؟‏‏"‏ قال‏:‏ انطلقت بصاعين واشتريت به هذا الصاع؛ فإن سعر هذا بالسوق كذا، وسعر هذا بالسوق كذا‏.‏ فقال له رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏أربيت‏؟‏ إذا أردت ذلك فبع تمرك بسلعة، ثم اشتر بسلعتك أي تمر شئت‏"‏، فقال أبو سعيد‏:‏ فالتمر بالتمر أحق أن يكون ربا، أم الفضة بالفضة ‏؟‏ قال‏:‏ فأتيت ابن عمر بعد فنهاني، ولم آت ابن عباس قال‏:‏ فحدّثني أبو الصهباء أنه سأل ابن عباس فكرهه، رواه مسلم في ‏"‏الصحيح‏"‏ عن إسحاق بن إبراهيم، وقال‏:‏ وكان تمر النبيّ صلى الله عليه وسلم هذا اللون‏.‏

أخبرنا محمد بن عبد اللَّه الحافظ، حدثنا الحسين بن محمد بن أحمد بن محمد بن الحسين أبو علي الماسرجسي، حدثنا جدي أبو العباس أحمد بن محمد، وهو ابن بنت الحسن بن عيسى، حدثنا جدي الحسن بن عيسى، أنا ابن المبارك، أنا يعقوب بن أبي القعقاع، عن معروف بن سعد، أنه سمع أبا الجوزاء يقول‏:‏ كنت أخدم ابن عباس تسع سنين إذ جاء رجل فسأله عن درهم بدرهمين، فصاح ابن عباس وقال‏:‏ إن هذا يأمرني أن أطعمه الربا، فقال ناس حوله‏:‏ إن كنا لنعمل هذا بفتياك، فقال ابن عباس‏:‏ قد كنت أفتي بذلك حتى حدثني أبو سعيد وابن عمر أن النبيّ صلى الله عليه وسلم نهى عنه فأنا أنهاكم عنه، وفي نسختنا من ‏"‏سنن البيهقي‏"‏ في هذا الإسناد ابن المبارك، والظاهر‏:‏ أن الأصل أبو المبارك كما يأتي‏.‏

أخبرنا أبو الحسين ابن الفضل القطان ببغداد، أنا عبد اللَّه بن جعفر بن درستويه، حدّثنا يعقوب بن سفيان، حدثنا عبيد اللَّه بن موسى، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عند سعد بن إياس، عن عبد اللَّه بن مسعود، أن رجلاً من بني شمخ بن فزارة، سأله عن رجل تزوج امرأة فرأى أمها فأعجبته، فطلق امرأته؛ ليتزوج أمها، قال‏:‏ لا بأس فتزوجها الرجل، وكان عبد اللَّه على بيت المال، وكان يبيع نفاية بيت المال يعطي الكثير، ويأخذ القليل، حتى قدم المدينة، فسأل أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فقالوا‏:‏ لا يحل لهذا الرجل هذه المرأة، ولا تصح الفضة إلا وزنًا بوزن؛ فلما قدم عبد اللَّه انطلق إلى الرجل فلم يجده، ووجد قومه فقال‏:‏ إن الذي أفتيت به صاحبكم لا يحل، فقالوا‏:‏ إنها قد نثرت له بطنها، قال وإن كان‏.‏ وأتى الصيارفة فقال‏:‏ يا معشر الصيارفة، إن الذي كنت أبايعكم، لا يحل، لا تحل الفضة بالفضة، إلا وزنًا بوزن‏.‏اهـ من البيهقي بلفظه، وفيه التصريح برجوع ابن عمر وابن عباس وابن مسعود عن القول بإباحة ربا الفضل‏.‏

وقال ابن حجر في الكلام على حديث أسامة المذكور ما نصّه‏:‏ وخالف فيه؛ يعني‏:‏ منع ربا الفضل ابن عمر ثم رجع، وابن عباس، واختلف في رجوعه، وقد روى الحاكم من طريق حيان العدوي وهو بالمهملة والتحتانية، سألت أبا مجلز عن الصرف فقال‏:‏ كان ابن عباس لا يرى به بأسًا زمانًا من عمره، ما كان منه عينًا بعين، يدًا بيد، وكان يقول‏:‏ إنما الربا في النسيئة، فلقيه أبو سعيد فذكر القصة والحديث، وفيه التمر بالتمر، والحنطة بالحنطة، والشعير بالشعير، والذهب بالذهب، والفضة بالفضة، يدًا بيد، مثلاً بمثل، فما زاد فهو ربا، فقال ابن عباس‏:‏ أستغفر اللَّه وأتوب إليه، فكان ينهى عنه أشد النهي‏.‏ا هـ من ‏"‏فتح الباري‏"‏ بلفظه‏.‏وفي ‏"‏تكملة المجموع‏"‏ لتقي الدين السبكي بعد أن ساق حديث حيان هذا ما نصّه‏:‏ رواه الحاكم في ‏"‏ المستدرك ‏"‏، وقال‏:‏ هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه بهذه السياقة، وفي حكمه عليه بالصحة نظر؛ فإن حيان بن عبيد اللَّه المذكور، قال ابن عدي‏:‏ عامة ما يرويه إفرادات يتفرد بها، وذكر ابن عدي في ترجمته حديثه في الصرف هذا بسياقه، ثم قال‏:‏ وهذا الحديث من حديث أبي مجلز عن ابن عباس، تفرد به حيان، قال البيهقي‏:‏ وحيان تكلموا فيه، واعلم أن هذا الحديث ينبغي الاعتناء بأمره، وتبيين صحته من سقمه؛ لأمر غير ما نحن فيه، وهو قوله‏:‏ وكذلك ما يكال ويوزن، وقد تكلم فيه بنوعين من الكلام أحدهما تضعيف الحديث جملة، وإليه أشار البيهقي، وممن ذهب إلى ذلك ابن حزم، أعله بشىء أنبه عليه، لئلا يغتربه‏:‏ وهو أنه أعله بثلاثة أشياء‏.‏

أحدها‏:‏ أنه منقطع؛ لأن أبا مجلز لم يسمع من أبي سعيد، ولا من ابن عباس‏.‏

والثاني‏:‏ لذكره أن ابن عباس رجع، واعتقاد ابن حزم‏:‏ أن ذلك باطل؛ لمخالفة سعيد بن جبير‏.‏

والثالث‏:‏ أن حيان بن عبيد اللَّه مجهول‏.‏

فأما قوله‏:‏ إنه منقطع فغير مقبول؛ لأن أبا مجلز أدرك ابن عباس وسمع منه، وأدرك أبا سعيد‏.‏ ومتى ثبت ذلك لا تسمع دعوى عدم السماع إلا بثبت، وأما مخالفة سعيد بن جبير فسنتكلم عليها في هذا الفصل إن شاء اللَّه تعالى، وأما قوله إن حيان بن عبيد اللَّه مجهول، فإن أراد مجهول العين فليس بصحيح بل هو رجل مشهور، روى عنه حديث الصرف هذا محمد بن عبادة، ومن جهته أخرجه الحاكم، وذكره ابن حزم، وإبراهيم بن الحجاج الشامي، ومن جهته رواه ابن عدي، ويونس بن محمد، ومن جهته رواه البيهقي، وهو حيان بن عبيد اللَّه بن حيان بن بشر بن عدي، بصري سمع أبا مجلز لاحق بن حميد والضحاك، وعن أبيه، وروى عن عطاء، وابن بريدة، روى عنه موسىا بن اسماعيل، ومسلم بن إبراهيم، وأبو داود، وعبيد اللَّه بن موسى، عقد له البخاري وابن أبي حاتم ترجمة، فذكر كل منهما بعض ما ذكرته، وله ترجمة في كتاب ابن عدي أيضًا، كما أشرت إليه، فزال عنه جهالة العين، وإن أراد جهالة الحال فهو قد رواه من طريق إسحاق بن راهويه‏.‏

واختار هذا الوجه البيهقي في ‏"‏ السنن الكبرى ‏"‏، فإنه قال بعد أن ساق الحديث الذي ذكرنا آنفًا عن البراء بن عازب، وزيد بن أَرقم، ما نصه‏:‏ رواه البخاري في الصحيح عن أبي عاصم، دون ذكر عامر بن مصعب، وأخرجه من حديث حجاج بن محمد، عن ابن جريج، مع ذكر عامر بن مصعب، وأخرجه مسلم بن الحجاج، عن محمد بن حاتم بن ميمون، عن سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن أبي المنهال، قال‏:‏ باع شريك لي ورقًا بنسيئة إلى الموسم أو إلى الحج، فذكره وبمعناه رواه البخاري عن عليّ ابن المديني، عن سفيان، وكذلك رواه أحمد بن روح، عن سفيان وروي عن الحميدي عن سفيان عن عمرو بن دينار، عن أبي المنهال، قال‏:‏ باع شريك لي بالكوفة دراهم بدراهم بينهما فضل‏.‏

عندي أن هذا خطأ، والصحيح ما رواه علي ابن المديني، ومحمد بن حاتم، وهو المراد بما أطلق في رواية ابن جريج، فيكون الخبر واردًا في بيع الجنسين، أحدهما بالآخر، فقال‏:‏ ‏"‏ما كان منه يدًا بيد فلا بأس، وما كان منه نسيئة فلا ‏"‏، وهو المراد بحديث أسامة، واللَّه أعلم‏.‏

والذي يدل على ذلك أيضًا ما أخبرنا به أبو الحسين بن الفضل القطان ببغداد‏:‏ أنا أبو سهل بن زياد القطان، حدثنا أحمد بن محمد بن عيسى البرتي، حدثنا أبو عمر، حدثنا شعبة، أخبرني حبيب هو ابن أبي ثابت، قال‏:‏ سمعت أبا المنهال قال‏:‏ سألت البراء وزيد بن أرقم عن الصرف فكلاهما يقول‏:‏ نهى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم عن بيع الورق بالذهب دينًا، رواه البخاري في ‏"‏الصحيح ‏"‏ عن أبي عمر حفص بن عمر وأخرجه مسلم من وجه آخر عن شعبة اهـ من البيهقي بلفظه، وهو واضح جدًا فيما ذكرنا‏.‏ من أن المراد بجواز الفضل المذكور كونه في جنسين لا جنس واحد‏.‏

وفي تكملة ‏"‏ المجموع ‏"‏ بعد أن ساق الكلام الذي ذكرنا عن البيهقي ما نصه‏:‏ ولا حجة لمتعلق فيهما؛ لأنه يمكن حمل ذلك على أحد أمرين،

إما أن يكون المراد بيع دراهم بشىء ليس ربويًا، ويكون الفساد لأجل التأجيل بالموسم أو الحج، فإنه غير محرر ولا سيّما على ما كانت العرب تفعل‏.‏

والثاني‏:‏ أن يحمل ذلك على اختلاف الجنس ويدل له رواية أخرى عن أبي المنهال، قال‏:‏ سألت البراء بن عازب وزيد بن أرقم عن الصرف فكلاهما يقول‏:‏ نهى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم عن بيع الذهب بالورق دينًا، رواه البخاري ومسلم، وهذا لفظ البخاري ومسلم بمعناه‏.‏ وفي لفظ مسلم عن بيع الورق بالذهب دينًا، فهو يبيّن أن المراد صرف الجنس بجنس آخر‏.‏

وهذه الرواية ثابتة من حديث شعبة عن حبيب بن أبي ثابت عن أبي المنهال، والروايات الثلاث الأول رواية الحميدي، واللتان في ‏"‏ الصحيح ‏"‏ وكلها أسانيدها في غاية الجودة‏.‏

ولكن حصل الاختلاف في سفيان فخالف الحميدي على ابن المديني، ومحمد بن حاتم، ومحمد بن منصور، وكل من الحميدي وعلي ابن المديني في غاية الثبت‏.‏ ويترجح ابن المديني هنا بمتابعة محمد بن حاتم، ومحمد بن منصور له، وشهادة ابن جريح لروايته، وشهادة رواية حبيب بن أبي ثابت لرواية شيخه، ولأجل ذلك قال البيهقي رحمه اللَّه‏:‏ إن رواية من قال إنه باع دراهم بدراهم خطأ عنده‏.‏ اهـ منه بلفظه‏.‏

وقال ابن حجر في ‏"‏ فتح الباري ‏"‏ ما نصّه‏:‏ وقال الطبري معنى حديث أُسامة‏:‏‏"‏ لا ربا إلا في النسيئة ‏"‏ إذا اختلفت أنواع البيع‏.‏ اهـ محل الغرض منه بلفظه، وهو موافق لما ذكر‏.‏ وقال في ‏"‏ فتح الباري ‏"‏ أيضًا ما نصّه‏:‏

تنبيـه

وقع في نسخة الصغاني هنا قال أبو عبد اللَّه‏:‏ يعني البخاري، سمعت سليمان بن حرب يقول‏:‏ لا ربا إلا في النسيئة، هذا عندنا في الذهب بالورق، والحنطة بالشعير، متفاضلاً ولا بأس به يدًا بيد، ولا خير فيه نسيئة‏.‏ قلت‏:‏ وهذا موافق‏.‏ا هـ منه بلفظه‏.‏

وعلى هامش النسخة أن بعد قوله‏:‏ وهذا موافق بياضًا بالأصل، وبهذا الجواب الذي ذكرنا تعلم أن حديث البراء وزيد لا يحتاج بعد هذا الجواب إلى شىء؛ لأنه قد ثبت في ‏"‏ الصحيح ‏"‏ عنهما تصريحهما باختلاف الجنس فارتفع الإشكال، والروايات يفسر بعضها بعضًا، فإن قيل‏:‏ هذا لا يكفي في الحكم على الرواية الثابتة في الصحيح بجواز التفاضل بين الدراهم والدراهم أنها خطأ؛ إذ لقائل أن يقول لا منافاة بين الروايات المذكورة، فإن منها ما أطلق فيه الصرف ومنها ما بين أنها دراهم بدراهم، فيحمل المطلق على المقيد، جمعًا بين الروايتين، فإن إحداهما بينت ما أبهمته الأخرى، ويكون حديث حبيب بن أبي ثابت حديثًا آخر واردًا في الجنسين، وتحريم النَّساء فيهما، ولا تنافي في ذلك ولا تعارض‏.‏

فالجواب على تسليم هذا بأمرين‏:‏

أحدهما‏:‏ أن إباحة ربا الفضل منسوخة‏.‏

والثاني‏:‏ أن أحاديث تحريم ربا الفضل أرجح وأولى بالاعتبار على تقدير عدم النسخ من أحاديث إباحته‏.‏

ومما يدلّ على النسخ ما ثبت في ‏"‏ الصحيح ‏"‏ عن أبي المنهال قال‏:‏ باع شريك لي ورقًا بنسيئة إلى الموسم أو إلى الحج، فجاء إليّ فأخبرني فقلت‏:‏ هذا أمر لا يصح، قال‏:‏ قد بعته في السوق فلم ينكر ذلك على أحد، فأتيت البراء بن عازب فسألته فقال‏:‏ قدم النبيّ صلى الله عليه وسلم المدينة ونحن نبيع هذا البيع، فقال‏:‏ ‏"‏ ما كان يدًا بيد فلا بأس به، وما كان نسيئة فهو ربا ‏"‏، وأتيت زيد بن أرقم فإنه أعظم تجارة مني، فأتيته فسألته فقال مثل ذلك‏.‏ هذا لفظ مسلم في ‏"‏ صحيحه ‏"‏‏.‏ وفيه التصريح بأن إباحة ربا الفضل المذكورة في حديث البراء بن عازب وزيد بن أرقم كانت مقارنة لقدومه صلى الله عليه وسلم المدينة مهاجرًا‏.‏

وفي بعض الروايات الصحيحة في تحريم ربا الفضل أنه صلى الله عليه وسلم صرح بتحريمه في يوم خيبر،

وفي بعض الروايات الصحيحة تحريم ربا الفضل بعد فتح خيبر أيضًا، فقد ثبت في ‏"‏ الصحيح ‏"‏ من حديث فضالة بن عبيد الأنصاري رضي اللَّه عنه قال‏:‏ أُتي رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وهو بخيبر بقلادة فيها خرز وذهب، وهي من المغانم تباع، فأمر رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بالذهب الذي في القلادة فنزع وحده، ثم قال لهم رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ الذهب بالذهب وزنًا بوزن ‏"‏ هذا لفظ مسلم في ‏"‏ صحيحه ‏"‏، وفي لفظ له في ‏"‏ صحيحه ‏"‏ أيضًا عن فضالة بن عبيد قال‏:‏ اشتريت يوم خيبر قلادة باثني عشر دينارًا فيها ذهب وخرز ففصلتها فوجدت فيها أكثر من اثني عشر دينارًا، فذكرت ذلك للنبيّ صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ ‏"‏ لا تباع حتى تفصل ‏"‏، وفي لفظ له في ‏"‏ صحيحه ‏"‏ أيضًا عن فضالة رضي اللَّه عنه قال‏:‏ كنا مع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يوم خيبر نبايع اليهود الوقية الذهب بالدينارين والثلاثة، فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ لا تبيعوا الذهب بالذهب، إلا وزنًا بوزن ‏"‏‏.‏ وقد ثبت في ‏"‏ الصحيحين ‏"‏ من حديث أبي هريرة وأبي سعيد أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بعث أخا بني عدي الأنصاري فاستعمله على خيبر، فقدم بتمر جنيب، فقال له رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ أكل تمر خيبر هكذا ‏؟‏‏"‏ قال‏:‏ لا واللَّه يا رسول اللَّه، صلى الله عليه وسلم، إنا لنشتري الصاع بالصاعين من الجمع، فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ لا تفعلوا، ولكن مثلاً بمثل، أو بيعوا هذا واشتروا بثمنه من هذا، وكذلك الميزان ‏"‏ هذا لفظ مسلم في صحيحه، وفي لفظ لهما عن أبي هريرة وأبي سعيد أيضًا أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم استعمل رجلاً على خيبر فجاء بتمر جنيب فقال له رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ أكل تمر خيبر هكذا ‏؟‏ ‏"‏ قال‏:‏ لا واللَّه يا رسول اللَّه، إنا لنأخذ الصاع من هذا بالصاعين، والصاعين بالثلاثة، فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ فلا تفعل بع الجمع بالدراهم ثم ابتع بالدراهم جنيبًا ‏"‏ والأحاديث بمثله كثيرة، وهي نص صريح في تصريحه صلى الله عليه وسلم بتحريم ربا الفضل بعد فتح خيبر، فقد اتضح لك من هذه الروايات الثابتة في ‏"‏ الصحيح ‏"‏‏:‏ أن إباحة ربا الفضل كانت زمن قدومه صلى الله عليه وسلم المدينة مهاجرًا، وأن الروايات المصرحة بالمنع صرحت به في يوم خيبر وبعده، فتصريح النبيّ صلى الله عليه وسلم بتحريم ربا الفضل بعد قدومه المدينة بنحو ست سنين وأكثر منها، يدلّ دلالة لا لبس فيها على النسخ، وعلى كل حال فالعبرة بالمتأخر، وقد كانوا يأخذون بالأحدث فالأحدث‏.‏ وأيضًا فالبراء وزيد رضي اللَّه عنهما كانا غير بالغين في وقت تحملهما الحديث المذكور عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، بخلاف الجماعة من الصحابة الذين رووا عنه تحريم ربا الفضل، فإنهم بالغون وقت التحمل، ورواية البالغ وقت التحمل أرجح من رواية من تحمل وهو صبي؛ للخلاف فيها دون رواية المتحمل بالغًا وسن البراء وزيد وقت قدومه صلى الله عليه وسلم المدينة، نحو عشر سنين؛ لما ذكره ابن عبد البر عن منصور بن سلمة الخزاعي‏:‏ أنه روى بإسناده إلى زيد بن جارية أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم استصغره يوم أحد، والبراء بن عازب، وزيد بن أَرقم، وأبا سعيد الخدري، وسعد بن حبته، وعبد اللَّه بن عمر، وعن الواقدي أن أول غزوة شهداها يوم الخندق‏.‏

وممن قال‏:‏ بأن حديث البراء وزيد منسوخ، راويه الحميدي‏.‏ وناهيك به علمًا واطلاعًا‏.‏

وقول راوي الحديث‏:‏ إنه منسوخ، في كونه يكفي في النسخ‏.‏ خلاف معروف عند أهل الأصول، وأكثر المالكية والشافعية لا يكفي عندهم‏.‏ فإن قيل‏:‏ ما قدمتم من كون تحريم ربا الفضل واقعًا بعد إباحته، يدلّ على النسخ في حديث البراء وزيد، لعلم التاريخ فيهما، وأن حديث التحريم هو المتأخر، ولكن أين لكم معرفة ذلك في حديث أُسامة ‏؟‏ ومولد أُاسامة مقارب لمولد البراء وزيد؛ لأن سن أسامة وقت وفاته صلى الله عليه وسلم عشرون سنة، وقيل‏:‏ ثمان عشرة، وسن البراء وزيد وقت وفاته صلى الله عليه وسلم نحو العشرين، كما قدّمنا ما يدلّ عليه‏.‏

فالجواب‏:‏ أنه يكفي في النسخ معرفة أن إباحة ربا الفضل وقعت قبل تحريمه، والمتأخر يقضي على المتقدم‏.‏

الجواب الثاني‏:‏ عن حديث أسامة أنه رواية صحابي واحد، وروايات منع ربا الفضل عن جماعة من أصحاب رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، رووها صريحة عنه صلى الله عليه وسلم، ناطقة بمنع ربا الفضل، منهم‏:‏ أبو سعيد، وأبو بكر، وعمر، وعثمان، وأبو هريرة، وهشام بن عامر، وفضالة بن عبيد، وأبو بكرة، وابن عمر، وأبو الدرداء، وبلال، وعبادة بن الصامت، ومعمر بن عبد اللَّه وغيرهم وروايات جلّ من ذكرنا ثابتة في ‏"‏ الصحيح ‏"‏، كرواية‏:‏ أبي هريرة، وأبي سعيد، وفضالة بن عبيد، وعمر بن الخطاب، وأبي بكرة، وعبادة بن الصامت، ومعمر بن عبد اللَّه، وغيرهم‏.‏ وإذا عرفت ذلك فرواية الجماعة من العدول أقوى وأثبت وأبعد من الخطأ، من رواية الواحد‏.‏

وقد تقرر في الأصول أن كثرة الرواة من المرجحات، وكذلك كثرة الأدلة كما عقده في ‏"‏ مراقي السعود ‏"‏، في مبحث الترجيح، باعتبار حال المروي بقوله‏:‏ وكثرة الدليل والرواية مرجح لدى ذوي الدرايةْ


والقول بعدم الترجيح بالكثرة ضعيف، وقد ذكر سليم الداري أن الشافعي أومأ إليه، وقد ذهب إليه بعض الشافعية والحنفية‏.‏

الجواب الثالث‏:‏ عن حديث أسامة أنه دل على إباحة ربا الفضل، وأحاديث الجماعة المذكورة دلت على منعه في الجنس الواحد من المذكورات، وقد تقرر في الأصول أن النص الدال على المنع مقدم على الدال على الإباحة؛ لأن ترك مباح أهون من ارتكاب حرام، وقد قدمناه عن صاحب ‏"‏ المراقي ‏"‏، وهو الحق خلافًا للغزالي، وعيسى بن أبان وأبي هاشم وجماعة من المتكلمين حيث قالوا‏:‏ هما سواء‏.‏ الجواب الرابع‏:‏ عن حديث أسامة أنه عام بظاهره في الجنس والجنسين، وأحاديث الجماعة أخص منه؛ لأنها مصرحة بالمنع مع اتحاد الجنس، وبالجواز مع اختلاف الجنس، والأخص مقدم على الأعم؛ لأنه بيان له ولا يتعارض عام وخاص، كما تقرر في الأصول‏.‏ ومن مرجحات أحاديث منع ربا الفضل على حديث أسامة الحفظ؛ فإن في رواته أبا هريرة، وأبا سعيد، وغيرهما، ممن هو مشهور بالحفظ، ومنها غير ذلك‏.‏

وقال ابن حجر في ‏"‏ فتح الباري ‏"‏ ما نصّه؛ واتفق العلماء على صحة حديث أسامة، واختلفوا في الجمع بينه وبين حديث أبي سعيد، فقيل‏:‏ منسوخ لكن النسخ لا يثبت بالاحتمال، وقيل‏:‏ المعنى في قوله‏:‏‏"‏ لا ربا ‏"‏، الربا الأغلظ الشديد التحريم، المتوعد عليه بالعقاب الشديد، كما تقول العرب‏:‏ لا عالم في البلد إلا زيد، مع أن فيها علماء غيره وإنما القصد نفي الأكمل لا نفي الأصل، وأيضًا فنفي تحريم ربا الفضل من حديث أسامة إنما هو بالمفهوم‏.‏ فيقدم عليه حديث أبي سعيد؛ لأن دلالته بالمنطوق‏.‏ ويحمل حديث أسامة على الربا الأكبر كما تقدم، واللَّه أعلم‏.‏ اهـ منه‏.‏
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
الهدى

avatar

عدد المساهمات : 326
التميز : 1
تاريخ التسجيل : 14/10/2009

مُساهمةموضوع: تفسير اضواء البيان فى ايضاح القران بالقران   الإثنين يناير 11, 2010 4:43 am


وقوله‏:‏ النسخ لا يثبت بالاحتمال مردود

بما قدمنا من الروايات المصرحة بأن التحريم بعد الإباحة ومعرفة المتأخر كافية في الدلالة على النسخ، وقد روي عن ابن عباس وابن عمر أنهما رجعا عن القول بإباحة ربا الفضل، قال البيهقي في ‏"‏ السنن الكبرى ‏"‏ ما نصّه‏:‏ ‏"‏ باب ما يستدل به على رجوع من قال من الصدر الأول لا ربا إلا في النسيئة عن قوله ونزوعه عنه ‏"‏ أخبرنا أبو عبد اللَّه الحافظ‏:‏ أنا أبو الفضل بن إبراهيم، حدّثنا أحمد بن سلمة، حدّثنا إسحاق بن إبراهيم، أنا عبد الأعلى، حدّثنا داود بن أبي هند، عن أبي نضرة، قال‏:‏ سألت ابن عمر وابن عباس عن الصرف فلم يريا به بأسًا، وإني لقاعد عند أبي سعيد الخدري فسألته عن الصرف، فقال‏:‏ ما زاد فهو ربا، فأنكرت ذلك، لقولهما، فقال‏:‏ لا أحدثكم إلا ما سمعت من رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم‏:‏ جاءه صاحب نخلة‏:‏ بصاع من تمر طيب، وكان تمر النبيّ صلى الله عليه وسلم هو الدون، فقال له النبيّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ أنى لك هذا ‏؟‏ ‏"‏ قال‏:‏ انطلقت بصاعين واشتريت به هذا الصاع؛ فإن سعر هذا بالسوق كذا، وسعر هذا بالسوق كذا‏.‏ فقال له رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ أربيت ‏؟‏ إذا أردت ذلك فبع تمرك بسلعة، ثم اشتر بسلعتك أي تمر شئت ‏"‏، فقال أبو سعيد‏:‏ فالتمر بالتمر أحق أن يكون ربا، أم الفضة بالفضة ‏؟‏ قال‏:‏ فأتيت ابن عمر بعد فنهاني، ولم آت ابن عباس قال‏:‏ فحدّثني أبو الصهباء أنه سأل ابن عباس فكرهه، رواه مسلم في ‏"‏ الصحيح ‏"‏ عن إسحاق بن إبراهيم، وقال‏:‏ وكان تمر النبيّ صلى الله عليه وسلم هذا اللون‏.‏

أخبرنا محمد بن عبد اللَّه الحافظ، حدثنا الحسين بن محمد بن أحمد بن محمد بن الحسين أبو علي الماسرجسي، حدثنا جدي أبو العباس أحمد بن محمد، وهو ابن بنت الحسن بن عيسى، حدثنا جدي الحسن بن عيسى، أنا ابن المبارك، أنا يعقوب بن أبي القعقاع، عن معروف بن سعد، أنه سمع أبا الجوزاء يقول‏:‏ كنت أخدم ابن عباس تسع سنين إذ جاء رجل فسأله عن درهم بدرهمين، فصاح ابن عباس وقال‏:‏ إن هذا يأمرني أن أطعمه الربا، فقال ناس حوله‏:‏ إن كنا لنعمل هذا بفتياك، فقال ابن عباس‏:‏ قد كنت أفتي بذلك حتى حدثني أبو سعيد وابن عمر أن النبيّ صلى الله عليه وسلم نهى عنه فأنا أنهاكم عنه، وفي نسختنا من ‏"‏ سنن البيهقي ‏"‏ في هذا الإسناد ابن المبارك، والظاهر‏:‏ أن الأصل أبو المبارك كما يأتي‏.‏

أخبرنا أبو الحسين ابن الفضل القطان ببغداد، أنا عبد اللَّه بن جعفر بن درستويه، حدّثنا يعقوب بن سفيان، حدثنا عبيد اللَّه بن موسى، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عند سعد بن إياس، عن عبد اللَّه بن مسعود، أن رجلاً من بني شمخ بن فزارة، سأله عن رجل تزوج امرأة فرأى أمها فأعجبته، فطلق امرأته؛ ليتزوج أمها، قال‏:‏ لا بأس فتزوجها الرجل، وكان عبد اللَّه على بيت المال، وكان يبيع نفاية بيت المال يعطي الكثير، ويأخذ القليل، حتى قدم المدينة، فسأل أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فقالوا‏:‏ لا يحل لهذا الرجل هذه المرأة، ولا تصح الفضة إلا وزنًا بوزن؛ فلما قدم عبد اللَّه انطلق إلى الرجل فلم يجده، ووجد قومه فقال‏:‏ إن الذي أفتيت به صاحبكم لا يحل، فقالوا‏:‏ إنها قد نثرت له بطنها، قال وإن كان‏.‏ وأتى الصيارفة فقال‏:‏ يا معشر الصيارفة، إن الذي كنت أبايعكم، لا يحل، لا تحل الفضة بالفضة، إلا وزنًا بوزن‏.‏اهـ من البيهقي بلفظه، وفيه التصريح برجوع ابن عمر وابن عباس وابن مسعود عن القول بإباحة ربا الفضل‏.‏

وقال ابن حجر في الكلام على حديث أسامة المذكور ما نصّه‏:‏ وخالف فيه؛ يعني‏:‏ منع ربا الفضل ابن عمر ثم رجع، وابن عباس، واختلف في رجوعه، وقد روى الحاكم من طريق حيان العدوي وهو بالمهملة والتحتانية، سألت أبا مجلز عن الصرف فقال‏:‏ كان ابن عباس لا يرى به بأسًا زمانًا من عمره، ما كان منه عينًا بعين، يدًا بيد، وكان يقول‏:‏ إنما الربا في النسيئة، فلقيه أبو سعيد فذكر القصة والحديث، وفيه التمر بالتمر، والحنطة بالحنطة، والشعير بالشعير، والذهب بالذهب، والفضة بالفضة، يدًا بيد، مثلاً بمثل، فما زاد فهو ربا، فقال ابن عباس‏:‏ أستغفر اللَّه وأتوب إليه، فكان ينهى عنه أشد النهي‏.‏ا هـ من ‏"‏ فتح الباري ‏"‏ بلفظه‏.‏وفي ‏"‏ تكملة المجموع ‏"‏ لتقي الدين السبكي بعد أن ساق حديث حيان هذا ما نصّه‏:‏ رواه الحاكم في ‏"‏ المستدرك ‏"‏، وقال‏:‏ هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه بهذه السياقة، وفي حكمه عليه بالصحة نظر؛ فإن حيان بن عبيد اللَّه المذكور، قال ابن عدي‏:‏ عامة ما يرويه إفرادات يتفرد بها، وذكر ابن عدي في ترجمته حديثه في الصرف هذا بسياقه، ثم قال‏:‏ وهذا الحديث من حديث أبي مجلز عن ابن عباس، تفرد به حيان، قال البيهقي‏:‏ وحيان تكلموا فيه، واعلم أن هذا الحديث ينبغي الاعتناء بأمره، وتبيين صحته من سقمه؛ لأمر غير ما نحن فيه، وهو قوله‏:‏ وكذلك ما يكال ويوزن، وقد تكلم فيه بنوعين من الكلام أحدهما تضعيف الحديث جملة، وإليه أشار البيهقي، وممن ذهب إلى ذلك ابن حزم، أعله بشىء أنبه عليه، لئلا يغتربه‏:‏ وهو أنه أعله بثلاثة أشياء‏.‏

أحدها‏:‏ أنه منقطع؛ لأن أبا مجلز لم يسمع من أبي سعيد، ولا من ابن عباس‏.‏

والثاني‏:‏ لذكره أن ابن عباس رجع، واعتقاد ابن حزم‏:‏ أن ذلك باطل؛ لمخالفة سعيد بن جبير‏.‏

والثالث‏:‏ أن حيان بن عبيد اللَّه مجهول‏.‏

فأما قوله‏:‏ إنه منقطع فغير مقبول؛ لأن أبا مجلز أدرك ابن عباس وسمع منه، وأدرك أبا سعيد‏.‏ ومتى ثبت ذلك لا تسمع دعوى عدم السماع إلا بثبت، وأما مخالفة سعيد بن جبير فسنتكلم عليها في هذا الفصل إن شاء اللَّه تعالى، وأما قوله إن حيان بن عبيد اللَّه مجهول، فإن أراد مجهول العين فليس بصحيح بل هو رجل مشهور، روى عنه حديث الصرف هذا محمد بن عبادة، ومن جهته أخرجه الحاكم، وذكره ابن حزم، وإبراهيم بن الحجاج الشامي، ومن جهته رواه ابن عدي، ويونس بن محمد، ومن جهته رواه البيهقي، وهو حيان بن عبيد اللَّه بن حيان بن بشر بن عدي، بصري سمع أبا مجلز لاحق بن حميد والضحاك، وعن أبيه، وروى عن عطاء، وابن بريدة، روى عنه موسىا بن اسماعيل، ومسلم بن إبراهيم، وأبو داود، وعبيد اللَّه بن موسى، عقد له البخاري وابن أبي حاتم ترجمة، فذكر كل منهما بعض ما ذكرته، وله ترجمة في كتاب ابن عدي أيضًا، كما أشرت إليه، فزال عنه جهالة العين، وإن أراد جهالة الحال فهو قد رواه من طريق إسحاق بن راهويه‏.‏

فقال في إسناده‏:‏ أخبرنا روح، قال حدثنا حيان بن عبيد اللَّه، وكان رجل صدق فإن كانت هذه الشهادة له بالصدق من روح بن عبادة، فروح محدّث، نشأ في الحديث عارف به، مصنف متفق على الاحتجاج به، بصري بلدي المشهود له فتقبل شهادته له، وإن كان هذا القول من إسحاق بن راهويه فناهيك به، ومن يثني عليه إسحاق‏.‏ وقد ذكر ابن أبي حاتم حيان بن عبيد اللَّه هذا‏.‏

وذكر جماعة من المشاهير ممن رووا عنه وممن روى عنهم، وقال‏:‏ إنه سأل أباه عنه فقال‏:‏ صدوق، ثم قال‏:‏ وعن سليمان بن علي الربعي، عن أبي الجوزاء أوس بن عبد اللَّه الربعي، قال سمعته يأمر بالصرف، يعني ابن عباس، وتحدث ذلك عنه، ثم بلغني أنه رجع عن ذلك فلقيته بمكة، فقلت إنه بلغني أنك رجعت، قال‏:‏ نعم، إنما كان ذلك رأيًا مني، وهذا أبو سعيد حدّث عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن الصرف، رويناه في سنن ابن ماجه،

ومسند الإمام أحمد، بإسناد رجاله على شرط الصحيحين، إلى سليمان بن علي، وسليمان بن علي روى له مسلم‏.‏ وقال ابن حزم‏:‏ إنه مجهول لا يدري من هو ‏؟‏ وهو غير مقبول منه؛ لما تبين‏.‏ ثم قال‏:‏ وعن أبي الجوزاء قال‏:‏ كنت أخدم ابن عباس رضي اللَّه عنهما تسع سنين ثم ساق حديث أبي الجوزاء عن ابن عباس، الذي قدمنا عن البيهقي، ثم قال‏:‏ رواه البيهقي في ‏"‏ السنن الكبرى ‏"‏ بإسناد فيه أبو المبارك، وهو مجهول‏.‏

ثم قال‏:‏ وروينا عن عبد الرحمان بن أبي نُعْم، بضم النون وإسكان العين ـ، أن أبا سعيد الخدري لقي ابن عباس، فشهد على رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏"‏ الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، مثلاً بمثل، فمن زاد فقد‏:‏ أربى ‏"‏ فقال ابن عباس‏:‏ أتوب إلى اللَّه مما كنت أفتي به، ثم رجع‏.‏ رواه الطبراني بإسناد صحيح، وعبد الرحمان بن أبي نعم تابعي، ثقة متفق عليه، معروف بالرواية عن أبي سعيد، وابن عمر، وغيرهما من الصحابة، وعن أبي الجوزاء قال‏:‏ سألت ابن عباس عن الصرف عن الدرهم بالدرهمين، يدًا بيد، فقال‏:‏ لا أرى فيما كان يدًا بيد بأسًا، ثم قدمت مكة من العام المقبل وقد نهى عنه، رواه الطبراني بإسناد حسن‏.‏ وعن أبي الشعثاء قال‏:‏ سمعت ابن عباس يقول‏:‏ اللّهمّ إني أتوب إليك من الصرف؛ إنما هذا من رأيي، وهذا أبو سعيد الخدري يرويه عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، رواه الطبراني ورجاله ثقات، مشهورون مصرحون بالتحديث فيه من أولهم إلى آخرهم‏.‏

عن عطية العوفي بإسكان الواو وبالفاء قال‏:‏ قال أبو سعيد لابن عباس‏:‏ تب إلى اللَّه تعالى، فقال‏:‏ أستغفر اللَّه وأتوب إليه، قال‏:‏ ألم تعلم أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم نهى عن الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، وقال‏:‏ ‏"‏ إني أخاف عليكم الربا ‏"‏، قال فضيل بن مرزوق‏:‏ قلت لعطية‏:‏ ما الربا ‏؟‏ قال‏:‏ الزيادة والفضل بينهما، رواه الطبراني بسند صحيح، إلى عطية‏.‏ وعطية من رجال السنن‏.‏ قال يحيى بن معين‏:‏ صالح وضعفه غيره، فالإسناد بسببه ليس بالقوي‏.‏

وعن بكر بن عبد اللَّه المزني أن ابن عباس جاء من المدينة إلى مكة وجئت معه، فحمد اللَّه تعالى وأثنى عليه، ثم قال‏:‏ أيها الناس، إنه لا بأس بالصرف، ما كان منه يدًا بيد إنما الربا في النسيئة، فطارت كلمته في أهل المشرق والمغرب، حتى إذا انقضى الموسم دخل عليه أبو سعيد الخدري، وقال له‏:‏ با ابن عباس أكلت الربا وأطعمته ‏؟‏ قال‏:‏ أو فعلت ‏؟‏ قال‏:‏ نعم، قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ الذهب بالذهب، وزنًا بوزن، مثلاً بمثل‏:‏ تبره وعينه‏.‏ فمن زاد أو استزاد فقد أربى، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مثلاً بمثل، فمن زاد أو استزاد فقد أربى ‏"‏، حتى إذا كان العام المقبل جاء ابن عباس وجئت معه، فحمد اللَّه وأثنى عليه، ثم قال‏:‏ أيها الناس، إني تكلمت عام أول بكلمة من رأيي، وإني أستغفر اللَّه تعالى منه، وأتوب إليه، إن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏ الذهب بالذهب، وزنًا بوزن، مثلاً بمثل، تبره وعينه، فمن زاد واستزاد فقد أربى ‏"‏، وأعاد عليهم هذه الأنواع الستة؛ رواه الطبراني بسند فيه مجهول، وإنما ذكرناه متابعة لما تقدم‏.‏ وهكذا وقع في روايتنا‏:‏ فمن زاد واستزاد بالواو لا بأو واللَّه أعلم‏.‏

وروى أبو جابر أحمد بن محمد بن سلامة الطحاوي في كتاب ‏"‏ المعاني والآثار ‏"‏ بإسناد حسن إلى أبي سعيد قال‏:‏ قلت لابن عباس‏:‏ أرأيت الذي يقول الدينار بالدينار ‏؟‏ وذكر الحديث ثم قال‏:‏ قال أبو سعيد ونزع عنها ابن عباس وروى الطحاوي أيضًا عن نصر بن مرزوق بإسناد لا بأس به عن أبي الصهباء أن ابن عباس نزل عن الصرف وهذا أصرح من رواية مسلم،

وروى الطحاوي عن أبي أُمية بإسناد حسن، إلى عبد اللَّه بن حسين، أن رجلاً من أهل العراق قال لعبد اللَّه بن عمر‏:‏ إن ابن عباس قال وهو علينا أمير‏:‏ من أعطى بالدرهم مائة درهم فليأخذها وذكر حديثًا إلى أن قال‏:‏ فقيل لابن عباس‏:‏ ما قال ابن عمر ‏؟‏ قال‏:‏ فاستغفر ربه، وقال‏:‏ إنما هو رأي مني‏.‏

وعن أبي هاشم الواسطي واسمه يحيى بن دينار عن زياد قال‏:‏ كنت مع ابن عباس بالطائف فرجع عن الصرف قبل أن يموت بسبعين يومًا، ذكره ابن عبد البر في ‏"‏ الاستذكار ‏"‏، وذكر أيضًا عن أبي حرة قال‏:‏ سأل رجل ابن سيرين عن شىء فقال‏:‏ لا علم لي به‏.‏ فقال الرجل‏:‏ أن يكون فيه برأيك‏.‏ فقال‏:‏ إني أكره أن أقول فيه برأيي ثم يبدو لي غيره فأطلبك فلا أجدك، إن ابن عباس قد رأى في الصرف رأيًا ثم رجع، وذكر أيضًا عن ابن سيرين عن الهذيل، بالذال المعجمة، ابن أخت محمد بن سيرين قال‏:‏ سألت ابن عباس عن الصرف فرجع عنه فقلت‏:‏ إن الناس يقولون، فقال‏:‏ الناس يقولون ما شاءوا‏.‏اهـ من ‏"‏ تكملة المجموع ‏"‏، ثم قال بعد هذا‏:‏ فهذه عدة روايات صحيحة وحسنة من جهة خلق من أصحاب ابن عباس تدل على رجوعه، وقد روي في رجوعه أيضًا غير ذلك، وفيما ذكرته غنية إن شاء اللَّه تعالى‏.‏

وفي ‏"‏ تكملة المجموع ‏"‏ أيضًا قبل هذا ما نصه‏:‏ وروى عن أبي الزبير المكي، واسمه محمد بن تدرس، بفتح التاء ودال ساكنة وراء مضمومة وسين مهملة، قال‏:‏ سمعت أبا أسيد الساعدي وابن عباس يفتي الدينار بالدينارين فقال له أبو أسيد الساعدي وأغلظ له قال‏:‏ فقال ابن عباس‏:‏ ما كنت أظن أن أحدًا يعرف قرابتي من رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يقول مثل هذا يا أبا أسيد ‏؟‏ فقال أبو أسيد‏:‏ أشهد لسمعت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏"‏ الدينار بالدينار، وصاع حنطة بصاع حنطة، وصاع شعير بصاع شعير، وصاع ملح بصاع ملح لا فضل بينهما في شىء من ذلك ‏"‏‏.‏

فقال ابن عباس‏:‏ إنما هذا شىء كنت أقوله برأيي ولم أسمع فيه بشىء، رواه الحاكم في ‏"‏ المستدرك ‏"‏، وقال‏:‏ إنه صحيح على شرط مسلم رحمه الله وفي سنده عتيق بن يعقوب الزبيري، قال الحاكم‏:‏ إنه شيخ قرشي من أهل المدينة وأبو أُسيد، بضم الهمزة‏.‏

وروينا في ‏"‏ معجم الطبراني ‏"‏ من حديث أبي صالح ذكوان أنه سأل ابن عباس عن بيع الذهب والفضة فقال‏:‏ هو حلال بزيادة أو نقصان إذا كان يدًا بيد، قال أبو صالح‏:‏ فسألت أبا سعيد بما قال ابن عباس، وأخبرت ابن عباس بما قال أبو سعيد، والتقيا وأنا معهما فابتدأه أبو سعيد الخدري فقال‏:‏ يا ابن عباس ما هذه الفتيا التي تفتي بها الناس في بيع الذهب والفضة تأمرهم أن يشتروه بنقصان أو بزيادة يدًا بيد ‏؟‏ فقال ابن عباس رضي اللَّه عنهما‏:‏ ما أنا بأقدمكم صحبة لرسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، وهذا زيد بن أرقم والبراء بن عازب يقولان‏:‏ سمعنا النبيّ صلى الله عليه وسلم، رواه الطبراني بإسناد حسن وقد قدمنا رجوع ابن عمر وابن مسعود عن ذلك، وقد قدمنا الجواب عما روي عن البراء بن عازب وزيد بن أرقم وأسامة بن زيد رضي اللَّه عنهم




























وثبت عن سعيد بن جبير أن ابن عباس لم يرجع وهي شهادة على نفي مطلق، والمثبت مقدم على النافي؛ لأنه اطلع على ما لم يطلع عليه النافي، وقال ابن عبد البر‏:‏ رجع ابن عباس أو لم يرجع، في السنة كفاية عن قول كل واحد، ومن خالفها رد إليها، قال عمر بن الخطاب رضي اللَّه عنه‏:‏ ردوا الجهالات إلى السنة‏.‏ اهـ

وقال‏:‏ العلامة الشوكاني رحمه اللَّه في ‏"‏ نيل الأوطار ‏"‏ ما نصه‏:‏ وأما ما أخرجه مسلم، عن ابن عباس أنه لا ربا فيما كان يدًا بيد كما تقدم، فليس ذلك مرويًا عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم حتى تكون دلالته على نفي ربا الفضل منطوقة، ولو كان مرفوعًا، لما رجع ابن عباس واستغفر، لما حدثه أبو سعيد بذلك كما تقدم، وقد روى الحازمي رجوع ابن عباس واستغفاره عند أن سمع عمر بن الخطاب وابنه عبد اللَّه يحدثان عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بما يدل على تحريم ربا الفضل، وقال‏:‏ حفظتما من رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ما لم أحفظ، وروى عنه الحازمي أيضًا أنه قال‏:‏ كان ذلك برأيي‏.‏

وهذا أبو سعيد الخدري يحدثني عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، فتركت رأيي إلى حديث رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، وعلى تسليم أن ذلك الذي قاله ابن عباس مرفوع فهو عام مخصص بأحاديث الباب؛ لأنها أخص منه مطلقًا‏.‏اهـ منه بلفظه، وقد ذكر غير واحد أن الإجماع انعقد بعد هذا الخلاف على منع ربا الفضل‏.‏

قال‏:‏ في ‏"‏ تكملة المجموع ‏"‏ ما نصه‏:‏ الفصل الثالث في بيان انقراض الخلاف في ذلك ودعوى الإجماع فيه، قال ابن المنذر‏:‏ أجمع علماء الأمصار مالك بن أنس ومن تبعه من أهل المدينة، وسفيان الثوري ومن وافقه من أهل العراق، والأوزاعي ومن قال بقوله من أهل الشام، والليث بن سعد ومن وافقه من أهل مصر، والشافعي وأصحابه، وأحمد وإسحاق وأبو ثور والنعمان ويعقوب ومحمد بن علي، أنه لا يجوز بيع ذهب بذهب، ولا فضة بفضة، ولا بر ببر، ولا شعير بشعير، ولا تمر بتمر، ولا ملح بملح، متفاضلاً يدًا بيد، ولا نسيئة، وأن من فعل ذلك فقد أربى والبيع مفسوخ‏.‏ اهـ محل الغرض منه بلفظه‏.‏

ونقل النووي في ‏"‏ شرح مسلم ‏"‏ إجماع المسلمين على ترك العمل بظاهر حديث أسامة قال‏:‏ وهذا يدل على نسخه، وقد استدل ابن عبد البرّ على صحة تأويله لحديث أسامة بإجماع الناس، ما عدا ابن عباس عليه‏.‏اهـ، وعلى فرض أن ابن عباس لم يرجع عن ذلك، فهل ينعقد الإجماع مع مخالفته ‏؟‏ فيه خلاف معروف في الأصول، هل يلغي الواحد والاثنان أو لا بد من اتفاق كل وهو المشهور، وهل إذا مات وهو مخالف ثم انعقد الإجماع بعده يكون إجماعًا ‏؟‏ وهو الظاهر، أو لا يكون إجماعًا؛ لأن المخالف الميت لا يسقط قوله بموته، خلاف معروف في الأصول أيضًا‏.‏ وإذا عرفت أن من قال بإباحة ربا الفضل رجع عنها، وعلمت أن الأحاديث الصحيحة المتفق عليها مصرحة بكثرة بمنعه، علمت أن الحق الذي لا شك فيه تحريم ربا الفضل، بين كل جنس واحد من الستة مع نفسه، وجواز الفضل بين الجنسين المختلفين يدًا بيد، ومنع النساء بين الذهب والفضة مطلقًا، وبين التمر والبر، والشعير والملح مطلقًا، ولا يمنع طعام بنقد نسيئة كالعكس، وحكى بعض العلماء على ذلك الإجماع، ويبقى غير هذه الأصناف الستة المنصوص عليها في الحديث، فجماهير العلماء على أن الربا لا يختص بالستة المذكورة‏.‏

والتحقيق أن علة الربا في النقدين كونهما جوهرين نفيسين‏.‏ هما ثمن الأشياء غالبًا في جميع أقطار الدنيا، وهو قول مالك والشافعي، والعلة فيهما قاصرة عليهما عندهما، وأشهر الروايات عن أحمد أن العلة فيهما كون كل منهما موزون جنس، وهو مذهب أبي حنيفة‏.‏ وأما البر والشعير والتمر والملح فعلة الربا فيها عند مالك الاقتيات والادخار، وقيل وغلبة العيش فلا يمنع ربا الفضل عند مالك وعامة أصحابه إلا في الذهب بالذهب والفضة بالفضة والطعام المقتات المدخر بالطعام المقتات المدخر، وقيل يشترط مع الاقتيات والادخار غلبة العيش، وإنما جعل مالك العلة ما ذكر؛ لأنه أخص أوصاف الأربعة المذكورة، ونظم بعض المالكية ما فيه ربا النساء وربا الفضل عند مالك في بيتين وهما‏:‏ رباء نسا في النقد حرم ومثله طعام وإن جنساهما قد تعددا وخص ربا فضل بنقد ومثله طعام الربا إن جنس كل توحدا

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
الهدى

avatar

عدد المساهمات : 326
التميز : 1
تاريخ التسجيل : 14/10/2009

مُساهمةموضوع: تفسير اضواء البيان فى ايضاح القران بالقران   الإثنين يناير 11, 2010 4:45 am


وقد كنطت حررت مذهب مالك في ذلك في الكلام على الربا في الأطعمة في نظم لي طويل في فروع مالك بقولي‏:‏

وكل ما يذاق من طعام ربا النسا فيه من الحرام

مقتاتًا أو مدخرًا أو لا اختلف ذاك الطعام جنسه أو ائتلف

وإن يكن يطعم للدواء مجردًا فالمنع ذو انتفاء

ولربا الفضل شروط يحرم بها وبانعدامها ينعدم

هي اتحاد الجنس فيما ذكرا مع اقتياته وأن يدخرا

وما لحد الادخار مدة والتادلي بستة قد حده

والخلف في اشتراط كونه اتخذ للعيش عرفًا، وبالاسقاط أخذ

تظهر فائدته في أربع غلبة العيش بها لم تقع

والأربع التي حوى ذا البيت بيض وتين وجراد زيت

في البيض والزيت الربا قد انحظر رعيًا لكون شرطها لم يعتبر

وقد رعي اشتراطها في المختصر في التين وحده ففيه ما حظر

ورعي خلف في الجراد باد لذكره الخلاف في الجراد

وحبة بحبتين تحرم إذ الربا قليله محرّم


ثم ذكرت بعد ذلك الخلاف في ربوية البيض بقولي‏:‏ وقول إن البيض ما فيه الربا إلى ابن شعبان الإمام نسبا


وأصح الروايات عن الشافعي أن علة الربا في الأربعة الطعم فكل مطعوم يحرم فيه عنده الربا كالأقوات، والإدام، والحلاوات، والفواكه، والأدوية‏.‏ واستدلّ على أن العلة الطعم بما رواه مسلم من حديث معمر بن عبد اللَّه رضي اللَّه عنه أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏ الطعام بالطعام مثلاً بمثل ‏"‏ الحديث‏.‏ والطعام اسم لكل ما يؤكل، قال تعالى‏:‏ ‏{‏كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلاًّ لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ‏}‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏فَلْيَنظُرِ الإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاء صَبًّا ثُمَّ شَقَقْنَا الأَرْضَ شَقًّا فَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبًّا وَعِنَبًا وَقَضْبًا‏}‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ‏}‏، والمراد‏:‏ ذبائحهم‏.‏

وقالت عائشة رضي اللَّه عنها‏:‏ مكثنا مع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم سنة ما لنا طعام إلا الأسودان التمر والماء، وعن أبي ذرّ رضي اللَّه عنه في حديثه الطويل، في قصه إسلامه، قال‏:‏ قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏فمن كان يطعمك‏؟‏ ‏"‏ قلت‏:‏ ما كان لي طعام إلا ماء زمزم فسمنت حتى تكسرت عكن بطني، قال‏:‏ ‏"‏ إنها مباركة، إنها طعام طعم ‏"‏ رواه مسلم‏.‏

وقال لبيد‏:‏

لمعفر قهد تنازع شلوه غبس كواسب ما يمن طعامها


يعني بطعامها الفريسة،

قالوا‏:‏ والنبيّ صلى الله عليه وسلم علق في هذا الحديث الربا على اسم الطعام، والحكم إذا علق على اسم مشتق دل على أنه علته، كالقطع في السرقة في قوله‏:‏ ‏{‏وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ‏}‏، قالوا‏:‏ ولأن الحب ما دام مطعومًا يحرم فيه الربا؛ فإذا زرع وخرج عن أن يكون مطعومًا لم يحرم فيه الربا، فإذا انعقد الحب وصار مطعومًا حرم فيه الربا، فدل على أن العلة فيه كونه مطعومًا، ولذا كان الماء يحرم فيه الربا على أحد الوجهين عند الشافعية؛ لأن اللَّه تعالى قال‏:‏ ‏{‏إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلاَّ مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُواْ مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ قَالُواْ لاَ طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُوا اللَّهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ‏}‏، ولقول عائشة المتقدم‏:‏ ما لنا طعام إلا الأسودان الماء والتمر، ولقول الشاعر‏:‏ فإن شئتِ حرمت النِّساء سواكم وإن شئتِ لم أطعم نقاخًا ولا بردا


والنقاخ الماء البارد، هذا هو حجة الشافعية في أن علّة الربا في الأربعة الطعم، فألحقوا بها كل مطعوم؛ للعلة الجامعة بينهما‏.‏

قال مقيده عفا اللَّه عنه‏:‏ الاستدلال بحديث معمر المذكور على أن علّة الربا الطعم لا يخلو عندي من نظر، واللَّه تعالى أعلم؛ لأن معمرًا المذكور لمّا قال‏:‏ قد كنت أسمع النبيّ صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏"‏الطعام بالطعام مثلاً بمثل‏"‏‏.‏ قال عقبة‏:‏ وكان طعامنا يومئذ الشعير كما رواه عنه أحمد ومسلم، وهذا صريح في أن الطعام في عرفهم يومئذ الشعير، وقد تقرر في الأصول أن العرف المقارن للخطاب من مخصصات النص العام، وعقده في ‏"‏مراقي السعود‏"‏ بقوله في مبحث المخصص المنفصل عاطفًا على ما يخصص العموم‏:‏ والعرف حيث قارن الخطابا ودع ضمير البعض والأسبابا


وأشهر الروايات عن أحمد أن علة الرّبا في الأربعة كونها مكيلة جنس، وهو مذهب أبي حنيفة، وعليه يحرم الربا في كل مكيل، ولو غير طعام كالجص والنورة والأشنان‏.‏ واستدلوا بما رواه الدارقطني عن عبادة وأنس بن مالك أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏ما وزن مثل بمثل إذا كان نوعًا واحدًا وما كيل فمثل ذلك، فإذا اختلف النوعان فلا بأس به‏"‏، قال العلامة الشوكاني في ‏"‏نيل الأوطار‏"‏‏:‏ حديث أنس وعبادة أشار إليه في ‏"‏التلخيص‏"‏ ولم يتكلّم عليه، وفي إسناده الربيع بن صبيح وثقه أبو زرعة وغيره، وضعفه جماعة، وقد أخرج هذا الحديث البزار أيضًا، ويشهد لصحته حديث عبادة المذكور أولاً وغيره من الأحاديث‏.‏ اهـ منه بلفظه‏.‏

واستدلوا أيضًا بما رواه البخاري ومسلم عن أبي سعيد وأبي هريرة أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم استعمل رجلاً على خيبر، فجاءهم بتمر جنيب، فقال‏:‏ ‏"‏أكل تمر خيبر هكذا‏"‏ قال‏:‏ إنا لنأخذ الصاع من هذا بالصاعين، والصاعين بالثلاثة، فقال‏:‏ ‏"‏لا تفعل، بع الجمع بالدراهم، ثم ابتع بالدراهم جنيبًا‏"‏، وقال‏:‏ في الميزان مثل ذلك، ووجه الدلالة منه، أن قوله في الميزان، يعني في الموزون؛ لأن نفس الميزان ليست من أموال الربا، واستدلوا أيضًا بحديث أبي سعيد المتقدم الذي أخرجه الحاكم من طريق حيان بن عبيد اللَّه، فإن فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏التمر بالتمر، والحنطة بالحنطة، والشعير بالشعير، والذهب بالذهب، والفضة بالفضة، يدًا بيد، عينًا بعين، مثلاً بمثل، فمن زاد فهو ربًا‏"‏، ثم قال‏:‏ ‏"‏وكذلك ما يكال أو يوزن أيضًا‏"‏ وأجيب من جهة المانعين، بأن حديث الدارقطني لم يثبت، وكذلك حديث الحاكم، وقد بينا سابقًا ما يدل على ثبوت حديث حيان المذكور، وقد ذكرنا آنفًا كلام الشوكاني في أن حديث الدارقطني أخرجه البزار أيضًا، وأنه يشهد لصحته حديث عبادة بن الصامت وغيره من الأحاديث، وأن الربيع بن صبيح وثقه أبو زرعة وغيره، وضعفه جماعة، وقال فيه ابن حجر في ‏"‏التقريب‏"‏‏:‏ صدوق سَيِّىء الحفظ، وكان عابدًا مجاهدًا، ومراد الشوكاني بحديث عبادة المذكور، هو ما أخرجه عنه مسلم والإمام أحمد والنسائي وابن ماجه وأبو داود، أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والملح بالملح، مثلاً بمثل، سواء بسواء، يدًا بيد، فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم‏"‏ اهـ‏.‏ فإن قوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏سواء بسواء، مثلاً بمثل‏"‏ يدلّ على الضبط بالكيل والوزن، وهذا القول أظهرها دليلاً‏.‏

وأجابوا عن حديث أبي سعيد المتفق عليه بثلاثة أجوبة‏.‏

الأول‏:‏ جواب البيهقي قال‏:‏ وقد قيل‏:‏ إن قوله وكذلك الميزان، من كلام أبي سعيد الخدري موقوف عليه‏.‏

الثاني‏:‏ جواب القاضي أبي الطيب وآخرين، أن ظاهر الحديث غير مراد؛ لأن الميزان نفسه لا ربا فيه، وأضمرتم فيه الموزون، ودعوى العموم في المضمرات لا تصح‏.‏

الثالث‏:‏ حمل الموزون على الذهب والفضة جمعًا بين الأدلة، والظاهر أن هذه الإجابات لا تنهض؛ لأن وقفه على أبي سعيد خلاف الظاهر، وقصد ما يوزن بقوله‏:‏ وكذلك الميزان لا لبس فيه، وحمل الموزون على الذهب والفضة فقط خلاف الظاهر، واللَّه تعالى أعلم‏.‏

وفي علّة الربا في الأربعة مذاهب أُخر غير ما ذكرنا عن الأئمة الأربعة ومن وافقهم‏:‏

الأول‏:‏ مذهب أهل الظاهر ومن وافقهم أنه لا ربا أصلاً في غير الستة، ويروى هذا القول عن طاوس ومسروق والشعبي وقتادة وعثمان البتي‏.‏

الثاني‏:‏ مذهب أبي بكر عبد الرحمان بن كيسان الأصم، أن العلة فيها كونها منتفعًا بها، حكاه عنه القاضي حسين‏.‏

الثالث‏:‏ مذهب ابن سيرين، وأبي بكر الأودني من الشافعية أن العلة الجنسية؛ فيحرم الربا في كل شىء بيع بجنسه كالتراب بالتراب متفاضلاً، والثوب بالثوبين، والشاة بالشاتين‏.‏

الرابع‏:‏ مذهب الحسن البصري أن العلّة المنفعة في الجنس، فيجوز عنده بيع ثوب قيمته دينار بثوبين قيمتهما دينار، ويحرم بيع ثوب قيمته دينار بثوب قيمته دينارين‏.‏

الخامس‏:‏ مذهب سعيد بن جبير أن العلة تقارب المنفعة في الجنس، فحرم التفاضل في الحنطة بالشعير، والباقلي بالحمص، والدخن بالذرة مثلاً‏.‏

السادس‏:‏ مذهب ربيعة بن أبي عبد الرحمان أن العلة كونه جنسًا تجب فيه الزكاة؛ فحرم الربا في كل جنس تجب فيه الزكاة كالمواشي والزرع وغيرها‏.‏

السابع‏:‏ مذهب سعيد بن المسيِّب وقول الشافعي في القديم‏:‏ إن العلة كونه مطعومًا يكال أو يوزن ونفاه عما سواه، وهو كل ما لا يؤكل ولا يشرب، أو يؤكل ولا يكال ولا يوزن‏.‏ كالسفرجل والبطيخ، وقد تركنا الاستدلال لهذه المذاهب والمناقشة فيها خوف الإطالة المملّة‏.‏

فــروع

الفرع الأول‏:‏ الشكّ في المماثلة كتحقق المفاضلة، فهو حرام في كل ما يحرم فيه ربا الفضل، ودليل ذلك ما أخرجه مسلم والنسائي عن جابر قال‏:‏ نهى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم عن بيع الصبرة من التمر لا يعلم كيلها بالكيل المسمى من التمر‏.‏ الفرع الثاني‏:‏ لا يجوز التراخي في قبض ما يحرم فيه ربا النساء، ودليل ذلك‏:‏ ما أخرجه البخاري ومسلم من حديث مالك بن أوس رضي اللَّه عنه، قال‏:‏ أقبلت ‏؟‏ أقول‏:‏ من يصطرف الدراهم، فقال طلحة‏:‏ أرنا الذهب حتى يأتي الخازن، ثم تعال فخذ ورقك، فقال عمر بن الخطاب رضي اللَّه عنه‏:‏ كلا، والذي نفسي بيده لتردن إليه ذهبه، أو لتنقدنه ورقه، فإني سمعت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏"‏ الذهب بالورق ربا إلاّ ها وها، وزالبر بالبر ربا إلا ها وها، والشعير بالشعير ربا إلا ها وها، والتمر بالتمر ربا إلا ها وها‏"‏‏.‏

الفرع الثالث‏:‏ لا يجوز أن يباع ربوي بربوي كذهب بذهب، ومع أحدهما شىء آخر‏.‏ ودليل ذلك‏:‏ ما رواه مسلم في ‏"‏صحيحه‏"‏ عن أبي الطاهر، عن ابن وهب، من حديث فضالة بن عبيد الأنصاري قال‏:‏ أتى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وهو بخيبر بقلادة فيها خرز وذهب، وهي من المغانم تباع فأمر رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بالذهب الذي في القلادة فنزع، ثم قال لهم رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏الذهب بالذهب وزنًا بوزن‏"‏‏.‏

وروى مسلم نحوه أيضًا عن أبي بكر بن شيبة وقتيبة بن سعيد من حديث فضالة بن عبيد رضي اللَّه عنه ونحوه‏.‏ أخرجه النسائي، وأبو داود، والترمذي وصححه‏.‏

وقال العلامة الشوكاني رحمه اللَّه تعالى في ‏"‏نيل الأوطار‏"‏، عند ذكر صاحب ‏"‏المنتقى‏"‏‏:‏ لحديث فضالة بن عبيد المذكور ما نصّه، الحديث‏.‏

قال في ‏"‏التلخيص‏"‏‏:‏ له عند الطبراني في الكبير طرق كثيرة جدًا في بعضها قلادة فيها خرز وذهب، وفي بعضها ذهب وجوهر، وفي بعضها خرز معلقة بذهب، وفي بعضها باثني عشر دينارًا، وفي بعضها بتسعة دنانير، وفي أخرى بسبعة دنانير‏.‏ وأجاب البيهقي عن هذا الاختلاف، بأنها كانت بيوعًا شهدها فضالة‏.‏

قال الحافظ‏:‏ والجواب المسدّد عندي أن هذا الاختلاف لا يوجب ضعفًا، بل المقصود من الاستدلال محفوظ لا اختلاف فيه، وهو النهي عن بيع ما لم يفصل، وأما جنسها وقدر ثمنها فلا يتعلق به في هذه الحال ما يوجب الحكم بالاضطراب‏.‏

وحينئذ ينبغي الترجيح بين رواتها وإن كان الجميع ثقات فيحكم بصحة رواية أحفظهم وأضبطهم، فتكون رواية الباقين بالنسبة إليه شاذة، وبعض هذه الروايات التي ذكرها الطبراني في ‏"‏صحيح مسلم‏"‏ و‏"‏سنن أبي داود‏"‏، اهـ منه بلفظه‏.‏ وقد قدمنا بعض روايات مسلم‏.‏

الفرع الرابع‏:‏ لا يجوز بيع المصوغ من الذهب أو الفضة بجنسه بأكثر من وزنه، ودليل ذلك‏:‏ ما صح عن جماعة من أصحاب رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أنه صلى الله عليه وسلم صرح بتحريم بيع الفضة بالفضة، والذهب بالذهب، إلا مثلاً بمثل، وأن من زاد أو استزاد فقد أربى‏.‏

وقد أخرج البيهقي في ‏"‏السنن الكبرى‏"‏ عن مجاهد أنه قال‏:‏ كنت أطوف مع عبد اللَّه بن عمر فجاءه صائغ فقال‏:‏ يا أبا عبد الرحمان، إني أصوغ الذهب، ثم أبيه الشىء من ذلك بأكثر من وزنه، فأستفضل في ذلك قدر عمل يدي فيه، فنهاه عبد اللَّه بن عمر عن ذلك، فجعل الصائغ يردد عليه المسألة وعبد اللَّه بن عمر ينهاه، حتى انتهى إلى باب المسجد أو إلى دابته يريد أن يركبها‏.‏

ثم قال عبد اللَّه بن عمر‏:‏ الدينار بالدينار، والدرهم بالدرهم لا فضل بينهما، هذا عهد نبيّنا صلى الله عليه وسلم إلينا وعهدنا إليكم‏.‏

ثم قال البيهقي‏:‏ وقد مضى حديث معاوية حيث باع سقاية ذهب أو ورق بأكثر من وزنها، فنهاه أبو الدرداء، وما روي عن عمر بن الخطاب رضي اللَّه عنه في النهي عن ذلك‏.‏

وروى البيهقي أيضًا عن أبي رافع، أنه قال‏:‏ قلت لعمر بن الخطاب أني أصوغ الذهب فأبيعه بوزنه وآخذ لعمالة يدي أجرًا، قال‏:‏ لا تبع الذهب بالذهب إلا وزنًا بوزن، ولا الفضة بالفضة إلا وزنًا بوزن، ولا تأخذ فضلاً‏"‏ا هـ منه‏.‏

وما ذكره البيهقي رحمه اللَّه أنه ما قدمه من نهي أبي الدرداء وعمر لمعاوية، هو قوله‏:‏ أخبرنا أبو زكريا بن أبي إسحاق وأبو بكر بن الحسن وغيرهما، قالوا‏:‏ حدّثنا أبو العباس الأصم، أنا الربيع، أنبأنا الشافعي، أنا مالك، وأخبرنا علي بن أحمد بن عبدان، أنا أحمد بن عبيد الصفار، حدثنا إسماعيل بن إسحاق، حدّثنا عبد اللَّه يعني القعنبي، عن مالك، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار أن معاوية بن أبي سفيان باع سقاية من ذهب أو ورق بأكثر من وزنها، فقال له أبو الدرداء‏:‏ سمعت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ينهى عن مثل هذا إلا مثلاً بمثل‏.‏ فقال معاوية‏:‏ ما أرى بهذا بأسًا‏.‏ فقال له أبو الدرداء‏:‏ من يعذرني من معاوية أخبره عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ويخبرني عن رأيه لا أساكنك بأرض أنت بها، ثم قدم أبو الدرداء على عمر بن الخطاب رضي اللَّه عنه فذكر له ذلك‏.‏ فكتب عمر إلى معاوية أن لا يبيع ذلك إلا مثلاً بمثل ووزنًا بوزن، ولم يذكر الربيع عن الشافعي في هذا قدوم أبي الدرداء على عمر، وقد ذكره الشافعي في رواية المزني‏.‏ اهـ منه بلفظه‏.‏

ونحو هذا أخرجه مسلم في ‏"‏الصحيح‏"‏ من حديث عبادة بن الصامت رضي اللَّه عنه من رواية أبي الأشعث قال‏:‏ غزونا غزاة وعلى الناس معاوية، فغنمنا غنائم كثيرة، فكان فيما غنمنا آنية من فضة فأمر معاوية رجلاً أن يبيعها في أعطيات الناس، فتسارع الناس في ذلك فبلغ عبادة بن الصامت، فقام فقال‏:‏ إني سمعت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ينهى عن بيع الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، إلا سواء بسواء عينًا بعين، فمن زاد أو استزاد فقد أربى‏.‏ فردّ الناس ما أخذوا، فبلغ ذلك معاوية فقام خطيبًا فقال‏:‏ ألا ما بال رجال يتحدثون عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أحاديث قد كنا نشهده ونصحبه فلم نسمعها منه، فقام عبادة بن الصامت فأعاد القصة ثم قال‏:‏ لنحدثن بما سمعنا من رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وإن كره معاوية، أو قال‏:‏ وإن رغم ما أبالي ألا أصحبه في جنده ليلة سوداء‏.‏ قال حماد هذا أو نحوه‏.‏ اهـ‏.‏

هذا لفظ مسلم في ‏"‏صحيحه‏"‏ وهذه النصوص الصحيحة تدل على أن الصناعة الواقعة في الذهب أو الفضة لا أثر لها، ولا تبيح المفاضلة بقدر قيمة الصناعة كما ذكرنا‏.‏ وهذا هو مذهب الحق الذي لا شك فيه‏.‏ وأجاز مالك بن أنس رحمه اللَّه تعالى للمسافر أن يعطي دار الضرب نقدًا وأجرة صياغته ويأخذ عنهما حليًا قدر وزن النقد بدون الأجرة؛ لضرورة السفر كما أشار إليه خليل بن أسحاق في ‏"‏مختصره‏"‏ بقوله‏:‏ بخلاف تبر يعطيه المسافر وأجرته دار الضرب ليأخذ زنته‏.‏

قال مقيده عفا اللَّه عنه‏:‏ الظاهر من نصوص السنة الصحيحة أن هذا لا يجوز؛ لضرورة السفر كما استظهر عدم جوازه ابن رشد، وإليه الإشارة بقول صاحب ‏"‏المختصر‏"‏‏:‏ والأظهر خلافه يعني‏:‏ ولو اشتدت الحاجة إليه إلا لضرر يبيح الميتة، كما قرره شراح ‏"‏المختصر‏"‏‏.‏

الفرع الخامس‏:‏ اختلف الناس في الأوراق المتعامل بها هل يمنع الربا بينها وبين النقدين نظرًا إلى أنها سند، وأن المبيع الفضة التي هي سند بها فيمنع بيعها ولو يدًا بيد مثلاً بمثل، ويمنع بيعها بالذهب أيضًا ولو يدًا بيد؛ لأنه صرف ذهب موجود أو فضة موجودة بالفضة غائبة، وإنما الموجود سند بها فقط فيمنع فيها لعدم المناجزة؛ بسبب عدم حضور أحد النقدين أو لا يمنع فيها شىء من ذلك؛ نظرًا إلى أنها بمثابة عروض التجارة فذهب كثير من المتأخرين إلى أنها كعروض التجارة، فيجوز الفضل والنساء بينها وبين الفضة والذهب، وممن أفتى بأنها كعروض التجارة العالم المشهور عليش المصري صاحب ‏"‏النوازل‏"‏،

و‏"‏شرح مختصر خليل‏"‏، وتبعه في فتواه بذلك كثير من متأخري علماء المالكية‏.‏

قال مقيده عفا اللَّه عنه‏:‏ الذي يظهر لي واللَّه تعالى أعلم أنها ليست كعروض التجارة، وأنها سند بفضة وأن المبيع الفضة التي هي سند بها‏.‏ ومن قرأ المكتوب عليها فهم صحة ذلك، وعليه فلا يجوز بيعها بذهب ولا فضة ولو يدًا بيد؛ لعدم المناجزة بسبب غيبة الفضة المدفوع سندها؛ لأنها ليست متمولة ولا منفعة في ذاتها أصلاً‏.‏ فإن قيل لا فرق بين الأوراق وبين فلوس الحديد؛ لأن كلاً منهما ليس متمولاً في ذاته مع أنه رائج بحسب ما جعله له السلطان من المعاملة فالجواب من ثلاثة أوجه‏:‏

الأول‏:‏ أنّا إذا حققنا أن الفلوس الحديدية الحالية لا منفعة فيها أصلاً، وأن حقيقتها سند بفضة، فما المانع من أن نمنع فيها الربا مع النقد، والنصوص صريحة في منعه بين النقدين، وليس هناك إجماع يمنع إجراء النصوص على ظواهرها بل مذهب مالك أن فلوس الحديد لا تجوز بأحد النقدين نسيئة، فسلم الدراهم في الفلوس كالعكس ممنوع عندهم‏.‏

وما ورد عن بعض العلماء مما يدلّ على أنه لا ربا بين النقدين وبين فلوس الحديد، فإنه محمول على أن ذلك الحديد الذي منه تلك الفلوس فيه منافع الحديد المعروفة المشار إليها بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَأَنزْلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَـافِعُ لِلنَّاسِ‏}‏، فلو جمعت تلك الفلوس وجعلت في النار لعمل منها ما يعمل من الحديد من الأشياء المنتفع بها، ولو كانت كفلوسنا الحالية على تسليم أنها لا منفعة فيها أصلاً، لما قالوا بالجواز؛ لأن ما هو سند لا شك أن المبيع فيه ما هو سند به لا نفس السند‏.‏ ولذا لم يختلف الصدر الأول في أن المبيع في بيع الصكاك الذي ذكره مسلم في ‏"‏الصحيح‏"‏ وغيره أنه الرزق المكتوب فيها لا نفس الصكاك التي هي الأوراق التي هي سند بالأرزاق‏.‏

الثاني‏:‏ أن هناك فرقًا بينهما في الجملة وهو أن الفلوس الحديدية لا يتعامل بها بالعرف الجاري قديمًا وحديثًا، إلا في المحقرات فلا يشترى بها شىء له بال بخلاف الأوراق، فدل على أنها أقرب للفضة من الفلوس‏.‏

الثالث‏:‏ أنّا لو فرضنا أن كلاًّ من الأمرين محتمل فالنبيّ صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏"‏ دع ما يريبك إلى ما لا يريبك ‏"‏، ويقول‏:‏ ‏"‏فمن ترك الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه‏"‏، ويقول‏:‏ ‏"‏والإثم ما حاك في النفس‏"‏ الحديث‏.‏ وقال الناظم

وذو احتياط في أمور الدين ** مَن فرَّ مِن شكٍ إلى يقين


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
الهدى

avatar

عدد المساهمات : 326
التميز : 1
تاريخ التسجيل : 14/10/2009

مُساهمةموضوع: تفسير اضواء البيان فى ايضاح القران بالقران   الإثنين يناير 11, 2010 4:55 am

وقد قدمنا مرارًا أن ما دل على التحريم مقدم على ما دل على الإباحة؛ لأن ترك مباح أهون من ارتكاب حرام، ولا سيما تحريم الربا الذي صرح اللَّه تعالى بأن مرتكبه محارب اللَّه‏.‏ وثبت عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم لعنه‏.‏ ومن أنواع الربا ما اختلف العلماء في منعه، كما إذا كان البيع ظاهره الحلية، ولكنه يمكن أن يكون مقصودًا به التوصل إلى الربا الحرام، عن طريق الصورة المباحة في الظاهر كما لو باع سلعة بثمن إلى أجل ثم اشترى تلك السلعة بعينها بثمن أقل من الأول نقدًا، أو لأقرب من الأجل الأول، أو بأكثر لأبعد فظاهر العقدين الإباحة؛ لأنه بيع سلعة بدراهم إلى أجل في كل منهما وهذا لا مانع منه، ولكنه يجوز أن يكون مقصود المتعاقدين دفع دراهم وأخذ دراهم أكثر منها لأجل أن السلعة الخارجة من اليد العائدة إليها ملغاة، فيؤُول الأمر إلى أنه دفع دراهم وأخذ أكثر منها لأجل، وهو عين الربا الحرام ومثل هذا ممنوع عند مالك، وأحمد، والثوري، والأوزاعي، وأبي حنيفة، والحسن بن صالح، وروي عن الشعبي والحكم وحماد كما في ‏"‏الاستذكار‏"‏،

وأجازه الشافعي‏.‏

واستدلّ المانعون بما رواه البيهقي والدارقطني عن عائشة أنها أنكرت ذلك على زيد بن أرقم، وقالت‏:‏ أبلغي زيدًا أنه أبطل جهاده مع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم إن لم يتب‏.‏

وقال الشافعي‏:‏ إن زيد بن أرقم مخالف لعائشة، وإذا اختلف صحابيان في شىء رجحنا منهما من يوافقه القياس والقياس هنا موافق لزيد؛ لأنهما عقدان كل منهما صحيح في نفسه‏.‏

وقال الشافعي أيضًا‏:‏ لو كان هذا ثابتًا عن عائشة فإنها إنما عابت التأجيل بالعطاء؛ لأنه أجل غير معلوم والبيع إليه لا يجوز‏.‏ واعترضه بعض العلماء بأن الحديث ثابت عن عائشة، وبأن ابن أبي شيبة ذكر في مصنفه أن أمهات المؤمنين كن يشترِين إلى العطاء واللَّه تعالى أعلم‏.‏ وبأن عائشة لا تدعي بطلان الجهاد بمخالفة رأيها، وإنما تدعيه بأمر علمته من رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وهذا البيع الذي ذكرنا تحريمه هو المراد عند العلماء ببيع العينة ويسميه المالكية بيوع الآجال، وقد نظمت ضابطه في نظمي الطويل في فروع مالك بقولي‏:‏

بيوع الآجال إذا كان الأجل أو ثمن كأخويهما تحل

وإن يك الثمن غير الأول وخالف الأجل وقت الأجل

فانظر إلى السابق بالإعطاء هل عاد له أكثر أو عاد أقل

فإن يكن أكثر مما دفعه فإن ذاك سلف بمنفعة

وإن يكن كشيئه أو قلا عن شيئه المدفوع قبل حلاّ


‏{‏وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ‏}‏‏.‏ ذكر في هذه الآية الكريمة أنه تعالى يربي الصدقات، وبيّن في موضع آخر أن هذا الإرباء مضاعفة الأجر، وأنه يشترط في ذلك إخلاص النية لوجه اللَّه تعالى، وهو قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَا آتَيْتُم مِّن رِّبًا لِّيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُو عِندَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُم مِّن زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ‏}‏‏.‏

‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلاَ يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلاَ يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإن كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لاَ يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ من رِّجَالِكُمْ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاء أَن تَضِلَّ إْحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى وَلاَ يَأْبَ الشُّهَدَاء إِذَا مَا دُعُواْ وَلاَ تَسْأَمُوْاْ أَن تَكْتُبُوْهُ صَغِيرًا أَو كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ وَأَقْومُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلاَّ تَرْتَابُواْ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلاَّ تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوْاْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلاَ يُضَآرَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ وَإِن تَفْعَلُواْ فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُواْ اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ وَإِن كُنتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُواْ كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلاَ تَكْتُمُواْ الشَّهَادَةَ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ لِّلَّهِ ما فِي السَّمَاواتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاء وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاء وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ‏}‏

، ياأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوااْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَىا أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ ظاهر هذه الآية الكريمة أن كتابة الدين واجبة؛ لأن الأمر من اللَّه يدل على الوجوب‏.‏ ولكنه أشار إلى أنه أمر إرشاد لا إيجاب بقوله‏:‏ ‏{‏وَإِن كُنتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُواْ كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلاَ تَكْتُمُواْ الشَّهَادَةَ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ‏}‏؛ لأن الرهن لا يجب إجماعًا وهو بدل من الكتابة عند تعذرها في الآية فلو كانت الكتابة واجبة لكان بدلها واجبًا‏.‏ وصرح بعدم الوجوب بقوله‏:‏ ‏{‏فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلاَ تَكْتُمُواْ الشَّهَادَةَ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ‏}‏، فالتحقيق أن الأمر في قوله‏:‏ ‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ‏}‏ للندب والإرشاد؛ لأن لرب الدَّيْنِ أن يهبه ويتركه إجماعًا، فالندب إلى الكتابة فيه إنما هو على جهة الحيطة للناس، قاله القرطبي‏.‏

وقال بعضهم‏:‏ إن أشهدت فحزم، وإن ائتمنت ففي حل وسعة ابن عطية، وهذا القول هو الصحيح قاله القرطبي أيضًا‏.‏

وقال الشعبي‏:‏ كانوا يرون أن قوله‏:‏ ‏{‏فَإِنْ أَمِنَ‏}‏، ناسخ لأمره بالكتب، وحكى نحوه ابن جريج، وقاله ابن زيد، وروي عن أبي سعيد الخدري وذهب الربيع إلى أن ذلك واجب بهذه الألفاظ ثم خففه اللَّه تعالى بقوله‏:‏ ‏{‏فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًا‏}‏، وتمسك جماعة بظاهر الأمر في قوله‏:‏ ‏{‏فَاكْتُبُوهُ‏}‏، فقالوا‏:‏ إن كتب الدَّيْن واجب فرض بهذه الآية بيعًا كان أو قرضًا؛ لئلا يقع فيه نسيان أو جحود وهو اختيار ابن جرير الطبري في ‏"‏ تفسيره ‏"‏‏.‏

وقال ابن جريج‏:‏ من أدان فليكتب ومن باع فليشهد‏.‏ اهـ من القرطبي وسيأتي له زيادة بيان إن شاء اللَّه قريبًا‏.‏

تنبيـه

‏:‏ أخذ بعض العلماء من قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَإِن كُنتُمْ عَلَى سَفَرٍ‏}‏ الآية‏.‏ أن الرهن لا يكون مشروعًا إلا في السفر كما قاله مجاهد والضحاك وداود والتحقيق جوازه في الحضر‏.‏

وقد ثبت في ‏"‏الصحيحين‏"‏ عن عائشة أنه صلى الله عليه وسلم توفي ودرعه مرهونة عند يهودي بثلاثين صاعًا من شعير‏.‏ وفي ‏"‏الصحيحين‏"‏ أنها درع من حديد‏.‏

وروى البخاري وأحمد والنسائي وابن ماجه عن أنس أنه صلى الله عليه وسلم رهن درعًا عند يهودي بالمدينة وأخذ منه شعيرًا لأهله‏.‏ ولأحمد والنسائي وابن ماجه عن ابن عباس مثل حديث عائشة فدل الحديث الصحيح على أن قوله‏:‏ ‏{‏وَإِن كُنتُمْ عَلَى سَفَرٍ‏}‏، لا مفهوم مخالفة له؛ لأنه جرى على الأمر الغالب، إذ الغالب أن الكاتب لا يتعذر في الحضر وإنما يتعذر غالبًا في السفر، والجري على الغالب من موانع اعتبار مفهوم المخالفة كما ذكرناه في هذا الكتاب مرارًا والعلم عند اللَّه تعالى‏.‏

‏{‏إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً‏}‏، ظاهر هذا الأمر الوجوب أيضًا فيجب على من باع أن يشهد وبهذا قال أبو موسى الأشعري، وابن عمر، والضحاك، وسعيد بن المسيِّب، وجابر بن زيد، ومجاهد، وداود بن علي وابنه أبو بكر، وعطاء، وإبراهيم قاله القرطبي وانتصر له ابن جرير الطَبري غاية الانتصار وصرح بأن من لم يشهد مخالف لكتاب اللَّه وجمهور العلماء على أن الإشهاد على المبايعة وكتاب الدَّيْن أمر مندوب إليه لا واجب، ويدل لذلك قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًا‏}‏‏.‏ وقال ابن العربي المالكي‏:‏ إن هذا قول الكافة قال‏:‏ وهو الصحيح ولم يحك عن أحد ممن قال بالوجوب إلا الضحاك قال‏:‏ وقد باع النبيّ صلى الله عليه وسلم وكتب قال‏:‏ ونسخة كتابه‏:‏ ‏"‏بسم اللَّه الرحمان الرَّحيم، هذا ما اشترى العداء بن خالد بن هوذة من محمد رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم اشترى منه عبدًا أو أمة لا داء ولا غائلة ولا خبثة بيع المسلم للمسلم‏"‏‏.‏ وقد باع ولم يشهد واشترى ورهن درعه عند يهودي ولم يشهد، ولو كان الإشهاد أمرًا واجبًا لوجب مع الرهن لخوف المنازعة‏.‏ اهـ‏.‏

قال القرطبي بعد أن ساق كلام ابن العربي هذا ما نصّه‏:‏ قلت‏:‏ قد ذكرنا الوجوب عن غير الضحاك وحديث العداء هذا أخرجه الدارقطني وأبو داود وكان إسلامه بعد الفتح وحنين، وهو القائل‏:‏ قاتلنا رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يوم حنين فلم يظهرنا اللَّه ولم ينصرنا‏.‏ ثم أسلم فحسن إسلامه‏.‏ ذكره أبو عمر وذكر حديثه هذا‏.‏

وقال في آخره‏:‏ قال الأصمعي‏:‏ سألت سعيد بن أبي عروبة عن الغائلة فقال‏:‏ الإباق والسرقة والزنا وسألته عن الخبثة فقال‏:‏ بيع أهل عهد المسلمين‏.‏

وقال الإمام أبو محمد بن عطية‏:‏ والوجوب في ذلك قلق أما في الوثائق فصعب شاق، وأما ما كثر فربما يقصد التاجر الإستئلاف بترك الإشهاد‏.‏ وقد يكون عادة في بعض البلاد، وقد يستحي من العالم والرجل الكبير الموقر فلا يشهد عليه فيدخل ذلك كله في الائتمان، ويبقى الأمر بالإشهاد ندبًا لما فيه من المصلحة في الأغلب ما لم يقع عذر يمنع منه كما ذكرنا، وحكى المهدوي والنحاس ومكي عن قوم أنهم قالوا‏:‏ ‏{‏وَأَشْهِدُوْاْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ‏}‏، منسوخ بقوله‏:‏ ‏{‏فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًا‏}‏، وأسنده النحاس عن أبي سعيد الخدري وأنه تلا‏:‏ ‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلاَ يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلاَ يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإن كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لاَ يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ من رِّجَالِكُمْ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاء أَن تَضِلَّ إْحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى وَلاَ يَأْبَ الشُّهَدَاء إِذَا مَا دُعُواْ وَلاَ تَسْأَمُوْاْ أَن تَكْتُبُوْهُ صَغِيرًا أَو كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ وَأَقْومُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلاَّ تَرْتَابُواْ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلاَّ تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوْاْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلاَ يُضَآرَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ وَإِن تَفْعَلُواْ فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُواْ اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ‏}‏، إلى قوله‏:‏ ‏{‏فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ‏}‏، قال‏:‏ نسخت هذه الآية ما قبلها‏.‏

قال النحاس‏:‏ وهذا قول الحسن والحكم وعبد الرحمان بن زيد‏.‏

قال الطبري‏:‏ وهذا لا معنى له؛ لأن هذا حكم غير الأول وإنما هذا حكم من لم يجد كاتبًا‏.‏

قال اللَّه عزّ وجلّ‏:‏ ‏{‏وَإِن كُنتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُواْ كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ‏}‏، أي فلم يطالبه برهن، ‏{‏فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ‏}‏، قال‏:‏ ولو جاز أن يكون هذا ناسخًا للأول، لجاز أن يكون قوله عزّ وجلّ‏:‏ ‏{‏وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاء أَحَدٌ مِّنكُم مِّن الْغَآئِطِ‏}‏، ناسخًا لقوله عزّ وجلّ‏:‏ ‏{‏الْخَاسِرِينَ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ‏}‏، ولجاز أن يكون قوله عزّ وجلّ‏:‏ ‏{‏فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ‏}‏، ناسخًا لقوله عزّ وجلّ‏:‏ ‏{‏فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ‏}‏‏.‏ وقال بعض العلماء إن قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًا‏}‏، لم يتبين بآخر نزوله عن صدر الآية المشتملة على الأمر بالإشهاد بل وردا معًا، ولا يجوز أن يرد الناسخ والمنسوخ معًا جميعًا في حالة واحدة، قال‏:‏ وقد روي عن ابن عباس أنه لمَّا قيل له إن آية الدَّيْن منسوخة قال‏:‏ لا واللَّه إن آية الدين محكمة ليس فيها نسخ، قال‏:‏ والإشهاد إنما جعل للطمأنينة، وذلك أن اللَّه تعالى جعل لتوثيق الدين طرقًا منها الكتاب، ومنها الرهن، ومنها الإشهاد، ولا خلاف بين علماء الأمصار أن الرهن مشروع بطريق الندب لا بطريق الوجوب، فيعلم من ذلك مثله في الإشهاد، وما زال الناس يتبايعون حضرًا وسفرًا وبرًا وبحرًا وسهلاً وجبلاً من غير إشهاد مع علم الناس بذلك من غير نكير‏.‏ ولو وجب الإشهاد ما تركوا النكير على تاركه، قلت هذا كله استدلال حسن وأحسن منه ما جاء في صريح السنة في ترك الإشهاد، وهو ما أخرجه الدارقطني عن طارق بن عبد اللَّه المحاربي رضي اللَّه عنه قال‏:‏ أقبلنا في ركب من الربذة وجنوب الربذة حتى نزلنا قريبًا من المدينة ومعنا ظعينة لنا، فبينما نحن قعود إذ أتانا رجل عليه ثوبان أبيضان فسلم فرددنا عليه فقال‏:‏ ‏"‏ من أين القوم ‏؟‏ ‏"‏ فقلنا‏:‏ من الربذة وجنوب الربذة، قال‏:‏ ومعنا جمل أحمر، فقال‏:‏ ‏"‏ تبيعوني جملكم هذا ‏؟‏ ‏"‏ فقلنا‏:‏ نعم، قال‏:‏ ‏"‏ بكم ‏؟‏ ‏"‏ قلنا‏:‏ بكذا وكذا صاعًا من تمر، قال‏:‏ فما استوضعنا شيئًا، وقال‏:‏ ‏"‏ قد أخذته ‏"‏، ثم أخذ برأس الجمل حتى دخل

المدينة فتوارى عنا فتلاومنا بيننا وقلنا‏:‏ أعطيتم جملكم من لا تعرفونه، فقالت الظعينة‏:‏ لا تلاوموا فقد رأيت وجه رجل ما كان ليخفركم‏.‏ ما رأيت وجه رجل أشبه بالقمر ليلة البدر من وجهه، فلما كان العشاء أتانا رجل، فقال‏:‏ السلام عليكم أنا رسول رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم إليكم وإنه أمركم أن تأكلوا من هذا حتى تشبعوا وتكتالوا حتى تستوفوا قال‏:‏ فأكلنا حتى شبعنا واكتلنا حتى استوفينا‏.‏ وذكر الحديث الزهري عن عمارة بن خزيمة أن عمه حدثه وهو من أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ أن النبيّ صلى الله عليه وسلم ابتاع فرسًا من أعرابي الحديث‏.‏ وفيه‏:‏ فطفق الأعرابي يقول‏:‏

هلم شاهدًا يشهد أني بعتك، قال خزيمة بن ثابت‏:‏ أنا أشهد أنك بعته، فأقبل النبيّ صلى الله عليه وسلم على خزيمة فقال‏:‏ ‏"‏بم تشهد‏؟‏‏"‏ قال‏:‏ بتصديقك يا رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فجعل رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم شهادة خزيمة بشهادة رجلين‏.‏ أخرجه النسائي وغيره‏.‏ اهـ من القرطبي بلفظه‏.‏

قال مقيده عفا اللَّه عنه‏:‏ وفيما نقلنا الدلالة الواضحة على أن الإشهاد والكتابة مندوب إليهما لا فرضان واجبان كما قاله ابن جرير وغيره، ولم يبيّن اللَّه تعالى في هذه الآية أعني‏:‏ قوله جلّ وعلا‏:‏ ‏{‏وَأَشْهِدُوْاْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ‏}‏، اشتراط العدالة في الشهود، ولكنه بيّنه في مواضع أُخر كقوله‏:‏ ‏{‏مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاء‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ‏}‏‏.‏ وقد تقرر في الأصول أن المطلق يحمل على المقيد كما بيّناه في غير هذا الموضع‏.‏

‏{‏ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا‏}‏، لم يبيّن هنا هل أجاب دعاءهم هذا أو لا ‏؟‏ وأشار إلى أنه أجابه بقوله في الخطأ‏:‏ ‏{‏وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ‏}‏، وأشار إلى أنه أجابه في النسيان بقوله‏:‏ ‏{‏وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ‏}‏، فإنه ظاهر في أنه قبل الذكرى لا إثم عليه في ذلك، ولا يقدح في هذا أن آية‏:‏ ‏{‏وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ‏}‏ مكيّة؛ وآية‏:‏ ‏{‏لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا‏}‏، مدنية إذ لا مانع من بيان المدني بالمكي كعكسه‏.‏ وقد ثبت في ‏"‏صحيح مسلم‏"‏ أن النبيّ صلى الله عليه وسلم لما قرأ‏:‏ ‏{‏ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا‏}‏، قال اللَّه تعالى‏:‏ نعم‏.‏

1‏.‏ ‏{‏لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَآ أَنتَ مَوْلاَنَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ

‏}‏

، رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَآ إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ لم يبين هنا هل أجاب دعاءهم هذا أو لا ‏؟‏ ولم يبين الإصر الذي كان محمولاً على من قبلنا، وبيّن أنه أجاب دعاءهم هذا في مواضع أُخر كقوله‏:‏ ‏{‏وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ‏}‏، إلى غير ذلك من الآيات‏.‏

وأشار إلى بعض الإصر الذي حمل على من قبلنا بقوله‏:‏ ‏{‏فَتُوبُواْ إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ‏}‏؛ لأن اشتراط قتل النفس في قبول التوبة من أعظم الإصر، والإصر الثقل في التكليف ومنه قول النابغة‏:‏

يا مانع الضيم أن يغشى سراتهم والحامل الإصر عنهم بعدما عرفوا

تم تفسير سورة البقرة



الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
الهدى

avatar

عدد المساهمات : 326
التميز : 1
تاريخ التسجيل : 14/10/2009

مُساهمةموضوع: تفسير اضواء البيان فى ايضاح القران بالقران   الإثنين يناير 11, 2010 4:56 am

تفسير سورة آل عمران

‏{‏الم اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ مِن قَبْلُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَأَنزَلَ الْفُرْقَانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انتِقَامٍ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَخْفَىَ عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاء هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاء لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألْبَابِ رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لاَّ رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُخْلِفُ الْمِيعَادَ‏}‏

، وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ يحتمل أن المراد بالتأويل في هذه الآية الكريمة التفسير وإدراك المعنى، ويحتمل أن المراد به حقيقة أمره التي يؤول إليها وقد قدمنا في مقدمة هذا الكتاب أن من أنواع البيان التي ذكرنا أن كون أحد الاحتمالين هو الغالب في القرءَان‏.‏ يبيّن أن ذلك الاحتمال الغالب هو المراد؛ لأن الحمل على الأغلب أولى من الحمل على غيره‏.‏ وإذا عرفت ذلك فاعلم أن الغالب في القرءَان إطلاق التأويل على حقيقة الأمر التي يؤول إليها كقوله‏:‏ ‏{‏يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏بَلْ كَذَّبُواْ بِمَا لَمْ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً‏}‏، إلى غير ذلك من الآيات‏.‏ قال ابن جرير الطبري‏:‏ وأصل التأويل من آل الشىء إلى كذا إذا صار إليه، ورجع يؤول أو لا، وأولته أنا صيرته إليه، وقال‏:‏ وقد أنشد بعض الرواة بيت الأعشى‏:‏ على أنها كانت تأول حبها تأول ربعي السقاب فأصحبا


قال‏:‏ ويعني بقوله‏:‏ تأول حبها مصير حبها ومرجعه، وإنما يريد بذلك أن حبها كان صغيرًا في قلبه فآل من الصغر إلى العظم، فلم يزل ينبت حتى أصحب فصار قديمًا كالسقب الصغير الذي لم يزل يشب حتى أصحب، فصار كبيرًا مثل أمه‏.‏ قال وقد ينشد هذا البيت‏:‏ على أنها كانت توابع حبها توالي ربعي السقاب فأصحبا


اهـــ‏.‏ وعليه فلا شاهد فيه، والربعي السقب الذي ولد في أول النتاج، ومعنى أصحب انقاد لكل من يقوده، ومنه قول امرىء القيس‏:‏ ولست بذي رثية إمر إذا قيد مستكرهًا أصحبا


والرثية‏:‏ وجع المفاصل، والإمرَّ‏:‏ بكسر الهمزة وتشديد الميم مفتوحة بعدها راء، هو الذي يأتمر لكل لكل أحد؛ لضعفه‏.‏

وأنشد بيت الأعشى المذكور الأزهري و‏"‏ صاحب اللسان ‏"‏‏:‏ ولكنها كانت نوى أجنبيه توالي ربعي السقاب فأصحبا


وأطالا في شرحه وعليه فلا شاهد فيه أيضًا‏.‏

تنبيــه

‏:‏ اعلم أن التأويل يطلق ثلاثة إطلاقات‏:‏

الأول‏:‏ هو ما ذكرنا من أنه الحقيقة التي يؤول إليها الأمر، وهذا هو معناه في القرءَان‏.‏

الثاني‏:‏ يراد به التفسير والبيان، ومنه بهذا المعنى قوله صلى الله عليه وسلم في ابن عباس‏:‏ ‏"‏اللهم فقهه في الدين، وعلمه التأويل‏"‏‏.‏ وقول ابن جرير وغيره من العلماء، القول في تأويل قوله تعالى‏:‏ كذا وكذا أي‏:‏ تفسيره وبيانه‏.‏ وقول عائشة الثابت في الصحيح‏:‏ كان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده ‏"‏سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي‏"‏ يتأول القرآن تعني يمتثله ويعمل به، واللَّه تعالى أعلم‏.‏

الثالث‏:‏ هو معناه المتعارف في اصطلاح الأصوليين، وهو صرف اللفظ عن ظاهره المتبادر منه إلى محتمل مرجوح بدليل يدل على ذلك، وحاصل تحرير مسألة التأويل عند أهل الأصول أنه لا يخلو من واحدة من ثلاث حالات بالتقسيم الصحيح‏:‏

الأولى‏:‏ أن يكون صرف اللفظ عن ظاهره بدليل صحيح في نفس الأمر يدل على ذلك، وهذا هو التأويل المسمى عندهم بالتأويل الصحيح، والتأويل القريب كقوله صلى الله عليه وسلم الثابت في الصحيح‏:‏ ‏"‏ الجار أحق بصقبه ‏"‏، فإن ظاهره المتبادر منه ثبوت الشفعة للجار، وحمل الجار في هذا الحديث على خصوص الشريك المقاسم حمل له على محتمل مرجوح، إلا أنه دل عليه الحديث الصحيح المصرح بأنه إذا صرفت الطرق وضربت الحدود، فلا شفعة‏.‏

الحالة الثانية‏:‏ أن يكون صرف اللفظ عن ظاهره لأمر يظنه الصارف دليلاً وليس بدليل في نفس الأمر، وهذا هو المسمى عندهم بالتأويل الفاسد، والتأويل البعيد، ومثل له الشافعية، والمالكية، والحنابلة بحمل الإمام أبي حنيفة رحمه اللَّه المرأة في قوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها، فنكاحها باطل، باطل ‏"‏ على المكاتبة، والصغيرة، وحمله أيضًا رحمه اللَّه لمسكين في قوله‏:‏ ستين مسكنًا على المد، فأجاز إعطاء ستين مدًا لمسكين واحد‏.‏

الحالة الثالثة‏:‏ أن يكون صرف اللفظ عن ظاهره لا لدليل أصلاً، وهذا يسمى في اصطلاح الأصوليين لعبًا، كقول بعض الشيعة‏:‏ ‏{‏وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةً قَالُواْ أَتَتَّخِذُنَا هُزُواً قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ‏}‏، يعني عائشة رضي اللَّه عنها، وأشار في ‏"‏مراقي السعود‏"‏ إلى حد التأويل، وبيان الأقسام الثلاثة بقوله معرفًا للتأويل‏:‏ حمل لظاهر على المرجوح واقسمه للفاسد والصحيح

صحيحه وهو القريب ما حمل مع قوة الدليل عند المستدل

وغيره الفاسد والبعيد وما خلا فلعبا يفيد


إلى أن قال‏:‏ فجعل مسكين بمعنى المد عليه لائح سمات البعد

كحمل مرأة على الصغيرة وما ينافي الحرة الكبيرة

وحمل ما ورد في الصيام على القضاء مع الالتزام


أما التأويل في اصطلاح خليل بن إسحاق المالكي الخاص به في ‏"‏ مختصره ‏"‏، فهو عبارة عن اختلاف شروح ‏"‏ المدونة ‏"‏ في المراد عند مالك رحمه اللَّه وأشار له في ‏(‏المراقي‏)‏ بقوله‏:‏ والخلف في فهم الكتاب صيّر إياه تأويلاً لدى المختصر


والكتاب في اصطلاح فقهاء المالكية ‏"‏ المدونة ‏"‏‏.‏

‏{‏وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألْبَابِ‏}‏، لا يخفى أن هذه الواو محتملة للاستئناف، فيكون قوله‏:‏ ‏{‏وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ‏}‏، مبتدأ، وخبره ‏{‏يَقُولُونَ‏}‏، وعليه فالمتشابه لا يعلم تأويله إلا اللَّه وحده، والوقف على هذا تام على لفظة الجلالة ومحتملة لأن تكون عاطفة، فيكون قوله‏:‏ ‏{‏وَالرَّاسِخُونَ‏}‏، معطوفًا على لفظ الجلالة، وعليه فالمتشابه يعلم تأويله‏:‏ ‏{‏وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ‏}‏ أيضًا، وفي الآية إشارات تدل على أن الواو استئنافية لا عاطفة‏.‏

قال ابن قدامة في روضة الناظر ما نصّه‏:‏ ولأن في الآية قرائن تدل على أن اللَّه سبحانه، متفرد بعلم المتشابه، وأن الوقف الصحيح عند قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ‏}‏، لفظًا ومعنى، أما اللفظ فلأنه لو أراد عطف الراسخين لقال‏:‏ ويقولون آمنا به بالواو، أما المعنى فلأنه ذم مبتغى التأويل، ولو كان ذلك للراسخين معلومًا لكان مبتغيه ممدوحًا لا مذمومًا؛

ولأن قولهم ‏{‏بِهِ إِنَّهُ‏}‏ يدلّ على نوع تفويض وتسليم لشىء لم يقفوا على معناه سيما إذا تبعوه بقولهم‏:‏ ‏{‏كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا‏}‏ فذكرهم ربهم ها هنا يعطي الثقة به والتسليم لأمره، وأنه صدر من عنده، كما جاء من عنده المحكم؛ ولأن لفظة أما لتفصيل الجمل فذكره لها في ‏{‏فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ‏}‏ مع وصفة إياهم باتباع المتشابه ‏{‏وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ‏}‏ يدل على قسم آخر يخالفهم في هذه الصفة، وهم الراسخون‏.‏ ولو كانوا يعلمون تأويله لم يخالفوا القسم الأول في ابتغاء التأويل وإذ قد ثبت أنه غير معلوم التأويل لأحد فلا يجوز حمله على غير ما ذكرنا‏.‏ اهـ من ‏"‏الروضة‏"‏ بلفظه‏.‏

ومما يؤيد أن الواو استئنافية لا عاطفة، دلالة الاستقراء في القرءَان أنه تعالى إذا نفى عن الخلق شيئًا وأثبته لنفسه، أنه لا يكون له في ذلك الإثبات شريك كقوله‏:‏ ‏{‏قُل لاَّ يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلاَّ اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏لاَ يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلاَّ هُوَ‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ‏}‏، فالمطابق لذلك أن يكون قوله‏:‏ ‏{‏وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ‏}‏، معناه‏:‏ أنه لا يعلمه إلا هو وحده كما قاله الخطابي وقال‏:‏ لو كانت الواو في قوله‏:‏ ‏{‏وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ‏}‏ لِلنسقِ، لم يكن لقوله‏:‏ ‏{‏كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا‏}‏، فائدة والقول بأن الوقف تام على قوله‏:‏ ‏{‏إِلاَّ اللَّهُ‏}‏، وأن قوله‏:‏ ‏{‏وَالرَّاسِخُونَ‏}‏، ابتداء كلام هو قول جمهور العلماء للأدلة القرءَانية التي ذكرنا‏.‏ وممن قال بذلك‏:‏ عمر وابن عباس وعائشة وعروة بن الزبير، وعمر بن عبد العزيز، وابن مسعود، وأُبي بن كعب، نقله عنهم القرطبي غيره، ونقله ابن جرير، عن يونس، عن أشهب، عن مالك بن أنس، وهو مذهب الكسائي والأخفش والفراء وأبي عبيد‏.‏

وقال أبو نهيك الأسدي‏:‏ إنكم تصلون هذه الآية وإنها مقطوعة وما انتهى علم الراسخين إلا إلى قولهم‏:‏ ‏{‏بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا‏}‏، والقول بأن الواو عاطفة مروي أيضًا عن ابن عباس، وبه قال مجاهد والربيع، ومحمد بن جعفر بن الزبير والقاسم بن محمد وغيرهم‏.‏ وممن انتصر لهذا القول وأطال فيه ابن فورك ونظير الآية في احتمال الاستئناف والعطف قول الشاعر‏:‏

الريح تبكي شجوها والبرق يلمع في الغمامة


فيحتمل أن يكون والبرق مبتدأ، والخبر يلمع كالتأويل الأول، فيكون مقطوعًا مما قبله، ويحتمل أن يكون معطوفًا على الريح، ويلمع في موضع الحال على التأويل الثاني أي‏:‏ لامعًا‏.‏

واحتجّ القائلون بأن الواو عاطفة بأن اللَّه سبحانه وتعالى مدحهم بالرسوخ في العلم فكيف يمدحهم بذلك وهم جهال‏.‏

قال القرطبي‏:‏ قال شيخنا أبو العباس أحمد بن عمرو‏:‏ هذا القول هو الصحيح فإن تسميتهم راسخين يقتضي أنهم يعلمون أكثر من المحكم الذي يستوي في علمه جميع من يفهم كلام العرب، وفي أي شىء هو رسوخهم إذا لم يعلموا إلا ما يعلم الجميع‏.‏ انتهى منه بلفظه‏.‏

قال مقيده عفا اللَّه عنه يجاب عن كلام شيخ القرطبي المذكور بأن رسوخهم في العلم هو السبب الذي جعلهم ينتهون حيث انتهى علمهم ويقولون فيما لم يقفوا على علم حقيقته من كلام اللَّه جلّ وعلا‏:‏ ‏{‏بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا‏}‏، بخلاف غير الراسخين فإنهم يتَّبِعون ‏{‏مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ‏}‏، وهذا ظاهر‏.‏

وممن قال بأن الواو عاطفة الزمخشري في تفسيره ‏"‏الكشاف‏"‏‏.‏ واللَّه تعالى أعلم ونسبة العلم إليه أسلم‏.‏

وقال بعض العلماء‏:‏ والتحقيق في هذا المقام أن الذين قالوا هي عاطفة، جعلوا معنى التأويل التفسير وفهم المعنى كما قال النبيّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏اللهمّ علمه التأويل‏"‏، أي‏:‏ التفسير وفهم معاني القرءَان، والراسخون يفهمون ما خوطبوا به وإن لم يحيطوا علمًا بحقائق الأشياء على كنه ما هي عليه‏.‏ والذين قالوا هي استئنافية جعلوا معنى التأويل حقيقة ما يؤول إليه الأمر وذلك لا يعلمه إلا اللَّه، وهو تفصيل جيد ولكنه يشكل عليه أمران‏:‏

الأول قول ابن عباس رضي اللَّه عنهما‏:‏ التفسير على أربعة أنحاء‏:‏ تفسير‏:‏ لا يعذر أحد في فهمه، وتفسير تعرفه العرب من لغاتها، وتفسير يعلمه العلماء، وتفسير لا يعلمه إلا اللَّه‏.‏ فهذا تصريح من ابن عباس أن هذا الذي لا يعلمه إلا اللَّه بمعنى التفسير لا ما تؤول إليه حقيقة الأمر‏.‏

وقوله هذا ينافي التفصيل المذكور‏.‏

الثاني‏:‏ أن الحروف المقطعة في أوائل السور لا يعلم المراد بها إلا اللَّه إذ لم يقم دليل على شىء معين أنه هو المراد بها من كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا من لغة العرب‏.‏ فالجزم بأن معناها كذا على التعيين تحكم بلا دليل‏.‏

تنبيهــان

الأول‏:‏ اعلم أنه على القول بأن الواو عاطفة فإن إعراب جملة يقولون مستشكل من ثلاث جهات‏:‏

الأولى أنها حال من المعطوف وهو الراسخون، دون المعطوف عليه وهو لفظ الجلالة‏.‏ والمعروف إتيان الحال من المعطوف والمعطوف عليه معًا كقولك‏:‏ جاء زيد وعمرو راكبين‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَسَخَّر لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَآئِبَينَ‏}‏‏.‏

وهذا الإشكال ساقط؛ لجواز إتيان الحال من المعطوف فقط دون المعطوف عليه، ومن أمثلته في القرءَان قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَجَاء رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا‏}‏، فقوله ‏{‏صَفًّا‏}‏ حال من المعطوف وهو ‏{‏رَبُّكَ‏}‏، دون المعطوف عليه وهو لفظة‏:‏ ‏{‏رَبَّكَ‏}‏‏.‏ وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَالَّذِينَ جَاؤُو مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا‏}‏، فجملة ‏{‏يَقُولُونَ‏}‏ حال من واو الفاعل في قوله‏:‏ ‏{‏َالَّذِينَ جَاؤُو‏}‏، وهو معطوف على قوله‏:‏ ‏{‏لِلْفُقَرَاء الْمُهَاجِرِينَ‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ‏}‏، فهو حال من المعطوف دون المعطوف عليه كما بينه ابن كثير وغيره‏.‏

الجهة الثانية‏:‏ من جهات الإشكال المذكورة هي ما ذكره القرطبي عن الخطابي قال عنه‏:‏ واحتجّ له بعض أهل اللغة، فقال معناه والراسخون في العلم يعلمونه قائلين‏:‏ آمنا، وزعم أن موضع يقولون نصب على الحال، وعامة أهل اللغة ينكرونه ويستبعدونه؛ لأن العرب لا تضمر الفعل والمفعول معًا ولا تذكر حالاً إلا مع ظهور الفعل فإذا لم يظهر فعل فلا يكون حال، ولو جاز ذلك لجاز أن يقال عبد اللَّه راكبًا يعني‏:‏ أقبل عبد اللَّه راكبًا، وإنما يجوز ذلك مع ذكر الفعل كقوله عبد اللَّه يتكلم يصلح بين الناس، فكان يصلح حالاً له كقول الشاعر أنشدنيه أبو عمر قال‏:‏ أنشدنا أبو العباس ثعلب‏:‏ أرسلت فيها قطمًا لكالكا يقصر يمشي ويطول باركا


أي يقصر ماشيًا وهذا الإشكال أيضًا ساقط؛ لأن الفعل العامل في الحال المذكورة غير مضمر؛ لأنه مذكور في قوله يعلم ولكن الحال من المعطوف دون المعطوف عليه، كما بينه العلامة الشوكاني في ‏"‏تفسيره‏"‏ وهو واضح‏.‏

الجهة الثالثة من جهات الإشكال المذكورة هي‏:‏ أن المعروف في اللغة العربية أن الحال قيد لعاملها ووصف لصاحبها، فيشكل تقييد هذا العامل الذي هو يعلم بهذه الحال التي هي ‏{‏وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ‏}‏؛ إذ لا وجه لتقييد علم الراسخين بتأويله بقولهم ‏{‏به إنه‏}‏؛ لأن مفهومه أنهم في حال عدم قولهم ‏{‏به إنه‏}‏ لا يعلمون تأويله وهو باطل، وهذا الإشكال قوي وفيه الدلالة على منع الحالية في جملة يقولون على القول بالعطف‏.‏ التنبيه الثاني‏:‏ إذا كانت جملة يقولون‏:‏ لا يصح أن تكون حالاً لما ذكرنا فما وجه إعرابها على القول بأن الواو عاطفة‏.‏ الجواب‏:‏ واللَّه تعالى أعلم أنها معطوفة بحرف محذوف والعطف بالحرف المحذوف، أجازه ابن مالك وجماعة من علماء العربية‏.‏ والتحقيق جوازه، وأنه ليس مختصًا بضرورة الشعر كما زعمه بعض علماء العربية، والدليل على جوازه وقوعه في القرءَان، وفي كلام العرب‏.‏ فمن أمثلته في القرءَان قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاعِمَةٌ‏}‏، فإنه معطوف بلا شك على قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ‏}‏، بالحرف المحذوف الذي هو الواو ويدل له إثبات الواو في نظيره في قوله تعالى في سورة ‏"‏ القيامة ‏"‏‏:‏ ‏{‏وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ‏}‏، وقوله تعالى في ‏"‏ عبس ‏"‏‏:‏ ‏{‏وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌ ضَاحِكَةٌ مُّسْتَبْشِرَةٌ وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ‏}‏‏.‏

وجعل بعض العلماء منه قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلاَ عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لاَ أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّواْ وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلاَّ يَجِدُواْ مَا يُنفِقُونَ‏}‏، قال‏:‏ يعني وقلت‏:‏ بالعطف بواو محذوفة وهو أحد احتمالات ذكرها ابن هشام في ‏(‏المغني‏)‏، وجعل بعضهم منه‏:‏ ‏{‏إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الإِسْلاَمُ‏}‏، على قراءة فتح همزة إن قال‏:‏ هو معطوف بحرف محذوف على قوله‏:‏ ‏{‏شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ‏}‏، أي‏:‏ وشهد أن الدين عند اللَّه الإِسلام وهو أحد احتمالات ذكرها صاحب ‏"‏المغني‏"‏ أيضًا ومنه حديث‏:‏ ‏"‏تصدق رجل من ديناره من درهمه من صاع بره من صاع تمره‏"‏ يعني ومن درهمه ومن صاع إلخ‏.‏

حكاه الأشموني وغيره، والحديث المذكور أخرجه مسلم والإمام أحمد وأصحاب السنن ومن شواهد حذف حرف العطف قول الشاعر‏:‏ كيف أصبحت كيف أمسيت مما يغرس الود في فؤاد الكريم


يعني‏:‏ وكيف أمسيت وقول الحطيئة‏:‏ إن امرأً رهطه بالشام منزله برمل يبرين جار شد ما اغتربا


أي‏:‏ ومنزله برمل يبرين‏.‏

وقيل‏:‏ الجملة الثانية صفة ثانية لا معطوفة وعليه فلا شاهد في البيت، وممن أجاز العطف بالحرف المحذوف الفارسي وابن عصفور خلافًا لابن جني والسهيلي‏.‏

ولا شك أن في القرءَان أشياء لا يعلمها إلا اللَّه كحقيقة الروح؛ لأن اللَّه تعالى يقول‏:‏ ‏{‏وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً‏}‏، وكمفاتح الغيب التي نص على أنها لا يعلمها إلا هو بقوله‏:‏ ‏{‏وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ‏}‏‏.‏

وقد ثبت عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، أنها الخمس المذكورة في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ‏}‏‏.‏ وكالحروف المقطعة في أوائل السور وكنعيم الجنة لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ‏}‏، وفيه أشياء يعلمها الراسخون في العلم دون غيرهم كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِيْنَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ‏}‏، مع قوله‏:‏ ‏{‏فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلا جَانٌّ‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏وَلا يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ‏}‏، وكقوله‏:‏ ‏{‏وَرُوحٌ مِّنْهُ‏}‏، والرسوخ والثبوت‏.‏ ومنه قول الشاعر‏:‏

لقد رسخت في القلب مني مودة ** لليلى أبت آياتها أن تغيّرا

‏{‏إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَن تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُم مِّنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ‏}‏

، إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَن تُغْنِىَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلـادُهُم مِّنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَـائِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ ذكر في هذه الآية الكريمة أن الكفار يوم القيامة لا تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم شيئًا، وذكر أنهم وقود النار أي‏:‏ حطبها الذي تتقد فيه، ولم يبين هنا هل نفيه لذلك تكذيب لدعواهم أن أموالهم وأولادهم تنفعهم، وبيّن في مواضع أُخر أنهم ادعوا ذلك ظنًّا منهم أنه ما أعطاهم الأموال والأولاد في الدنيا إلا لكرامتهم عليه واستحقاقهم لذلك، وأن الآخرة كالدنيا يستحقون فيها ذلك أيضًا فكذبهم في آيات كثيرة، فمن الآيات الدالة على أنهم ادعوا ذلك قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالاً وَأَوْلادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ‏}‏، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لأوتَيَنَّ مَالاً وَوَلَدًا‏}‏، وقال‏:‏ ‏{‏لأوتَيَنَّ مَالاً وَوَلَدًا‏}‏، يعني في الآخرة كما أوتيته في الدنيا‏.‏ وقوله‏:‏ ‏{‏وَلَئِن رُّجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِندَهُ لَلْحُسْنَى‏}‏، أي‏:‏ بدليل ما أعطاني في الدنيا، وقوله‏:‏ ‏{‏وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَى رَبِّي لأَجِدَنَّ خَيْرًا مِّنْهَا مُنقَلَبًا‏}‏، قياسًا منه للآخرة على الدنيا ورد اللَّه عليهم هذه الدعوى في آيات كثيرة كقوله هنا‏:‏ ‏{‏إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَن تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُم‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُم بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَل لاَّ يَشْعُرُونَ‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُم بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِندَنَا زُلْفَى‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِّأَنفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْمًا وَلَهْمُ عَذَابٌ مُّهِينٌ‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ‏}‏‏.‏ إلى غير ذلك من الآيات‏.‏

وصرح في موضع آخر أن كونهم وقود النار المذكور هنا على سبيل الخلود وهو قوله‏:‏ ‏{‏إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَن تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُم مِّنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ‏}‏‏.‏

‏{‏كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ‏}‏

، كَدَأْبِ ءَالِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذَّبُواْ بِأَيَـاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ لم يبيّن هنا من هؤلاء الذين من قبلهم وما ذنوبهم التي أخذهم اللَّه بها‏.‏

وبيّن في مواضع أُخر أن منهم قوم نوح، وقوم هود، وقوم صالح، وقوم لوط، وقوم شعيب؛ وأن ذنوبهم التي أخذهم بها هي الكفر باللَّه، وتكذيب الرسل وغير ذلك من المعاصي، كعقر ثمود للناقة وكلواط قوم لوط، وكتطفيف قوم شعيب للمكيال والميزان، وغير ذلك كما جاء مفصلاً في آيات كثيرة كقوله في نوح وقومه‏:‏ ‏{‏وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلاَّ خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ‏}‏، ونحوها من الآيات وكقوله في قوم هود‏:‏ ‏{‏وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ‏}‏، ونحوها من الآيات‏.‏ وكقوله في قوم صالح‏:‏ ‏{‏وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ‏}‏، ونحوها من الآيات‏.‏ وكقوله في قوم لوط‏:‏ ‏{‏مُشْرِقِينَ فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا‏}‏، ونحوها من الآيات‏.‏ وكقوله في قوم شعيب‏:‏ ‏{‏فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ‏}‏، ونحوها من الآيات‏.‏

‏{‏قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُم مِّثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَاء إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لأُوْلِي الأَبْصَارِ زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ قُلْ أَؤُنَبِّئُكُم بِخَيْرٍ مِّن ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمَاً بِالْقِسْطِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الإِسْلاَمُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَن يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ فَإنْ حَآجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُل لِّلَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ وَالأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُواْ فَقَدِ اهْتَدَواْ وَّإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاَغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الِّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِينَ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوْتُواْ نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِّنْهُمْ وَهُم مُّعْرِضُونَ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لاَّ رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاء وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاء وَتُعِزُّ مَن تَشَاء وَتُذِلُّ مَن تَشَاء بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ تُولِجُ اللَّيْلَ فِي الْنَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الَمَيَّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَن تَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ لاَّ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُوْنِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ قُلْ إِن تُخْفُواْ مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوَءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَؤُوفُ بِالْعِبَادِ‏}‏

، قَدْ كَانَ لَكُمْ ءَايَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا ذكر في هذه الآية الكريمة أن وقعة بدر آية أي‏:‏ علامة على صحة دين الإسلام إذ لو كان غير حق لما غلبت الفئة القليلة الضعيفة المتمسكة به الفئة الكثيرة القوية التي لم تتمسك به‏.‏





الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
تفسير اضواء البيان فى ايضاح القران بالقران
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 2انتقل الى الصفحة : 1, 2  الصفحة التالية

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
نور الهدى :: منتدى القران الكريم :: منتدى تفسير القران-
انتقل الى: